لذلك لا يتوقف المفتي وهو متخصص في الشريعة الإسلامية عن شرح مقاصد العبادات والطاعات وحث المسلمين على ضرورة أداء العبادات بإخلاص محذراً من تحويلها إلى طقوس ومظاهر شكلية يحرص عليها البعض ويضيّعون على أنفسهم فرصة الاستفادة من العطاء الإلهي للعبادات.
لذلك حاولنا من خلال هذا الحوار أن نستفيد ونفيد القراء من توجيهات ونصائح مفتي مصر، خاصة ونحن نعيش أجواء روحية في رحاب شهر عظيم مبارك وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن «أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار».
في البداية سألنا د. علام: كيف ترى علاقة المسلمين بعباداتهم خاصة في شهر عظيم تتلاقى فيه معظم الفرائض من صلاة وصوم وزكاة فضلاً عن أعمال الخير التي تتعاظم في رمضان؟
الحمد لله على أن علاقة المسلمين بعبادات الإسلام وما حث عليه دينهم من طاعات وأعمال خير علاقة قوية، ونحن نرى في كل أرجاء العالم كيف يحرص المسلمون على العبادات والطاعات في رمضان وغير رمضان، ولا يتوقفون عن السؤال في أمور العبادة كي يقفوا على الشكل الأمثل لعباداتهم ليستفيدوا من عطائها، لأن العبادة في الإسلام لا تستهدف فقط تحقيق الطاعة والامتثال لله عز وجل، بل تحقق كل عبادة مكاسب عديدة للإنسان في حياته الدنيوية، وقد أفاض علماء الإسلام وغيرهم من الأطباء وخبراء الطب النفسي وعلماء الاجتماع والاقتصاد وغيرهم في الحديث عن المنافع العديدة التي تعود على الإنسان من وراء العبادات التي يؤديها.
المفهوم الشامل للعبادة
هل يؤدي المسلم العبادة استجابة لأمر الله سبحانه من دون نظر لمنافعها.. أم لما يعود عليه من منافع ؟
المطلوب من المسلم أن يؤدي ما فرضه الله من فرائض، وما شرعه من تشريعات، لأن الله سبحانه هو الذي أمر، وذلك غاية الخضوع لله سبحانه وتعالى، مع غاية المحبة له.. يقول الحق سبحانه: «والذين آمنوا أشد حبًا لله».. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما».
والعبادة في الإسلام لا تقف عند المفهوم الضيق للعبادة، بل هي شاملة للدين كله وللحياة كلها.. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن معنى قول الله عز وجل: «يا أيها الناس اعبدوا ربكم» فقال: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والدعاء والذكر، وقراءة القرآن.. وأمثال ذلك من العبادة.
فالعبادة لها آفاق واسعة، وهي تشمل الفرائض من صلاة وصيام وزكاة، وحج.. كما تشمل العبادات التطوعية وتشمل ذكر الله وتلاوة للقرآن والدعاء والاستغفار والتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد.. وحسن المعاملة والوفاء بحقوق العباد كبرّ الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان لليتيم والمسكين وابن السبيل والرحمة بالضعفاء، والرفق بالحيوان، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، وغير ذلك من الأخلاق والفضائل التي تدخل في نطاق العبادات المطلوبة من المسلم شرعاً.
لذلك يجب على المسلم الذي يتطلع لرضا الخالق سبحانه أن يحرص على كل ذلك وأن يؤدي العبادات والطاعات متكاملة، حيث لا ينبغي أن يهتم بجانب ويهمل آخر، فالدين كل لا يتجزأ والإسلام لا يعرف الانفصام في شخصية المسلم.. وعليه أن يخضع أموره كلها لما يحبه سبحانه وتعالى ويرضاه ويشمل ذلك الاعتقادات والأقوال والأعمال، وأن يكيّف المسلم حياته وسلوكه وفقاً لهداية الله وشرعه، فيلتزم بما أمر وينتهي عما نهى، وأن يكون شعاره في كل المواقف: «سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير».. فالمؤمن مطالب بأن يسلم أمور حياته كلها لخالقه فلا يعترض على فريضة ولا يسخر من خلق ولا يستهتر بفضيلة.. بل عليه أن يمتثل لقول الحق سبحانه وتعالى: «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً».
