تعد الجامعة الخطوة الأولى التي تحدد المستقبل، ففيها يختار الطالب التخصص الذي يتوافق مع ميوله فيستطيع من خلاله الإبداع، ومن ثم تقديم أفضل ما لديه، ورغم الحرص على تدقيق هذا الاختيار، إلا أن الطلاب يكتشفون بأنهم دخلوا المجال الخطأ، لذا يقوم بعضهم بتغيير تخصصه متحملاً العواقب والخسائر، التي تترتب على ذلك . الخليج التقت عدداً من الطلاب الجامعيين الذين كانت لهم تجربة في هذا الأمر وكان هذا التحقيق:
في البداية يقول عبدالله الشحي: يدرس هندسة الإلكترونيات بعد أن تجاوزت المرحلة الثانية وحان الوقت لدخول الجامعة، بحثت عن التخصص الذي يتماشى مع ميولي ويؤمن لي فرصة عمل جيدة في المستقبل، وقد وجدت أن مجال هندسة الاتصالات يحقق هذه الشروط، نظراً للثورة العلمية الكبيرة التي يشهدها العالم في هذا المجال، ولأنه يعتمد أيضاً على مادة الرياضيات التي أحبها كثيراً، وبالفعل بدأت في دراسة هذا الاختصاص، لكن بعد مرور سنتين اطلعت فيهما على بقية التخصصات وجدت لدي ميلاً شديداً لدراسة الهندسة الإلكترونية، وذلك لأسباب عدة منها: انتشارها الواسع إذ إنها تدخل في كل مجالات الحياة الحديثة . كما أنها توفر فرص عمل كثيرة بعد التخرج إضافة إلى أنني اكتشفت أن مجال هندسة الاتصالات محدود لا يستطيع فيه الطالب أن يبدع، ويرى الشحي أن أهله يرشدونه منذ البداية إلى التخصص المناسب، وذلك لعدم درايتهم بالمجالات الهندسية الأخرى، ويشير إلى أنه سعيد لالتحاقه بقسم الهندسة الإلكترونية .
ويقول: أعدها خطوة ناجحة، فقد وجدت نفسي في هذا المجال، وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهتني في البداية إلا أنني استطعت اجتياز هذه العقبة بسلام، وها أنا اليوم في السنة الخامسة وعلى أعتاب التخرج، ولا يرى عبدالله الشحي ضيراً في تغيير الاختصاص، بل يعدها خطوة شجاعة، فقد يخسر الطالب بعض السنوات لكنه بالتأكيد سيكسب حياته المهنية مستقبلاً .
خلفان النعيمي بدأ بدراسة هندسة الطيران، ثم انتقل لدراسة الهندسة الإلكترونية، ومن ثم عاد مرة أخرى لدراسة هندسة الطيران، وعن سبب ذلك يقول: منذ الصغر عشقت مجال الطيران، فكنت أقوم بصناعة الطائرات الصغيرة مع أحد أصدقائي ونحاول أن نجعلها تطير، وكبر هذا الحلم لدي، وأردت أن أحوله إلى حقيقة، فسافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة مجال هندسة الطيران، لكني لم أستطع إكمال الدراسة نظراً لظروف الغربة والإرهاق النفسي الذي لازمني، والتحقت بهندسة الإلكترونيات ظناً مني بأنه مجال مرغوب به في المستقبل، خصوصاً وأن عدم نجاحي في الولايات المتحدة الأمريكية جاء نتيجة عدم حبي لهندسة الطيران، ولكن بعد مدة من الوقت ونتيجة لمراقبتي طلاب هندسة الطيران في الجامعة وهم يقومون بتجاربهم الناجحة، عادت لي الرغبة في دراسة هذا المجال، وقمت بالمشاركة في العديد من المسابقات في مجال تصنيع الطائرات، وحققت نتائج ممتازة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ملاءمة مجال هندسة الطيران لي، ويرى النعيمي أن اختلاط الأمور لديه جعلته يظن بأنه اختار المجال الخطأ، وأن تغيير التخصص ليس بالأمر المعيب إذ إن الاستمرار في دراسة لا تستهويه أمر غير مقبول .
