‮«‬واصبر نفسك مع الذين‮ ‬يدعون ربهم بالغداة والعشي‮ ‬يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً»، (الكهف: 28).
هذه الآية الكريمة نزلت في‮ ‬أشراف قريش حين طلبوا من النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬أن‮ ‬يجلس معهم وحده ولا‮ ‬يجالسهم مع ضعفاء أصحابه كبلال وعمار وصهيب وخباب وابن مسعود -رضي الله عنهم- وليفرد أولئك بمجلس على حدة فنهاه الله -عز وجل- عن ذلك،‮ ‬وروى مسلم في‮ ‬صحيحه‮: ‬بسنده عن سعد بن أبي‮ ‬وقاص -رضي الله عنه- قال‮: ‬كنا مع النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬ستة نفر فقال المشركون للنبي،‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮: ‬اطرد هؤلاء لا‮ ‬يجترئون علينا‮. ‬قال‮: ‬وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسميهما فوقع في‮ ‬نفس رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬ما شاء الله أن‮ ‬يقع فحدث نفسه فأنزل الله‮ - ‬عز وجل‮ - ‬الآية‮. ‬
وعبد الله بن مسعود‮ - ‬رضي‮ ‬الله عنه‮ - ‬هو واحد من هؤلاء الذين نزلت فيهم تلك الآيات التي تدعو النبي -صلى الله عليه وسلم- ‬للصبر على الذين‮ ‬يدعون ربهم بالغداة والعشي،‮ ‬وكان ابن مسعود -رضي الله عنه- رجلاً‮ ‬نحيفاً‮ ‬قصيراً،‮ ‬يكاد طوال الرجال‮ ‬يوازونه جلوساً‮ ‬وهو قائم،‮ ‬شديد السمرة،‮ ‬وكان جسمه صغيراً،‮ ‬خفيف اللحم،‮ ‬حتى إن الريح لتكفوه،‮ ‬وكان في‮ ‬ساقه دقة،‮ ‬ويروى أن النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬أمر ابن مسعود بأن‮ ‬يصعد شجرة الأراك ليأتيه بسواك منها،‮ ‬فنظر أصحابه إلى دقة ساقيه،‮ ‬فضحكوا،‮ ‬فقال النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮: ‬«ما‮ ‬يضحككم؟» قالوا‮: ‬من دقة ساقيه‮. ‬فقال صلى الله عليه وسلم‮: ‬والذي‮ ‬نفسي‮ ‬بيده لهما أثقل في‮ ‬الميزان من أحد»‮.‬

القارئ المحدث

هذا القصير النحيف الأسمر له شأن كبير مع الإسلام،‮ ‬فقد كان ولا‮ ‬يزال واحداً‮ ‬من أعلامه الكبار،‮ ‬وقد روى - ‬رضي‮ ‬الله عنه‮ - ‬علماً‮ ‬كثيراً،‮ ‬فله رواية لقراءة القرآن،‮ ‬وروى عنه القراءة أبو عبد الرحمن السلمي‮ ‬وعبيد بن نضيلة وطائفة أخرى،‮ ‬وله رواية لمئات الأحاديث عن النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬حدثت بها كتب السنة الست‮ة.‬