ثواب مضاعف
في رمضان يكثر المسلمون من أعمال الخير فيتصدقون على الفقراء ويقيمون موائد الرحمن ويصلون أرحامهم.. فهل لهذه الأعمال خلال الشهر الفضيل أجر وثواب مضاعف؟
المسلم مطالب بأن يحرص على كل وجوه الخير في رمضان وغير رمضان، والعطاء الخيري يتعاظم أجره وثوابه في أوقات الحاجة إليه، لكن واجبنا أن نشدّ على أيدي هؤلاء الذين يتعاظم عطاؤهم الخيري في رمضان، وأن ندفعهم إلى مزيد من العطاء، فرمضان شهر عظيم مبارك، والمؤمن الحق هو الذي يتقرب إلى الله فيه بكل صنوف الطاعات في كل لحظة من أيام وليالي الشهر المبارك الذي جعل الله صيام نهاره فريضة وقيام ليله طاعة وقربى إلى الله عز وجل.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص دائماً على شحن بطارية المسلم الإيمانية مع قدوم هذا الشهر الفضيل ليتضاعف عطاؤه، وكان يحرص على تهيئة المسلمين لاستقبال رمضان والاستعداد الحقيقي له بالحرص على العبادة وتكثيف أعمال الخير باعتباره أفضل شهور العام على الإطلاق، فهو الشهر الكريم الذي أنزل الله فيه القرآن، كما أنه شهر المغفرة والرحمة، وليلة القدر من نفحات الله للمسلمين في هذا الشهر الفضيل، ورمضان له خاصية ليست لغيره، فهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار».
وأنا أدعو كل مسلم أن يتأمل ما وجّه به رسول الله المسلمين في رمضان حيث قال سلمان الفارسي رضى الله عنه: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: «يا أيها الناس، قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعاً، من قرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة وشهر يزداد رزق المؤمن فيه، من فطّر صائماً كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيئاً، قالوا: يا رسول الله أليس كلنا لا يجد ما يفطر الصائم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: يعطي الله عز وجل هذا الثواب من فطر صائماً على تمرة أو شربة ماء، أو مذقة لبن، وهذا شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، فمن خفف عن مملوكه فيه غفر الله تعالى له، وأعتقه من النار، استكثروا فيه من أربع خصال، خصلتين ترضون بهما ربكم عز وجل، وخصلتين لا غنى لكم عنهما، أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم عز وجل فشهادة ألاَّ إله إلا الله، وأن تستغفروه، وأما الخصلتان اللتان لا غنى لكم عنهما فتسألون الله تعالى الجنة، وتعوذون به من النار، ومن سقى صائماً سقاه الله تعالى من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة».
أخلاقيات الصوم الغائبة
البعض يؤدي الصوم من دون أن يلتزم بأخلاقياته.. ماذا يقول لهم مفتي مصر؟
الإسلام لا يعرف المظاهر والشكليات، والصوم ليس طقوساً شكلية يؤديها المسلم من دون هدف لمجرد تحقيق المطلب الديني، بل هو فريضة هدفها الأسمى تهذيب سلوك الإنسان والارتقاء بأخلاقياته، وتحسين علاقاته بكل من يتعامل معهم، فالصوم الذي يدخل صاحبه الجنة كما بشّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الصوم المقبول الخالي من الرياء، حيث لا يكون الصائم كامل الصوم مقبولاً عند ربه سبحانه وتعالى إلا إذا صام صوماً حقيقياً تاماً، بأن كف جوارحه وشهواته وامتنع عن المفطرات وعن المعاصي ما ظهر منها وما بطن، وامتنع عن قول الزور وعن العمل به، حيث يقول عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».
ولذلك فإن الصائم الذي يكف عن الطعام والشراب فيجوع ويعطش لكنه لا يكف نفسه عن الغيبة أو الزور أو العمل به، ولا يحفظ جوارحه عن الآثام، أو يصوم ويفطر على الحرام، أو على لحوم الناس بالغيبة ونحوها، هذا الإنسان لا يجني من صيامه إلا الجوع والعطش، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش».. وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك ويدك».
انفصام في الشخصية
ماذا تقول للذين يصومون ولا يحرصون على أداء الصلاة وبعضهم يكتفي بصلاة الجمعة فقط؟
هؤلاء يعانون انفصاماً في الشخصية، فالصلاة فريضة تتقدم كل فرائض الإسلام، ومن يهمل الصلاة فلن يستفيد شيئاً من صيامه حتى لو سقطت عنه الفريضة من الناحية الشكلية، وعبادات الإسلام تتلاقى منافعها في حياة الإنسان وتتكامل، ولكل فريضة أهدافها التي تكمل أهداف الفريضة الأخرى، والصلاة هي العبادة الوحيدة الدائمة التي يؤديها المسلم يومياً على عكس باقي الفرائض، وذلك لمنافعها ومكاسبها العديدة التي يحتاج إليها المسلم.. وعبادة الصلاة جعلها الله في منزلة سامية ودرجة عالية، وبشّر المحافظين عليها بجزيل الثواب وأنذر المتكاسلين عنها بأشد أنواع العذاب.
