يرتبط تطور الجنس الأدبي بالحراك المجتمعي المحيط، في القرن التاسع عشر مع ازدهار الطبقة الوسطى في الغرب نشطت حركة الكتابة الروائية وترسخت قواعدها ومفرداتها، وفي مطلع النهضة العربية الحديثة لاحظنا أيضاً في كتابات النثر الفني ذلك الشكل الأدبي المتّسم بجماليات وأساليب بلاغية تختلف عن الشعر والرواية والمسرح والقصة . من منا ينسى كتابات المنفلوطي وأمين الريحاني وإبراهيم عبدالقادر المازني ومارون عبود . . الخ؟ الأمر الذي يدفعنا للسؤال لماذا اختفى النثر الفني من كتاباتنا المعاصرة؟ البعض يذهب في التحقيق التالي الذي خصصناه للإجابة عن هذا السؤال إلى التأكيد أن بعض المقالات التي نقرأها الآن تتميز بجمالية تقترب بها من أسماء الرواد الذين سبق ذكرهم، وآخرون يحللون المسألة في سياق تدهور ثقافي عام نعيشه حالياً، وفريق ثالث يناقش الموضوع في أبعاده العالمية .
يرى ماجد بو شليبي أن لا مدارس تدرس هذا الفن، وهو نوع رفيع عال، وراق، طالما قرأناه في كتابات مبدعين كبار، ويكاد يكون غريباً، لولا قلة من المبدعين تكتب بلغة أقرب إليه، ويحضرني هنا مثال أضربه دوماً عن بعض ضروب الإبداع التي تكاد تنقرض بالقول لو أن طفلاً جاء بعد انقراض البلابل - لا سمح الله - وأسمعناه صوت البلبل لنسأله عن صاحب الصوت؟ فهو سيقف حائراً من دون شك . أجل، هذا المثال - تماماً - يحضرني الآن وأنا أمام تناول ذلك النوع العالمي من الفن، الذي لا علاقة له بالشعر بوصفه جنساً أدبياً، كما لا علاقة له بالنثر الخالص، وهو ما بتنا نخاف عليه، لولا بعض الأقلام القليلة التي تكاد تكتب ما يذكر به .
الآن لا يوجد على الساحة الثقافية العربية برمتها مدرسة تتابع هذا الجنس الإبداعي الغريب، الذي كان يتأتي خلاصة للملكة اللغوية لدى الكاتب هناك من قد يصف الوردة خارج الشعر والسرد القصصي من خلال لغة عالية، ولعل أقرب الأسماء إلى البال الآن: توفيق الحكيم وطه حسين والمنفلوطي والعقاد، ممن كتبوا نصوصاً لا تصنف ضمن إطار القصة أو المسرح أو المقال، بالرغم من أنها تنم عن ذائقة لغوية مائزة .
والآن وبعد إبداعات ذلك الرعيل، قد نجد مثل هذه الكتابات في بعض نصوص فاروق شوشة وأدونيس، وجمال الغيطاني وغيرهم، كما أن هناك بعض المبدعين الإماراتيين ممن يكتبون - الآن - ما هو قريب من هذا العالم الكتابي الأثير .
اعتقد أن اللغة لا تسعف كثيرين ممن يشتغلون في مجال الكتابة، لأن يبدعوا نصوصاً تنتمي إلى النثر، وكيف يمكن لمن لم يستظهر عشرين قصيدة في حياته أن يستطيع إبداع مثل هذا الجنس الإبداعي، مع أن العرب قديماً كانت توصي باستظهار مائة ألف بيت من الشعر .
ولو دققنا أكثر لرأينا أن دعائم كثيرة كانت معتمدة من قبل، لم يعد لها من أثر فأين تلك الصياغات البلاغية الجميلة؟ وأين تلك المحسنات البديعية المدهشة؟ ولا أقول: أين السجع؟ وكلها أدوات فنية، كانت تشكل دعائم النثر الفني .
