من المعروف ان بعض ألفاظ القرآن الكريم اختلفت في قراءتها وأدائها اختلافاً صح جميعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحت قراءته وقد كان عليه السلام اعلم العرب بوجوه لغتها.

فما يا ترى أسباب هذا الاختلاف؟ أو بمعنى آخر: هل له من فوائد وآثار؟

يجيبنا عن ذلك أهل التخصص من علماء الأمة فيقولون:

هناك فائدة عامة وفوائد محددة، أما الفائدة العامة فهي:

تيسير قراءة القرآن وحفظه على القبائل العربية التي درج كل منها على التحدث بلهجة معينة، ولو نزل القرآن بلهجة واحدة لصعب على أصحاب اللهجات الأخرى ان يقرأوه بلهجاتهم التي تعودوا عليها، فكان من تيسير الله تعالى كما يقول: ابن قتيبة أن أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقرأ كل قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم، فالهذلي يقرأ: عتى حين يريد حتى هكذا يلفظ بها ويستعملها، والأسدي يقرأ: تِعلمون وتِعلم وتِسود وجوه بكسر التاء، والتميمي يهمز والقرشي لا يهمز. والآخر يقرأ: وقيل لهم وغيض الماء بإشمام الضم مع الكسر، وهذا يقرأ: عليهمُ ومنهمُ بالضم، والآخر يقرأ: عليهمو ومنهمو بالصلة. وهذا يقرأ:خبيراً، بصيراً بالترقيق. والآخر يقرأ: الصلاة، الطلاق بالتفخيم، الى غير ذلك.

ولو أراد كل فريق من هؤلاء ان يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلا وناشئاً وكهلاً لاشتد عليه وعظمت المحنة فيه ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان، وقطع للعادة، فأراد الله برحمته ولطفه ان يجعل لهم متسعاً في اللغات ومتصرفاً في الحركات كتيسيره عليهم في الدين.

ويجعل الرافعي هذه الفائدة العامة وهي تيسير القرآن على العرب بلهجاتهم المتعددة إعجازاً فطرياً. ويوضح ذلك بأن اختلاف القراءات تحقق حتى يستطيع كل عربي أن يوقع بأحرفه وكلماته على لحنه الفطري ولهجة قومه توقيعاً يطلق من نفسه الأصوات الموسيقية التي يشيع بها الطرب في هذه النفس بما يسمونه في لغة العرب بياناً وفصاحة.

وأما الفوائد المحددة فهي:

1- إظهار فضل الأمة على سائر الأمم التي لم ينزل كتاب أي منها إلا على وجه واحد.

2- إعظام أجرها من حيث إنهم يفرغون جهدهم في تحقيق ذلك وضبطه.

3- إظهار سر الله في كتابه وصيانته له عن التبديل والاختلاف مع كونه على هذه الأوجه الكثيرة.

4- توضيح حكم مجمع عليه كقراءة سعد بن أبي وقاص وغيره وله أخ أو اخت من الأم، فإن هذه القراءة تبين ان المراد بالإخوة هنا هو الإخوة لأم، وهذا أمر مجمع عليه.

5- ترجيح حكم اختلف فيه كقراءة أو تحرير رقبة مؤمنة في كفارة اليمين.

6- الجمع بين حكمين مختلفين كقراءة يطهرن ويطهرن بالتخفيف والتشديد ينبغي الجمع بينهما وهو أن الحائض لا يقربها زوجها حتى تطهر وبانقطاع حيضها وتطهر الاغتسال.

7- اختلاف حكمين شرعيين كقراءة وأرجلكم بالخفض والنصب، فإن الخفض يقتضي فرض المسح، والنصب يقتضي فرض الغسل، فبينهما النبي صلى الله عليه وسلم فجعل المسح للابس الخف، والغسل لغيره.

8- ترجيح لقول بعض العلماء كقراءة أو لمستم النساء إذ اللمس يطلق على الجس والمس كقوله تعالى: فلمسوه بأيديهم.

9- ترجيح لقول بعض أهل العربية كقراءة والأرحام بالخفض.

10- المبالغة في اعجاز القرآن بإيجازه، إذ تنوع القراءات بمنزلة الآيات، ولو جعلت دلالة كل لفظة آية على حدة لم يخف ما كان من التطويل، ولهذا كان وأرجلكم منزلاً لغسل الرجل والمسح على الخف، واللفظ واحد لكن باختلاف اعرابه أي بخفض اللام ونصبها.

ويمكن الوقوف على كثير من هذا في كتب القراءات وفي مقدمتها:

النشر لابن الجزري، ومعترك الأقران للسيوطي، مما يؤكد بوضوح ان القراءات القرآنية مجال فسيح نلتقي فيه بنماذج رائعة لإعجاز القرآن الكريم.