من أبرز مظاهر الحرية في الإسلام، إقرار حقيقة التباين بين البشر وحرية الاختلاف والتعدد في الفكر والرؤى والثقافات، وليس صحيحاً أن الإسلام لا يقبل الاختلاف أو أنه يفرض على الناس الرأي الواحد والفكر الواحد، بل الصحيح أن الفكر الإسلامي قائم على التنوع والتعدد، ويربي الأمة على سعة الصدر وقبول الرأي الآخر وتباين الثقافات . والصحيح أيضاً أن رغبة الإسلام في أخذ الناس نحو الاتفاق وتقريب وجهات النظر وتأسيس المجتمع على الوحدة والتعاون، لم تمنع من إقرار الإسلام اختلاف البشر في الفكر والمعتقد والفهم، ولم تمنع من ممارسة المجتمع المسلم شتى صنوف الاختلاف، سواء في الداخل الإسلامي أو على مستوى التعامل مع الآخر المخالف . . غير أن الإسلام يشدد على أن يكون الاختلاف صحياً ورشيداً، وأن يلتزم الجميع بأدب الحوار والتعدد .
الدكتور عبدالمعطي بيومي أستاذ العقيدة عضو مجمع البحوث الإسلامية، ينفي بشدة ما يدعيه البعض عن المسلمين من أنهم لا يقبلون إلا الرأي العام ولا تتسع صدورهم للاختلاف .
ويقول: لا أبالغ إذ قلت إن التعدد والتنوع والتمايز جزء لا يتجزأ من الفكر الإسلامي والحياة المسلمة على مر العصور . . وإن الشبهات التي يرددها بعض الخصوم في هذا الصدد، سببها عدم فهم الآخر لطبيعة الإنسان، وعدم فهم الآخر للمجتمع المسلم أو رغبته في العيب على المسلمين بالحق والباطل، فضلاً على عدم استيعابهم دلالات النص الشرعي والحكم الشرعي الذي يعمل على ترشيد الاختلاف وعدم بلوغه حد الفتنة والنزاع .
وحرية الاختلاف هنا، جسدها الإسلام بداية في أن الخالق خلق الناس مختلفين، بل جعل الله الاختلاف آية من آيات الله في خلقه، كما جعل التعدد في اللغة والنوع والشعوب والقبائل والحضارات من غايات الله في خلقه ومن مظاهر الحاجة إلى الحوار والتعارف .
في فقه الخلق
تعددت الآيات القرآنية التي تؤكد هذه الحقيقة العضوية والنفسية والثقافية في هذا الصدد، ويكفي أن أشير هنا إلى ثلاث آيات ذات دلالة واضحة، الآية الأولى هي قول الحق في سورة الروم: ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين، فتعدد اللغات والثقافات والمعارف تماماً مثل السماوات والأرض على هذا النحو .
والآية الثانية في سورة الحجرات: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، فرغم تباين الخلق وتنافس القبائل، فإن الهدف هو قبول الاختلاف والتعارف والتماس التقوى .
أما الآية الثالثة فتقرر هذا الناموس الإلهي في خلقه، وهو ناموس الاختلاف، يقول الحق في سورة هود: ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم، وفي فقه الآية أكثر من ناموس كوني وأخلاقي، فالتعدد من مشيئة الله، ومحاولة إلغاء الاختلاف هو نوع من الفعل المناهض للمشيئة الربانية، والاختلاف كان ولا يزال وسوف يظل، بل إن الاختلاف إحدى غايات الله في خلقه ولذلك خلقهم، كأن الله خلقنا لنتنوع ونختلف ونتباين .
ويتساءل الدكتور بيومي: دين هذا نصه، وتلك قوانين الله في ناسه، هل يعقل بعد هذا أن يدعي أحد بحسن نية أو بسوء نية، أن الناس هم نسخ متشابهة أو جسم ممسوخ أو نمط واحد لا ينفكون عنه؟
إن الاختلاف وارد في الجسم والبدن والألوان، ووارد في الأنفس والمشاعر والأحاسيس، ووارد في السياسة والدين والمصالح والغايات، كما في المأكل والمشرب والأهواء والجد والهزل والهوايات، وكذا في الحلال والحرام والخير والشر والتقوى والفجور، يقول تعالى ونفس وما سواه فألهمها فجورها وتقواها ويقول سبحانه: الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى، قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون . . ما دام الاختلاف والتعدد موجوداً ومقرراً ومُقرّاً من الخالق في خلقه على هذا النحو، فلا بأس أبداً أن يمارس هذا الاختلاف ويصان في دنيا المسلمين خاصة، وفي دنيا الناس بصفة عامة .
العائلة الفقهية
في الممارسة الإسلامية يضيف الدكتور بيومي: وجدنا حرية الاختلاف مصونة على أكثر من مستوى . . وعلى رأس هذه المستويات المستوى الفكري الفقهي المذهبي، فالبيئة المسلمة احتضنت عشرات بل مئات المدارس الفقهية التي جسدت سعة الأفق الفكري، وفي هذه المدارس الفقهية التي يسميها بعض المفكرين بالعائلات الفقهية، تعددت الآراء، ووجد التباين في الفهم حتى في فهم الأحكام الشرعية وطرق الاستدلال، وأعلى الفقه الإسلامي دور العقل، وصارت عندنا مدارس عرفت باسم مدرسة الرأي، أي التي تعتمد بتوسع على الرأي كما صار الاجتهاد -وهو رأي بالتأكيد- أحد أهم مصادر التشريع، إذ يصبح اجتهاد العالم مصدراً للحكم الشرعي لو غمض هذا الحكم في الكتاب الكريم أو الحديث النبوي الشريف . وفي عائلات الرأي هذه، تعددت المذاهب ولم يلزم العلماء الجمهور بمذهب على الإطلاق، كما استفاد أهل المذاهب بعضهم من بعض، ورسخ الأئمة هذا القانون الحامي لاختلاف الرأي في مثل عبارة الإمام الشافعي الشهيرة: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غير خطأ يحتمل الصواب .
وإذا كان الفقه الإسلامي هو الخبرة التاريخية لفكر العلماء، فهو في الواقع التجسيد الحي لفكر العلماء وقدرتهم على الاختلاف، وقبولهم التنوع وقدرة المجتمع على حماية وصيانة واحتمال التنوع الذي هو في الحقيقة مظهر من مظاهر الحرية الإسلامية باقتدار .
توجه رشيد
بهذه الحرية في الفقه مضى الإسلام يتسع لكل أقضية الحياة، ووجد المفكرون رأياً وحلاً لكل مشكلة من مشكلات المجتمع، كما تجدد الاجتهاد ليتسع لتغير الزمان والمكان والأحوال، وصيغت الأحكام في إجمال لما تتغير فيه الأحوال، كما صيغت بتفصيل في ما لا تتغير فيه الأحوال والأحكام .
وقد قدم العلماء آراء رائعة على مر كل العصور، تلبي احتياجات الواقع وتساير التقدم والعادات والتقاليد، كما تستوعب قدرة العقل الإسلامي على تحريك النص ليطبق على الواقع، وتكييف الواقعة ليطبق عليها النص .
ومع هذا الإطلاق في مبدأ الاختلاف والتعدد عمل الإسلام على أن يكون هذا الاختلاف توجهاً رشيداً يعكس حاجة المجتمع الإنساني إلى التعدد، لكنه يحميه من الشقاق الفكري، ولهذا رد هذا الاختلاف إلى المصلحة، وتركزت الاختلافات على الفروع، واعتبر العقل الإسلامي أن الاختلاف رحمة، وأن الصواب متعدد، ولا حكر على رأي، ولا حكر على صاحب رأي، وأهمية تعاون الأمة في المتفق عليه، فضلاً على ترسيخ مبدأ التسامح والبعد عن الجدل والمراء والكبر .
وينتقل الدكتور جعفر عبدالسلام، أستاذ القانون الدولي، الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية، إلى مظهر بارز من مظاهر حرية الاختلاف وقبوله، ويعني به تعدد الآراء السياسية والاختلاف مع الحاكم، ويقول: الفكر الإسلامي في هذا الموضوع انطلق من مبادئ رئيسية مهمة، أولها أن الله استخلف الإنسان على الأرض بعقله وحريته لإعمار الكون، وأن الحاكم مستخلف عن الناس ليرعى شؤونهم . ونلاحظ هنا أن الفكر الإسلامي سمى الحاكم بسمات لها دلالات خاصة، حيث سماه الخليفة أو الراعي أو ولي الأمر . . وهي مفاهيم لها دلالات حانية ومسؤولة وحرة . وحّمل الفكر الإسلامي الحاكم وكل فرد في المجتمع، هموم المسلمين ومن ثم سمح الإسلام لكل فرد بأن يشارك في الوطن ويوجه الحاكم بعد أن يختاره، فاعتبر الإسلام المؤمنين كلهم كالجسد الواحد، وحث الرسول على الاهتمام بالأمر العام، حيث أعتبر أن من لم يهتم بأمر المسلمين فكأنه ليس منهم، كما حمّل كل حر عاقل مسؤولية تصويب الخطأ وإبداء الرأي السديد من خلال هذه الآلية الفكرية الرائعة التي انفرد بها الإسلام وهي فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
أخطأ عمر
طرح الصحابة آراءهم بحرية أمام الرسول- صلى الله عليه وسلم- في أصعب الظروف، كما في الغزوات وتكتيك الحرب وإجراءات السلم والعهود وكيفية التعامل مع الأسرى، وتقبل الصحابة الرأي المخالف في عشرات المواضع، كما فعل أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب وغيرهما، ويحكي التاريخ مئات المواقف التي خالف فيها الرعية رأي عمر في الحدود وفي القضاء وفي أمور الصحة والإدارة السياسية . . ومن مأثوراته، رضي الله تعالى عنه، قوله: من بايع أميراً عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له، ولا بيعة للذي بايعه، وقال للمرأة التي جادلته في مهر النساء: أصابت امرأة وأخطأ عمر، وفي مسألة للمواريث قال: إنني كنت رأيت في الجد رأياً فإن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه، قال له عثمان رضي الله عنه: إن نتبع رأيك فإنه رشد، وإن نتبع رأي الشيخ أبوبكر رضي الله عنه، فلنعم ذو الرأي كان .