ولعلنا لو استرسلنا في تشخيص الأسباب التي آلت إليها الكتابة - بعامة - وما يدعو لانحسار النثر الفني بل أفوله وغيابه نهائياً، أن التلميذ في المدرسة يكلف في حصص التعبير الكتابة عن المناسبة بلغة خبرية، لا إبداعية، وهو ما - يدفع برأيي - لأن نعود للالتفات إلى هذا الجنس المهم، من خلال التأسيس له في مناهجنا التعليمية، ما دمنا لم نعد نقرأ مثل هذه الكتابات الممتعة في الروايات والقصص الكثيرة التي نقرأها، وإن كانت هناك مقالات تكتب بأقلام قلة فحسب من المبدعين محلياً وعربياً .
ويرى الشاعر حسان عزت أن النثر الفني، هو شكل إبداعي راق، ليس في جوهره من الشعر الخالص، ولا من النثر الخالص، وإنما يأخذ بعض مواصفات الشعر، كما أنه ليأخذ بعض مواصفات النثر، وإن كان أمر تصنيفه يلتبس على بعضهم، فيحسبونه قصيدة نثر، مع أن قصيدة النثر تعتمد الومضة، والصورة، والاختزال، والإيقاعات، ضمن مجموعة تقنيات وأدوات خاصة بها، تشكل بعض ملامح هويتها .
ومن يعد إلى الأدب العربي القديم، فلن يصعب عليه تلمسّ مثل هذا الجنس الإبداعي في خطب قس بن ساعدة، ومقامات الحريري، وبعض نصوص المتصوفة، بل إن خطب الرسول عليه السلام، لتجسد الكثير من مواصفات النثر الفني الخالص، من خلال بلاغتها ولغتها الراقية وسحرها وجماليتها .
إن الأدب المعاصر كان يحفل بالنثر الفني، حيث تأتي كتابات ولي الدين يكن في مضيق البوسفور 1890 مثالاً حياً على هذا الإبداع الفني، ناهيك عن وجود أمثلة مهمة عليه في نصوص الرافعي وطه حسين وقاسم أمين وميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران وتوفيق الحكيم وإلياس أبو شبكة، ومصطفى كامل وسعد زغلول وأحمد شوقي، وفؤاد سليمان، وكذلك في بعض كتابات شاكر مصطفى .
إننا لنجد في افتتاحيات الشاعر الراحل محمود درويش في مجلتي شؤون فلسطينية والكرمل وبعض كتابات الشاعر الراحل نزار قباني أمثلة حية، يعتد بها، من النثر الفني الراقي، الذي لا تستنفده القراءة الواحدة، ونكتشف بعض سحره وجماله في كل قراءة جديدة .
وقد يخيل إلى بعضنا بأن مثل هذا الضرب من الكتابة الإبداعية الجميلة وقف على أدبنا العربي، وحسب، إلا أنه للحقيقة نجد - في المقابل - إبداعات محلقة منه في الآداب الغربية، وقد تكون بعض كتابات برناردشو من هذا الجنس الإبداعي .
برأيي أن النثر الفني، لا يزال موجوداً حتى هذه اللحظة في كتابات ونصوص بعض المبدعين العرب، وإن كان إيقاع المرحلة الزمنية ليدفع إلى نمط من الكتابة المختلفة، التي تعزز فرزها إلى جنسين فقط هما: النثر والشعر، مع أن الجنس الثالث الذي أومأ إليه الكاتب توفيق الحكيم له حضوره، ومكانته، وإمكان تطوره أنى توافرت مقومات ذلك في تجربة أي مبدع .
وقد نجد أشكالاً من النثر الفني حتى في اللغة الشفاهية الارتجالية في مقدمات بعض المذيعين العرب، حيث الأداء الذي يمتح من لغة خاصة، تأخذ من جماليات الشعر والنثر في آن واحد،أثناء تقديم أحد الضيوف، أو في استهلالة برنامج ما يتطلب خطاباً عالياً خاصاً .
وجدت أن هناك حالة لا يمكن التعبير عنها عبر النثر، ولا عبر الشعر، وهو ما جعلني في ديواني وردة الشبهات وجناين ورد ألجأ تلقائياً إلى الاستعانة بالنثر الفني، خاصة عندما كنت في مواجهة سؤال من قبيل: كيف ألج عالم القصيدة ومناخاتها؟ فكان النثر الفني يحقق التوازن في المعادلة الفنية، عندما أجد ذلك المسوغ الفني الذي لا غنى عنه .