ولا شك أن المداومة على الصلاة تؤدي إلى إزالة السيئات، وإلى اجتناب المنكرات حيث يقول الحق سبحانه: «وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين».. وقال سبحانه: «اتلُ ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر».. وإلى جانب هذه النصوص القرآنية حدثنا رسول الله كثيراً عن فضائل الصلاة، وحثّنا على المداومة عليها وعلى الخشوع فيها وعلى أدائها بالطريقة التي حدّدها لنا، فهي مصدر الطهارة والنقاء.. يقول عليه الصلاة والسلام: «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه أي وسخه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء.. قال صلى الله عله وسلم: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا».
ضعف الوازع الديني
من وجهة نظركم: لماذا ينشغل بعض المسلمين عن الصلاة على الرغم مما ورد في ذلك من تحذيرات دينية؟
للأسف لم يعد الدين هو القوام الرئيس لحياة بعض الناس ربما بسبب نشأتهم أو ضعف ثقافتهم ووعيهم الديني، ولذلك تجد هؤلاء يهملون عبادات الإسلام كلها أو بعضها وعلاقتهم بها علاقة شكلية أو هامشية.. وهؤلاء واجبنا كعلماء ودعاة أن نعيدهم إلى طريق الحق وأن نصحح علاقاتهم بدينهم، وأن ننقذهم من تداعيات الفراغ الديني الذي يعيشونه.
لا شك أن إهمال أي عبادة أو فريضة سلوك يكشف عن ضعف الإيمان وفقدان الوازع الديني وسوء التربية منذ الصغر، فالطفل الذي ينشأ في بيت يصلي فيه الكبار خاصة الأب والأم يتربى على احترام فرائض الإسلام والحرص عليها.. وعلى كل تارك للصلاة أن يعلم أن عقوبة ذلك شديدة وقاسية، وقد فصلها ووضحها علماء الإسلام، فتارك الصلاة جحوداً ونكراناً لفرضيتها واستهزاء بها يخرج عن دائرة الإيمان، وتاركها كسلاً عاصٍ معصية كبرى، ويجلب لنفسه غضب الله وعقابه، فلا شيء يُعفي من الصلاة وأية مبررات يسوقها الكسالى والمستهترون بهذه الفريضة التي هي عماد الدين، هي مبررات مرفوضة، وتؤكد ضعف إيمانهم وفقدان بصيرتهم وسوء تفكيرهم.
الزكاة.. في رمضان
بعض المسلمين يحرصون على أداء زكواتهم خلال شهر رمضان طمعاً في مزيد من الأجر والثواب.. هل تقرون ذلك؟
الزكاة عبادة مالية أرادها الله لتحقيق أهداف إنسانية واجتماعية في حياة المسلمين طوال العام، حيث لا تتوقف حاجات المسلمين على مطالبهم في شهر رمضان، والذي يرتبط برمضان من أشكال وأنواع الزكوات هي زكاة أو صدقة الفطر.. لذلك ننصح بعدم ربط باقي الزكوات برمضان وترك الفريضة تؤدي أهدافها المتنوعة في حياة الناس طوال العام.
هل ترى أن فريضة الزكاة قادرة على حل مشكلات الفقراء وأصحاب الحاجات الذين تتضاعف أعدادهم في عالمنا الإسلامي بشكل يدعو إلى الأسى والحزن؟
بلا جدال، فزكوات أغنياء المسلمين تكفي حاجات مستحقي الزكاة في بلادهم وتفيض، لكن للأسف هذه العبادة مهملة في كثير من بلادنا الإسلامية ولا يحرص على الوفاء بها إلا قليل من المسلمين، مما أدى إلى تزايد الفقراء في بلاد المسلمين، وعلى كل مسلم أن يبادر بإخراج ما عليه من زكاة، وأن يعلم أن الزكاة تحقق له مكاسب ربما أكثر مما تحقق للآخذين لها.. وعلينا أن نتأمل قول الحق سبحانه: «خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم وتزكيهم بها».. فالزكاة كما هي وسيلة للوفاء بحاجات المستحقين لها وتوفير حياة كريمة لهم.. فيها أيضاً طهارة لنفس الغنيّ من الشح البغيض، وكل من يزكي ويخرج بعض ماله عن طيب خاطر وقناعة فإنه يعالج تلك الآفة النفسية الخطرة التي قد تدفع صاحبها إلى التضحية بحياته من أجل المال، والله سبحانه وتعالى يقول: «ومن يُوق شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون».