قال تعالى: «وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ »، (سورة الذاريات الآية 20). وقال سبحانه: «قل سيروا في الأرض، فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير»، (سورة العنكبوت الآية 20). وقال: « قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون»، (سورة يونس الآية 101 ). وقال جل جلاله: «إن في ذلك لآيات للمتوسمين»، (سورة الحجر الآية 75).
كشف البحث العلمي كيف يؤدي السير في الأرض، والبحث في صخورها وطبقاتها وصحاريها وجليدها إلى الكشف عن أسرار الخلق الأول.. الكائنات التي عاشت منذ ملايين السنين، وذلك قبل أن يستخلف الله الإنسان في الأرض ليعمرها بالحرث والنسل.
ويطلق العلماء على هذه العملية اسم الحفريات وهم يعرّفونها بأنها بقايا وآثار الكائنات التي كانت تعيش في الأزمنة والعصور الجيولوجية القديمة، سواء أكانت نباتات أو حيوانات أو أصدافاً، أو حتى آثاراً لوقع أقدام أو لجناح طائر.
يقول محمد كامل عبد الصمد في كتابه «الإعجاز العلمي في الإسلام»: «تجري الحفريات عادة في طبقات الصخور الرسوبية المكوّنة لقشرة الأرض، وقد وجد الجيولوجيون أن كل طبقة رسوبية من طبقات الأرض تحتوي على أنواع من الحفريات تتميز بها عن الطبقة الواقعة تحتها، أو تلك التي تعلوها.. ومن المعروف أن سطح الأرض كانت تعيش عليه أنواع شتى من المخلوقات في الأزمنة الغابرة، وقد انقرضت معظم هذه المخلوقات»..

ثروات مطمورة

ويهتم علماء الحفريات بدراسة بقايا وآثار الكائنات التي يجدونها مطمورة، أو مطبوعة في صخور الأرض وهذه الحفريات يمكن أن تنبئهم عن الظروف التاريخية التي ترسّبت فيها الصخور الحاوية للحفريات ومن ثم يستطيعون أن يتعرفوا إلى الأماكن التي توجد فيها بعض الثروات المعدنية، أو التي تصلح لتراكم زيت البترول والغازات الطبيعية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحفريات التي يقوم بها الإنسان يمكن التعرف منها إلى تاريخ الحياة على الأرض، وتاريخ الإنسان القديم الذي كان يعيش في العصور الغابرة قبل اختراع الكتابة بزمن، ومثال ذلك ما اكتشفه العلماء من وجود آثار للنار تعود إلى 400000 سنة ماضية، في منطقة الراين غرب مدينة استراسبورج.. وإلى الحفريات يعود الفضل في معرفة أشكال الحيوانات التي كانت تدب على الأرض قديماً، ثم انقرضت ولم يعد لها وجود بين عالم الأحياء اليوم.
ومن الجدير بالذكر أن العلماء عثروا على حفريات دقيقة جدا بحيث لا يمكنهم رؤيتها إلا باستخدام الميكروسكوب.. وهذه الحفريات الدقيقة إن دلت على شيء فإنما تدل على أن زيت البترول قد نتج من تحلل بقايا الكائنات والنباتات البحرية التي كانت تعيش في مياه البحار القديمة، منذ بلايين السنين.