إذن، فالتعددية السياسية ليست غريبة عن ممارسة الحكم في المجتمع المسلم، ومن حق ولي الأمر في الوقت الحالي- كما في كل وقت- أن يستفيد من مظاهر الاختلاف والحرية السياسية التي أفرزها التاريخ الإسلامي كما له أن يطبق الآليات الحديثة التي تفسح المجال للاختلاف السياسي الصحيح واستنهاض همم الأمة لتشارك في الإعمار والتقدم والبناء على نحو ما نراه في تعددية الأحزاب، أو في المعارضة الفردية والجماعية أو في الانتخابات العامة، أو في حرية التعبير عبر الصحافة والإعلام، أو مؤسسات المجتمع الأهلية، أو الرغبة في الإصلاح والتقويم والتعبير والاختلاف .
التعايش الحضاري
تأكيداً لمبدأ حرية الاختلاف في الفكر الإسلامي يشير الدكتور جعفر عبدالسلام إلى واحد من أبرز مظاهر التعددية الإسلامية، وهو قبول الاختلاف في العقيدة والتعايش السلمي مع المخالفين في الدين . . وهو مبدأ لو استوعبته البشرية قديماً وحديثاً لجنبت نفسها ويلات الشقاق القاتل والحروب الطاغية، وأسست مجتمعات تقوم بالفعل على التراحم والأخوة والحوار وليس الصدام والعداوة والصراع .
ويقول الدكتور جعفر: الفكر والواقع الإسلامي قبل ويقبل التعددية الدينية والاختلاف الثقافي مع الآخر، حدث هذا على مر التاريخ بدلائل واضحة أبرزها قبول وتعايش الأقليات غير المسلمة داخل المجتمع المسلم على مر التاريخ، كما أخذ المجتمع المسلم وتعامل مع الفلسفات والآداب والعلوم الأجنبية وصدر وأعطى الآخر ثمرة حضارته العلمية والثقافية في الشرق والغرب، كما قامت علاقات اقتصادية سياسية واسعة مع الآخر باستثناء حالات مؤقتة ساد فيها الاحتقان .
وفي الوقت الحالي يدرك الجميع كيف يمد المسلمون أيديهم للحوار الحضاري مع المخالفين، وهو حوار طبقناه عبر الدين واللغة، وعبر الفكر والعادات، وعبر الاقتصاد والعلم والعمران والهجرة والسياحة، وعبر الاتصال الفردي والمؤسسي والدولي، ولعل أعظم ما يميز هذا القبول وهذا التعايش أنه قبول وتعايش من منطلق الإسلام ذاته، فهو تلبية لأيديولوجية التعامل مع الآخر، ليس فقط لأهداف سياسية مؤقتة أو مصالح مادية دائمة، بل تنفيذاً واضحاً لرؤية الإسلام في قبول الآخر . . والقرآن الكريم يحرك الضمير الإسلامي والإنساني تحريكاً واضحاً نحو التعايش والقبول، فيقول الحق قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله، ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن .
إذن، فقبول تعددية الرأي والفكر مع الآخر ومن باب أولى مع الذات، جزء أصيل من مكونات الإسلام والمجتمع المسلم .
وما أتمناه أن يبرز كل مسلم هذا السلوك في حدود معاملاته اليومية بدءاً من الزوج مع زوجته، وانتهاء بالممارسة الديمقراطية بين الحاكم والمحكومين، حتى يصبح المسلمون نموذجاً تطبيقياً في تشجيع الرأي والتعدد وقبول المخالفين .