وهو من السابقين الأولين،‮ ‬يحكي‮ ‬أول قصته مع الإسلام فيقول‮: ‬كنت‮ ‬غلاماً‮ ‬يافعاً‮ ‬أرعى‮ ‬غنماً‮ ‬لعقبة بن أبي‮ ‬معيط،‮ ‬فأتى النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬ومعه أبو بكر،‮ ‬فقالا‮: ‬يا‮ ‬غلام،‮ ‬«هل عندك من لبن تسقينا؟ فقلت‮: ‬إني‮ ‬مؤتمن،‮ ‬ولست ساقيكما،‮ ‬فقال النبي‮: ‬هل عندك من جذعة لم‮ ‬ينز عليها الفحل؟» قلت‮: ‬نعم‮. ‬فأتيتهما بها فاعتقلها النبي‮ ‬ومسح الضرع،‮ ‬ودعا فحفل الضرع،‮ ‬ثم أتاه أبو بكر بصخرة متقعرة فاحتلب فيها،‮ ‬فشرب أبو بكر،‮ ‬ثم شربت،‮ ‬ثم قال للضرع‮: ‬«اقلص»‮. ‬فقلص،‮ ‬قال‮: ‬فأتيته بعد ذلك فقلت علمني‮ ‬من هذا القول،‮ ‬قال‮: «‬إنك‮ ‬غليم معلم»‮.‬
سرت أنوار الهداية في‮ ‬عروق ابن مسعود،‮ ‬فعاد إلى سيده بالغنم،‮ ‬ثم أسرع إلى مكة‮ ‬يبحث عن ذلك الرجل وصاحبه حتى وجده،‮ ‬وعرف أنه نبي‮ ‬مرسل،‮ ‬فأعلن
ابن مسعود إسلامه بين‮ ‬يديه،‮ ‬وكان بذلك سادس ستة‮ ‬يدخلون في‮ ‬الإسلام‮.‬
لما أسلم عبد الله أخذه رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬إليه،‮ ‬ولازم النبي‮ ‬وكان‮ ‬يخدمه،‮ ‬فيلبسه نعليه ثم‮ ‬يمشي‮ ‬أمامه بالعصا،‮ ‬حتى إذا أتى مجلسه نزع نعليه وأعطاه العصا فإذا أراد رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬أن‮ ‬يقوم ألبسه نعليه ثم مشى بالعصا أمامه حتى‮ ‬يدخل الحجرة قبل رسول الله،‮ ‬ويروي‮ ‬الأسود بن‮ ‬يزيد أنه سمع أبا موسى الأشعري‮ ‬يقول‮: ‬لقد قدمت أنا وأخي‮ ‬من اليمن،‮ ‬وما نرى إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮. ‬

«الله سيمنعني»

وكان عبد الله بن مسعود أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله،‮ ‬وقد اجتمع‮ ‬يوماً‮ ‬أصحاب رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬فقالوا‮: ‬والله ما سمعت قريش هذا القرآن‮ ‬يجهر لها به قط،‮ ‬فمن رجل‮ ‬يسمعهم؟ فقال عبد الله بن مسعود‮: ‬أنا‮. ‬فقالوا‮: ‬إنا نخشاهم عليك،‮ ‬إنما نريد رجلاً‮ ‬له عشيرة تمنعه من القوم إن أرادوه‮. ‬فقال‮: ‬دعوني،‮ ‬فإن الله سيمنعني‮. ‬فغدا حتى أتى المقام في‮ ‬الضحى وقريش في‮ ‬أنديتها،‮ ‬حتى قام عند المقام،‮ ‬فقال رافعاً‮ ‬صوته‮: (‬بسم الله الرحمن الرحيم،‮ ‬الرحمن،‮ ‬علم القرآن‮)‬،‮ ‬فاستقبلها فقرأ بها،‮ ‬فتأملوا ‬وجعلوا‮ ‬يقولون‮: ‬ما‮ ‬يقول ابن أم عبد؟ ثم قالوا‮: ‬إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد،‮ ‬فقاموا فجعلوا‮ ‬يضربون في‮ ‬وجهه،‮ ‬وجعل‮ ‬يقرأ حتى بلغ‮ ‬منها ما شاء الله أن‮ ‬يبلغ،‮ ‬ثم انصرف إلى أصحابه،‮ ‬وقد أثروا بوجهه،‮ ‬فقالوا‮: ‬هذا الذي‮ ‬خشينا عليك‮. ‬فقال‮: ‬ما كان أعداء الله قط أهون عليّ‮ ‬منهم الآن،‮ ‬ولئن شئتم‮ ‬غاديتهم بمثلها‮ ‬غداً‮. ‬قالوا‮: ‬حسبك،‮ ‬قد أسمعتهم ما‮ ‬يكرهون‮. ‬

وهو من كبار علماء الصحابة،‮ ‬هاجر الهجرتين،‮ ‬إلى الحبشة،‮ ‬وإلى المدينة،‮ ‬وصلى القبلتين،‮ ‬وشهد بدر،‮ ‬وهو الذي‮ ‬أجهز على أبي‮ ‬جهل،‮ ‬وشهد أحد،‮ ‬والخندق،‮ ‬وبيعة الرضوان،‮ ‬وسائر المشاهد مع رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬وشهد اليرموك من بعده،‮ ‬وكان‮ ‬يوم اليرموك على النفل،‮ ‬وأمره عمر بن الخطاب على الكوفة،‮ ‬وفوق ذلك كله شهد له رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬بالجنة‮.

معلم ووزير

سيره عمر بن الخطاب‮ - ‬رضي‮ ‬الله عنه‮ - ‬إلى الكوفة وكتب إلى أهل الكوفة‮: ‬إني‮ ‬قد بعثت إليكم عماراً‮ ‬أميراً‮ ‬وابن مسعود معلماً‮ ‬ووزيراً،‮ ‬وهما من النجباء من أصحاب محمد‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬من أهل بدر،‮ ‬فاسمعوا لهما،‮ ‬واقتدوا بهما،‮ ‬وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي‮.‬

ويروي‮ ‬قيس بن مروان أنه أتى عمر‮ - ‬رضي‮ ‬الله عنه‮ - ‬فقال‮: ‬جئت‮ ‬يا أمير المؤمنين من الكوفة وتركت بها رجلاً‮ ‬يملي‮ ‬المصاحف عن ظهر قلبه،‮ ‬فغضب وانتفخ،‮ ‬حتى كاد‮ ‬يملأ ما بين شعبتي‮ ‬الرحل،‮ ‬فقال‮: ‬ومن هو ويحك؟ قال‮: ‬عبد الله بن مسعود،‮ ‬فما زال‮ ‬يطفأ ويسري‮ ‬عنه الغضب،‮ ‬حتى عاد إلى حاله التي‮ ‬كان عليها،‮ ‬ثم قال‮: ‬ويحك والله ما أعلمه بقي‮ ‬من الناس أحد هو أحق بذلك منه،‮ ‬وسأحدثك عن ذلك،‮ ‬كان رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬لا‮ ‬يزال‮ ‬يسمر عند أبي‮ ‬بكر‮ - ‬رضي‮ ‬الله عنه‮ - ‬الليلة كذاك في‮ ‬الأمر من أمر المسلمين،‮ ‬وإنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه فخرج رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬وخرجنا معه فإذا رجل قائم‮ ‬يصلي‮ ‬في‮ ‬المسجد،‮ ‬فقام رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬يستمع قراءته،‮ ‬فلما كدنا أن نعرفه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‮: «‬من سره أن‮ ‬يقرأ القرآن رطباً‮ ‬كما أنزل،‮ ‬فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»،‮ ‬قال‮: ‬ثم جلس الرجل‮ ‬يدعو،‮ ‬فجعل رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬يقول له‮: ‬«سل تعطه،‮ ‬سل تعطه»،‮ ‬قال عمر‮ - ‬رضي‮ ‬الله عنه‮ - ‬قلت‮: ‬والله لأغدون إليه فلأبشرنه،‮ ‬قال: فغدوت إليه لأبشره فوجدت أبا بكر قد سبقني‮ ‬إليه فبشره‮: ‬ولا والله ما سبقته إلى خير قط إلا وسبقني‮ ‬إليه.

ويحكي‮ ‬زيد بن وهب أنه كان جالساً‮ ‬في‮ ‬القوم عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إذ جاء رجل نحيف قليل‮ ‬يكاد الجلوس‮ ‬يوارونه من قصره،‮ ‬فجعل عمر‮ ‬ينظر إليه ويتهلل وجهه،‮ ‬فجعل‮ ‬يكلم عمر ويضاحكه وهو قائم،‮ ‬ثم ولى،‮ ‬فإذا هو ابن مسعود،‮ ‬فأتبعه عمر بصره حتى توارى،‮ ‬وظل عمر‮ ‬يردد‮: «‬كنيف مُلئ علماً،‮ ‬كنيف مُلئ علماً‮»‬،‮ ‬يقصد وعاءً‮ ‬مُلئ علماً‮.‬

وفي‮ ‬أواخر عمره‮ - ‬رضي‮ ‬الله عنه‮ - ‬قدم إلى المدينة،‮ ‬ولقيه رجل فقال‮: ‬رأيتك البارحة،‮ ‬ورأيت النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬على منبر مرتفع،‮ ‬وأنت دونه وهو‮ ‬يقول‮: «‬يا ابن مسعود هلم إلي،‮ ‬فلقد جفيت بعدي‮»‬،‮ ‬فقال عبد الله‮: ‬آلله أنت رأيته؟ قال‮: ‬نعم‮. ‬قال‮: ‬فعزمت أن تخرج من المدينة حتى تصلي‮ ‬عليّ،‮ ‬فما لبث إلا أياماً‮ ‬حتى مات‮ - ‬رضي‮ ‬الله عنه‮ - ‬فشهد الرجل الصلاة عليه،‮ ‬وتوفي‮ ‬سنة اثنتين وثلاثين للهجرة في‮ ‬أواخر خلافة عثمان رضي‮ ‬الله عنه‮.‬‮