4 مراحل

وكشفت الأبحاث التي أجريت في مجال علم الأجنة وعلم التشريح الذي تقارن به الكائنات (علم التشريح المقارن) أن الأرض مرت بأربعة أدوار أو مراحل منذ بدء ظهور الحياة عليها حتى الآن، وتعرف هذه الأدوار بالأحقاب على النحو الآتي:
أولاً: الحقبة السحيقة، (الأركي) وهي تبدأ وقد أصبحت الأرض وحدة كروية مستقرة ذات قشرة خارجية من صخور الجرانيت. وخلال تلك الحقبة ظهرت الأحياء الأولى إلا أنها لم تترك أي أثر لها بين طبقات ذلك العهد. والسبب في ذلك يرجع أساسه إلى صغر تلك الحيوانات ،كما أنها لم تكن لها أجزاء صلبة كالعظام أو الغضاريف أو القشور.
ثانيا: حقبة الحياة القديمة (أو الباليوزوي) وخلالها تكونت طبقات من الصخور الرسوبية والمتحولة حوت حفريات انتمت إلى كائنات مائية عاش أغلبها في الماء، إلا أنها تختلف تماما عما نشاهده اليوم في البحار قبل أن تنقرض أو تتطور إلى كائنات أرقى.
ثالثا: حقبة الحياة الوسطى (أو الميزوزوي) وخلالها تكونت طبقة سميكة من الصخور الرسوبية حوت أنواعاً من الكائنات الحية هي ما بين القديم والحديث، أي أن بعض الكائنات التي عاشت خلال تلك المرحلة كانت قد بدأت تأخذ شكل الكائنات الموجودة الآن.
رابعا: حقبة الحياة الحديثة (أو الكينوزوي) وأهم مميزاتها ظهور الأحياء الموجودة الآن.
ولقد كان الانتقال من مرحلة إلى أخرى من تلك المراحل مصحوباً بحركات عنيفة في القشرة الأرضية تكاد تكون شاملة لسطح الأرض كله مثل ارتفاع سلاسل جبال برمتها وهبوط مناطق كبيرة تحت سطح البحر وهذه الحركات كان يتبعها تغير واضح في كثير من خصائص جو الأرض.

الصخور الرسوبية

وعن الصخور الرسوبية أو الصخور الطبقية، في قوله تعالى: «أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً، ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله، كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال»، (سورة الرعد الآية: 17).
يقول المهندس محمد عبد القادر الفقي في كتابه «القرآن والمعادن»: «الربا» في اللغة تعنى الزيادة وإذا تأملت كلمة «رابيا» في الآية الكريمة أدركت أنها تعني هنا تراكم الزبد وتراكبه طبقة فوق طبقة في نهاية المطاف، حينما يلقي السيل بحمله، وفي نهاية المطاف قد تكون مصبات الأنهار، أو تكون على طول الطريق، حيث يعجز السيل عن حمل ما علق به، إذ إن هذه المقدرة تتناسب مع سرعة المياه، والسرعة تتعلق بالميل أو الانحدار.. وكلما ازدادت سرعة المياه ازداد مقدار ما تحمله معها.. وكلما قلت السرعة، زاد معدل ترسيب المواد العالقة بالمياه، ولذلك فإنه حينما تصطدم مياه الأنهار عند المصبات بمياه البحر فإن كل المواد التي تحملها المياه معها تترسب في القاع.. ومع مرور آلاف السنين تتراكم طبقة الرسوبيات وتظهر ما تعرف باسم دلتا النهر، حيث تزحف الشواطئ على البحر.

إعجاز قرآني

وعن التركيب الكيميائي للحجارة والإنسان يتجلى الإعجاز القرآني في قوله عز وجل: «وقالوا أإذا كنا عظاماً ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقاً جديداً، قل كونوا حجارة أو حديدا، أو خلقاً مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا»، (سورة الإسراء الآيات: 49-51). وهذه الآيات الكريمة تأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقول للمنكرين للبعث والمتشككين في الحياة الآخرة: لو أنكم كنتم حجارة أو حديداً وهو أصلب وأقسى من الحجارة أو أي خلق آخر فإن الله قادر على أن يعيدكم كما خلقكم أول مرة.
فالإنسان قد خلق من تراب.. والتراب ما هو إلا فتات الصخور والحجارة المكونة للقشرة الأرضية.. ولذلك فإن قوله تعالى: «كونوا حجارة» يتضمن كل العناصر المكونة للتراب بما فيها الحديد، ولقد أثبت العلم الحديث أن جسم الإنسان يتكون من العناصر المكونة للتراب نفسها وقد قرر العالم الجيولوجي «فينوجرادوف» في عام 1933 أن التركيب الكيميائي لكل الكائنات الحية يتشابه، لو أخذت في الاعتبار عناصر مثل الكربون والهيدروجين والأكسجين والنيتروجين والفوسفور والكبريت.

تدبير إلهي

ما كان للإنسان أن يعلم شيئاً عن كثير من المخلوقات، لو لم يكن المولى عز وجل قد هيأ كل الظروف التي تساعد على الاحتفاظ بها بين الصخور، وقد تكون الحفريات في أغلب الأحيان في بقايا الأجزاء الصلبة الهيكلية للكائنات بعد تعفن أجزائها الرخوة وأحشائها.