علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مراعاة مشاعر الآخرين واحترام كرامتهم والبعد عن كل ما يزعزع الثقة بينهم أو يمزق أواصر الود والحب والتواصل معهم، ولذلك حذر عليه الصلاة والسلام من أن يتناجى اثنان بحضرة ثالث أي يتحدثان معا بصوت خافت لا يسمعه الثالث وذلك مخافة أن يحزنه ذلك، أو أن تذهب به الظنون كل مذهب فيظن أن حديثهما عنه، أو أنهما يخفيان عنه أمرا ما، أو يمنعان عنه شيئا من الأشياء أو أن صلتهما به ليست من القوة بحيث يعلنان له الحديث، أو يجهران أمامه بالقول،، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن ابن عمر رضي الله عنه إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد .
لقد جاءت علة النهي عن المناجاة بين اثنين في حضور ثالث صريحة في السنة المطهرة، حيث بين رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ما يترتب على المناجاة وسرية القول بين اثنين من دون صاحبهما الذي معهما، وتلك العلة هي ما يحزنه من مثل هذا التصرف فيقول في حديث آخر صحيح: إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه .
لكن: هل كل حوار جانبي يدور بين اثنين في حضور ثالث أو في حضور آخرين منهي عنه شرعا وفقا لما جاء به التحذير النبوي؟
يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية والرئيس السابق لجامعة الأزهر: إذا كان هناك أمر خاص بين اثنين واستأذنا صاحبهما، أو أنه أذن لهما لإحساسه بسرية الأمر وخصوصيته بهما، فلا حرج في ذلك، وأيضا إذا اختلط الثلاثة بجمع من الناس، فانتحى اثنان منهم ناحية أو أسر أحدهما لصاحبه فلا حرج في ذلك، لأن المقام عندئذ أصبح عاما، ولم تعد بينهما وبين صاحبهما تلك المشاعر التي قد تحزنه .
سلوك المنافقين
وقد تعددت اجتهادات الفقهاء في زمن النهي عن التناجي بين الاثنين في حضور صاحبهما، فقال معظم العلماء إن النهي عام في كل الأزمان وفي الحضر والسفر، وقال بعض العلماء: إنما المنهي عنه المناجاة في السفر من دون الحضر، وذلك لمظنة الخوف في السفر وقال البعض من العلماء إن هذا السلوك المنهي عنه ليس صنيع أهل الإيمان الذي طبعوا على المحبة والمودة وعلى الصلة والتعاطف ومراعاة الأحاسيس والمشاعر، وإنما هذا كان سلوك المنافقين في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كانوا يفعلون ذلك بحضرة المؤمنين ليحزنوهم، لكن اتفق جمهور العلماء على أن هذا السلوك منهي عنه في كل زمان ومكان، وسواء صدر عن مؤمنين أو منافقين، وأن هذا أدب عام علمنا إياه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حرصا على مشاعر الآخرين .
ويوضح الدكتور هاشم أنه إذا كانت الجماعة مكونة من أربعة أشخاص فتناجى اثنان من دون اثنين فلا بأس بذلك من الناحية الشرعية، وكذلك إذا حدث اختلاط وجمع بين الناس، وقد جاء ذلك واضحا وصريحا في قول الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل ألا يحزنه ذلك أن الاختلاط بالناس يرفع الإثم والحرج، لأنه لا توجد حينئذ مظنة خوف أو شك أو توهم .
والإسلام بهذا النهي يدعو إلى اتقاء كل أسباب التهم ومواضعها لتظل قلوب المسلمين مصونة من سوء الظن ولتظل ألسنتهم بعيدة عن الغيبة، فإن الناس إذا عصوا الله بذكر الإنسان وكان الإنسان سببا في ذلك فهو شريك في الإثم، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم وقال صلوات الله وسلامه عليه كيف ترون من يسب والديه؟ فقالوا: وهل منا من يسب أبويه؟ قال: نعم، يسب أبوي غيره فيسبون أبويه .
دفع ظن السوء
وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مراعاة مشاعر الناس وأحاسيسهم تفرض على كل إنسان عاقل أن يدفع ظن السوء عنهم، وتجنب كل ما فيه ظن بالناس حتى لا يقعوا في الشكوك والأوهام والإثم والحرج، فلا يعرض الإنسان نفسه لقالة السوء، بل يدفع عن نفسه التهمة والظن حتى لا يقذف الشيطان شرا في قلوب الناس .
وقصة صفية بنت حيي رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير مثال على ضرورة أن يتجنب المسلم مواطن الشبهات حرصا على سمعته وصورته وسمعة الآخرين الذين يتعاملون معه ويلتقون به .
تقول صفية في الحديث الصحيح: كان النبي صلى الله عليه معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم قمت لأنقلب أي أعود فقام معي ليقلبني أي ليردني إلى منزلي وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا فقال النبي: على رسلكما إنها صفية بنت حيي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، قال: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا، أو قال شيئا .
وقد علمنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم من خلال هذه الواقعة ألا يضع الإنسان المسلم نفسه في مواطن الشبهات ومقام التهم حتى لا يساء به الظن، وقد قال الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من أقام نفسه مقام التهم فلا يلومن من أساء به الظن ولذلك واجب المسلم أن يصون نفسه من الشبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه .
لا غيبة ولا ظلم
وإذا كان التناجي مباحا في بعض مواضعه فقد علمنا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه كيف نتخلق بأخلاق الإسلام في حواراتنا الجانبية فلا نغتاب أحدا ولا نظلم أحدا ولا نردد قالة السوء ضد أحد وهذا هو أدب الإسلام الذي تعلمه رسول الله من كلام رب العالمين، فقد نهى الله عباده المؤمنين إذا تناجوا ألا يتناجوا بالإثم والعدوان وأمرهم بأن يتناجوا بالبر والتقوى، وأوضح أن النجوى أو المسارة التي يتوهم المؤمن بها سوءا إنما تصدر عما يزينه الشيطان ويسوله للبعض، ليسوء المؤمنين ويحزنهم، ولكن الحقيقة أن ذلك لا يضر الإنسان إلا بإذن ربه سبحانه وتعالى، فعلى المؤمن أن يستعيذ بالله، وأن يتوكل عليه، فإنه لا يصيبه إلا ما كتبه الله له . قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (سورة المجادلة: 9 - 10) .
لقد علمنا رسولنا الكريم كل الأخلاقيات الحسنة والسلوكيات النبيلة، فالنهي عن المناجاة بين اثنين في حضور ثالث جاء لئلا يتباغض الناس أو يتقاطعوا وليظلوا إخوة متحابين، تشرق المودة بينهم، ويسود الصفاء قلوبهم .