جمود
الشاعر والناقد التشكيلي طلال معلا يرى أن فترة انبثاق النثر الفني في تاريخنا الأدبي العربي كانت فترة الرومانسية التي نفتقدها في هذه الأيام، وهذه الفترة من وجهة نظره لن تتكرر الآن بسبب دخول أدوات ومؤثرات أخرى في واقع الأدب، ومن هذه المؤثرات المال والعلم، فتدخّل المال في اللعبة الثقافية والفنية ضاعف من إشكالية الكتابة التي باتت خاضعة لمقاييس أخرى، أقلها اختفاء تلك اللغة الشاعرية وما يتبع ذلك من اختفاء الجماليات والقيم التي أصبحت مؤطرة في أشكال وملامح كثيرة جرّت الأدب إليها وأدخلته في أتون مرحلة من الجمود الذي هو ضد انطلاق المخيلة وتجلي الإبداع .
الإبداع هو كالطائر المحلق يحتاج دائماً إلى فضاء مريح، يحرّض الإنسان على البوح والتكلم، وهنا مفتاح الرومانسية التي تم تحجيمها في مقابل كتابات مباشرة مهجوسة بكل ما يمكن تخيله من عوامل الإعاقة التي طبعت المرحلة بمتواليات من النماذج المكرورة والمسطحة .
وفي السياق ذاته يشير معلا إلى عامل آخر ويتعلق بطغيان السياسي، الذي أصبح يشكل رقابة صارمة على الأجناس الادبية والفنية، ولك أن تتخيل حجم الحرية المفتقدة إبداعاً أدبياً نثرياً أنجب جبران ونخلة ومارون عبود وغيرهم . أما إذا غصنا أكثر في التاريخ، فسوف نعثر على نماذج أدبية غاية في الجمال والنسق الكتابي، وهذا يتجلى في كتابات المتصوفة بأسمائهم المعروفة ومن، بعدهم الجاحظ وغيره من الأسماء التي ازدهر فيها الأدب بطريقة لافتة .
ويرى الناقد عزت عمر أن النثر الفني لم يمت وإنما تحولت وظيفته، فقد كان النثر قديماً مرتبطاً بالبلاغة والتسابق في الفصاحة والتأنق الأسلوبي، كان هم الكاتب أن يبدع استعارة جميلة أو مقابلة أو مثلاً سائراً، لكن ظهور الصحافة غيّر من مهمة الكاتب وجعل الاهتمام منصباً على إيصال الفكرة للقارئ بأوضح طريقة، وتراجعت الصنعة البلاغية لمصلحة الفكرة، فتغيرت بذلك طبيعة النثر وأصبحت لغته محملة بالفكر، منشغلة برصد الواقع الذي نعيشه، ومنساقة وراء التطورات السريعة التي تحدث فيه بين اللحظة والأخرى، لم يعد الكتّاب إذن يجدون الوقت للتأنق البلاغي ولم يعودوا يهتمون به كثيراً، على أن هذا لا يلغي أن هناك من الكثير من كتاب الأعمدة والزوايا والمقالات الذين يكتبون بأساليب فنية راقية، وأصبحت لهم أقلام معروفة، وهم ناثرون من طراز رفيع، لكن ذلك لا يحدث خارج إطار الاهتمام بالفكرة التي هي المقصد الأول في كل تلك الكتابات . فالنثر الفني موجود ولن يموت، لكن موضوع الكتابة هو الذي تغير .
النثر الفني
يقول القاص سعيد الكفراوي إن العصر أصبح الآن له إيقاع، خلق لغته ومفرداته الخاصة به، والمعروف عن الصحافة أنها بنت المتغيرات في الواقع، وهي من أكثر المهن استجابة لأي متغير يطرأ عليها، ومن بعد العولمة واغتراب الثقافات وسيطرة الإعلام وتحول الثقافات في واقعنا بمعناها الذي تربينا عليه إلى كومة من الخردة، وبعد أن خضعت اللغة لشروط العصر الحديث وقواعده، لتتبع لغة الناس، وتستبدل بالسرد العربي آخر عامياً، رأينا عدداً من الصحف تحولت لغتها إلى لغة الحياة اليومية لتعبر عن قارئ ومستهلك للصحافة محدودة الثقافة . ويرى الكفراوي أن الانهيار الذي حدث في التعليم والذي لم يكن موجوداً في الحقب السابقة من ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي حيث كان التعليم مواكبا لمشروع التنوير، وكان يعمل بالصحافة وقتها طه حسين والعقاد وأحمد أمين ومحمد حسين هيكل، وكل هؤلاء كانوا أدباء عظماء يعملون بالصحافة، والآن يعمل بالصحافة من لا يجد عملاً له . كما لا ننكر تأثير التلفزيون والإعلام المرئي والتقنيات الحديثة في اللغة، وغياب النثر الفني انبثقت عنه لغة تعبر عن عاميات الواقع العربي الراهن، والنتيجة عدد من اللغات وحالات التعبير التي لا لون أو طعم لها، وغياب الروائع التي كان يكتبها محمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين ولطفي الخولي وغسان تويني وعبدالكريم الخطيب، ومحمد عابد الجابري، ونحن الآن في انتظار أن ينبثق من هذا العدم نثر وخيال مبدع جديدان .
أما الشاعر عبدالمنعم رمضان فيسأل: أين النثر الفني الذي قرأناه في صحافتنا الأدبية مع زكي نجيب محمود، ويوسف إدريس ويحيى حقي والذي لم يعد موجودا الآن؟ وأزعم أنني أحاول أن أفعل هذا في مقالاتي التي أكتبها .
أما أسباب اختفاء النثر الفني - يقول رمضان - ففي العصور القديمة كانت الأشياء جميعا متمايزة، السماء سماء، والأرض أرض، والرجل رجل، والمرأة امرأة، والشعر شعر، وهذا التمايز جعل من السهل أن يكون لديهم معايير، يقيسون بها جودة الأشياء ورداءتها فكانت هناك معايير للشعر، وأخرى للنثر يعرفها الجميع .
وفضل الأزمنة الكلاسيكية - الكلام لرمضان- أنها صنعت أنواعاً وميزت بينها، وامتلكتها أيضاً، أما في الأزمنة الحديثة فيقوم الجميع بهدم الأسوار بين كل شيء بين الأرض والسماء بين الرجل والمرأة، وهدم السور بين الشعر والنثر، فقصيدة النثر إحدى نتائج هدم هذه الأسوار .
اختفى النثر الفني، واختفت أيضا القصيدة العمودية، ومن يكتبونها الآن كأنهم يعيشون في أزمنة سحيقة وبعيدة، والجواهري كان آخر العموديين الكبار، ومن بعده انطفأ الشعر العمودي كما انطفأ النثر الفني .
أما الناقد الدكتور صلاح السروي فيتصور أن السبب في اختفاء النثر الفني من الثقافة العربية المعاصرة أن هذه الثقافة فيما يتعلق بالأغراض النوعية للأدب أو الأجناس الأدبية لم تبق على التقسيم القديم، الذي يرى أن المقالة نوع أدبي، والتصنيف الحديث يستبعدها من هذا التصنيف، على أساس أنها تحولت من إنشاء أدبي، بمعنى تشكيل جمالي بوساطة اللغة، إلى أغراض إعلامية، سياسية، اقتصادية، أو فلسفية صرفة، وهو الأمر الذي يخرج المقالة من الأنواع الأدبية، مما أدى إلى أن تقتصر على الأنواع الأدبية المعروفة، كالقصة القصيرة والرواية والقصيدة، وأيضا النقد الأدبي منها في شكله الأحدث الذي يصنع نصاً على النص، الذي يتم نقده، بقدر ما فيه من موضوعية .
ويقول السروي: أظن أن هذا التحول هو السر في تراجع مفهوم النثر الفني عن الكتابة الأدبية أو المقالة الأدبية، فضلاً عن ذلك فإن عدد الأدباء من الصحافيين، تراجع قليلاً، وقديماً كان معظم العاملين في الصحافة أدباء، وكان يطلق على من يعمل في الصحافة لقب أديب، كالعقاد وطه حسين والرافعي، أما الآن فعدد الأدباء الذين يعملون في الصحافة تراجع، ولم يعودوا يعملون إلا بالصحف الأدبية المتخصصة وغيرها، ومن الممكن أيضاً أن يحل محلهم صحافيون لا دخل لهم بالأدب، وأيضا غلبت النزعة العملية على الأداء الصحافي، والذي أصبح محصوراً في مساحات ضيقة لمزاحمة الإعلان، الأمر الذي أدى إلى تغيير في لغة الصحافة لتصبح لغة تلغرافية موجزة وسريعة، وهو الأمر الذي حرم الصحافة، من الإسهاب في الكتابة الأدبية، والتي يمكن من خلالها التعبير عن الملكات الجمالية والأسلوبية كما في الأزمنة السابقة .
دور المؤسسات
الشاعر بهاء ولد بديوه، يرى أن مسألة الغياب والحضور بالنسبة للنوع الأدبي أو للنص الأدبي هي محكومة بطرائق التلقي التي يحددها مستوى القراء، وتؤثر فيها مؤسسات هي بمنزلة القنوات التي عبرها يصل النص إلى جمهوره ليمارس فعاليته في المجتمع . هذه المؤسسات على اختلاف أنماطها في التاريخ والمجتمعات، هي المؤسسات التي تنهض بالعمليات التربوية والتعليمية، مثل المدارس والمكتبات والمعاهد والجامعات ومؤسسات الاتصال، مثل دور النشر والصحف والصحافة المرئية والمسموعة .
فإذا كانت المؤسسات التربوية والتعليمية في كل عصر وفي كل مجتمع هي التي تقوم غالبا بالدور المهيئ لنشوء الذائقة الجماعية، فإن للمؤسسات الأخرى دورها المهم في تكريس تلك الذائقة من خلال التحري عن ميولاتها القابلة للتسليع في ميدان الفعل الاجتماعي، كما أن لها دورها كذلك في تكييف الذوق وتنميطه .
ويضيف إذا كانت الثقافة العربية القديمة قد أنتجت هذا النوع من النثر الذي هو منسجم تماماً مع طبيعتها البيانية التي تجلت مظاهرها في الشعر والخطابة، من جهة، وفي القرآن الكريم من جهة ثانية، على ما بين الجهتين من تباين، فإن ذلك كان يتجاوب فعلا مع طبيعة المجتمع في نظمه المعرفية والسياسية التي كانت البيانية صفة محورية فيها، فأثمرت تلك الفترة أقلاماً رائعة مثل الجاحظ وأبي حيان التوحيدي وغيرهما من أعلام النثر الفني في المشرق والمغرب، ولا يمكن أن ننسى في هذا المجال روائع الكتابات النثرية الصوفية مثل النفري والغزالي وابن عربي .
وحين انبعثت النهضة العربية الحديثة التي قامت في مستهلها بإحياء الثقافة العربية لا بوصفها نصاً نموذجاً يعاد إنتاجه بل بوصفها نشاطاً مبدعاً له فاعليته الاجتماعية وحضوره في الفعل الحضاري، كان من الطبيعي أن يكون للنثر الفني حضوره في المشهد الثقافي؛ فكان من نتاج ذلك كتابات جبران خليل جبران ومارون عبود ومحمود المسعدي وغيرهم .
ولكن مع الانتكاسات التي تتالت منذ خمسينات القرن الماضي التي هي نتاج لتردي الأنظمة السياسية بالتحالف أو بالتمالؤ مع النخب الثقافية، مما صار له فعله الدائب في تكريس التدهور على مختلف الصعد، كان من الطبيعي أن تختفي مظاهر القوة، ومنها النثر الفني، في الثقافة العربية . فالمؤسسات التربوية والتعليمية عاجزة عن خلق ناشئة تتجاوب وتتفاعل مع ذخائر تراثها إبداعاً وتلقياً . وقنوات الاتصال من دور نشر ووسائل إعلام هي رهن حالة لا تريد أن ترتقي بها، بل تريد بحكم الزبونية والركون إلى الجماهيرية أن تهبط إليها . وهكذا لم يعد للنثر الفني ذلك الحضور المتألق، بل أصبح يختفي رويدا أمام سيول من الكتابة الصحافية السهلة . فلم يعد يظهر إلا لماماً في كتابات طائفة من الكتاب والشعراء أصبحوا يوصفون، حتى لو كانوا شباباً، على أنهم من الجيل القديم .
سعدبوه ولد محمد المصطفى، رئيس نادي القصة الموريتاني، يقول النثر الفني إبداع أدبي وثقافي لا يستغني عنه المشهد الثقافي في أي مكان من العالم، فهو قناة تواصل بين الكاتب والقارئ، ولا شك أن انحساره من المشهد الثقافي العربي المعاصر يطرح أزمة حقيقية نتخبط فيها اليوم، ويتحتم تجاوزها حتى تعود قنوات الإبداع عندنا إلى العمل بفعالية وتكامل .
ومع أن العرب قد عرفوا النثر الفني في وقت متأخر نسبياً (العصر العباسي) فإنه أصبح منذ النهضة العربية الحديثة وجهاً مهماً لهذه النهضة إلى جانب الشعر والقصة والمسرحية، وبدل الحديث عن مصطلح النثر الفني فقد أصبحنا نتحدث عن جنس المقالة بوصفها مرادفاً وقالباً للنثر الفني .
ويطرح الحديث عن المقالة إشكالاً آخر هو التالي: هل المقالة التي برزت وعاء للنثر الفني منذ النهضة العربية الحديثة هي بضاعة ثقافية أجنبية تم استيرادها واستهلاكها عربياً، أم أنها وجه جديد في تطور النثر الفني الذي عرفته الثقافة العربية منذ قرون على يد ابن المقفع والجاحظ والحريري وبديع الزمان الهمذاني وغيرهم؟ بعبارة أخرى هل شكلت المقالة بوصفها جنساً أدبياً حديث قطيعة مع النثر الفني القديم أم تواصل تطوير للكتابة النثرية عند العرب؟
وهنا لن نجد إجابة شافية للقارئ ذلك أن رواد النهضة العربية قد انقسموا فريقين الأول يكتب النثر الفني مستلهما لحظة ازدهاره العباسية عند الجاحظ وكتاب المقامات، وهنا نذكر المويلحي في كتابه حديث عيسى بن هشام ومصطفى صادق الرافعي وغيرهما، ومع أن المحتوى يعكس هموم الرجلين الراهنة فإن الشكل الفني ظل وفياً إلى حد كبير للتراث العربي فهو تطوير داخلي حتى يستجيب لمتطلبات العصر آنذاك .
أما الفريق الآخر فقد تحررت المقالة على يديه من القيد التراثي وانطلقت اللغة منسابة والأسلوب سلساً، أما المضامين فهي كل ما يحفل به عصرنا الحديث من تحديات سياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية، ومن هؤلاء الرواد يمكن أن نذكر العقاد والمازني وأحمد أمين وغيرهم .
فالمقالة تختلف عن الشعر بقيوده الفنية ومعانيه الغامضة أحياناً، وتختلف عن القصة لعدم اهتمامها بالشخوص والخيال وعن المسرحية أيضاً، ذلك أن المقالة تقدم إلى القارئ أفكاراً محددة في لغة واضحة وسهلة، والغرض هو الوصول إلى ذهن القارئ بسرعة ومن دون اهتمام بذات الشكل الفني الذي يثقل كاهل الشعراء والقصاصين، ولهذا كانت المقالة أقرب إلى الرسالة message التي يبعث بها المثقف إلى القارئ لتحقيق أهداف معينة، سواء تعلق الأمر بتغيير حياته نحو الأحسن أو تزويده بتجارب وخبرات ومعلومات في حاجة إليها .
المقالة نثر فني راق لا يصل إليه إلا القلة من الكتاب وذلك للقواعد والضوابط التي يخضع لها .
ويمكن للقارئ أن يتساءل ما الفرق بين النثر الفني والمقالة الصحافية والخاطرة؟
وللإجابة عن هذا السؤال نقول إن المقالة الأدبية التي ظهرت عند عمالقة عصر النهضة، هي جهد إبداعي يتطلب التركيز والاهتمام من الكاتب وتقف دون ذلك المقالة الصحفية والسياسية والاجتماعية، وذلك لأنها تضع الشروط الفنية في المقام الثاني .
ومع أننا دخلنا عصر الإنترنت وما بشّر به من سهولة نشر وإنتاج للنثر الفني المعاصر، فلم نشاهد نماذج على مستوى عال لعدم بذل الجهد اللازم من طرف الكتاب والمثقفين العرب في إنتاجها، إلا أن هذه الظاهرة ليست صحية ولا بد من تجاوزها واستمرار المسيرة التي بدأها أولئك الرواد العظام، حتى تظل الثقافة العربية قطاراً لا يتوقف ويقطع كل يوم أشواطاً جديدة من الإبداع والازدهار .