سعيد الحمادي بدأ بدراسة الهندسة الإلكترونية وبعد سنتين لم يجد في نفسه القدرة على الاستمرار، فانتقل إلى إدارة الأعمال ويقول: على المرء أن يتعرف إلى قدراته وإمكاناته ما يجعله أكثر قدرة على تحديد مجال دراسته، ويضيف: بعد اجتيازي المرحلة الثانوية قررت دراسة الهندسة الميكانيكية نظراً لحبي للسيارات ومحركاتها، لكن بعد دخولي الجامعة وبدء الدراسة، وجدت أن الأمور أصعب مما كنت أتخيله، فلا يكفي أن أحب الميكانيكا حتى أدرس خصوصاً أن الجامعة تفرض على الطالب حصوله على معدلات عالية حتى يكمل منحته، وعندما اكتشفت عدم قدرتي على المتابعة، قررت التوقف عند هذا الحد، وأختار المجال الذي يلائمني، ووجدت ضالتي في إدارة الأعمال . ويرى الحمادي أن صعوبة قراره كانت تكمن في انتقاله إلى جامعة أخرى، إذ تترتب على ذلك خسارته للسنوات التي درسها .
عيدروس الهاشمي كان لديه شغف كبير لدراسة الشبكات الإلكترونية فالتحق بدراسة هندسة الاتصالات ويقول: دخلت هندسة الاتصالات ظناً مني بأنه الفرع الذي يشتمل على دراسة أنظمة الحماية الإلكترونية والشبكات، لاكتشف بعد مدة بأن هذه المجالات لا تدرس ضمن هندسة الاتصالات، وإنما ضمن هندسة الكمبيوتر، وهو الأمر الذي دفعني إلى تغيير تخصصي ودراسة هندسة الكمبيوتر، ويرى الهاشمي أن جهله بالتخصص الجامعي جعله يختار طريقة خطأ، لكنه استطاع استدراك الأمر من خلال الانتقال إلى فرع آخر، ويضيف: أحمد الله بأن الفرع الذي أرغب فيه موجود في الجامعة نفسها والتي ساعدتني في الانتقال إلى التخصص الذي أرغبه، ولولا ذلك لكنت وقعت في مشكلة كبيرة، وينصح عيدروس جميع المقبلين على المرحلة الجامعية أن يحسنوا الاختيار .
بهيج إبراهيم درس الهندسة المعلوماتية لسنتين، ولكنه لم يستطع الاستمرار في هذا المجال وعن تجربته يقول إبراهيم: عندما أنهيت الدراسة الثانوية نصحني والدي بدراسة الهندسة المعلوماتية، وذلك لأنه مجال مطلوب في سوق العمل، وله مستقبل واعد .
ويضيف: أنا أصاب بصداع من الأرقام والمعادلات الحسابية، وخلال سنتين من الصراع مع كتب الهندسة المعلوماتية، ازدادت حالتي النفسية سوءاً، ولم أستطع المتابعة في هذا المجال، فما كان مني إلا أن صارحت والدي برغبتي في تغيير هذا التخصص والانتقال إلى دراسة الإعلام حيث المجال الذي يستهويني، وبعد جدال طويل اقتنع بوجهة نظري . ويشير بهيج إلى أنه أنهى دراسة الإعلام منذ سنوات عدة، وهو اليوم يعمل في إحدى المؤسسات الإعلامية ويقول: بعد تخرجي في الإعلام وعملي في مؤسسة إعلامية كبيرة تأكد لي صحة القرار الذي اتخذته، وأنا سعيد بأنني امتلكت الشجاعة الكافية لاتخاذ هذا القرار، ولولا ذلك لكنت الآن موظفاً يجلس خلف مكتبه يحاول أن يبدع في مجال لا يستهويه .
منيرة أحمد كان لها تجربة طويلة في هذا المجال وتقول: في بداية حياتي الجامعية درست إدارة الأعمال إذ كان مجالاً جميلاً فيه الكثير من المتعة والتحدي، ولكن في المرحلة الأخيرة من الدراسة، وجدت لدي ميلاً لدراسة الإعلام، نظراً للتطور الملحوظ الذي تشهده الدولة في هذا المجال ولأنني اكتشفت في نفسي قدرات تؤهلني للنجاح فقد أكملت دراستي في هذا المجال وحصلت على الشهادة الجامعية، ومن ثم انتقلت لدراسة الإعلام والعلاقات العامة، وها أنا اليوم في السنة الثانية . وعلى الرغم من أنها أنهت دراستها في إدارة الأعمال، إلا أنه لم يمنعها ذلك من السير نحو تحقيق ما تراه الأنسب وتضيف: كثيرون يرون صعوبة بالغة في العودة إلى مقاعد الدراسة، وشخصياً لم يكن لدي هذا النوع من الخوف، وخصوصاً أنني حصلت على وظيفة جيدة، واستطعت الموازنة ما بين عملي ودراستي، وأسعى اليوم إلى العمل ضمن المجال الإعلامي، وترى أنها لو اختارت المجال الذي يناسبها منذ البداية لكانت الآن أنهت دراستها، واكتسبت سنوات الخبرة في هذا المجال، إذ إذ إنها حين تتخرج يكون من هم في عمرها قد سبقوها في الحصول على خبرات أعلى . وحول موضوع تحقيقنا يحدثنا أحمد عبدالرحمن العوضي مدير إدارة شؤون الطلبة في جامعة خليفة: يختار الطالب تخصصه الجامعي بناءً على أمور عدة منها ميوله ومهاراته الشخصية أو حاجة السوق إلى تخصص ما، أو رغبة الأهل وهو ما قد يسمى بالاختيار القهري، وعلى الطالب اختيار نوع دراسته الذي سيشكل في المستقبل مجاله المهني، وأن يدرك أن العمل يتحول إلى هواية، أي على الموظف ممارسة عمله وبجد ليشعر بالمتعة في أثناء ذلك، ومن هنا وجب على الطالب أن يختار ما يتلاءم مع ميوله حتى ينجح ويتميز بعد التخرج، وهذا التميز يؤدي إلى تقدم الفرد في موقع العمل، ويرى العوضي أن طبيعة المجتمع المحافظ لها دور في هذا الاختيار، فالأسرة تنظر إلى المركز الاجتماعي الذي قد يحققه ابنها خصوصاً إذا ما درس تخصصا معيناً، بغض النظر عن رغبة الطالب في هذا المجال، وقد يأتي دور الأسرة مغايراً تماماً، فتترك الحرية المطلقة لابنها في اختيار ما يناسبه دون أن تقدم له أي توجيه، فيقوم بذلك بناءً على خبراته البسيطة، ويشير إلى دور المؤسسات التعليمية في تقديم المعلومات الكافية للطالب حول التخصصات الجامعية ليكون أكثر قدرة على الاختيار، ويؤكد على أن التنقل بين الاختصاصات في سنوات الدراسة الأولى ليس شيئاً سلبياً بالمطلق، ويضيف: كل إنسان لديه قدرات كامنة، قد لا يعرفها ولا يكتشفها قبل دخول أكثر من مجال، فلا تخيير .
ويؤكد العوضي أنه من الأمور التي تؤثر في اختيار الطالب تخصصاً ما البعثات والمنح الدراسية إذ إن هناك اختصاصات جامعية تؤمن لدارسيها عدداً أكبر من البعثات والرحلات العلمية .
ويلفت إلى أن الإرشاد النفسي يساعد الطالب في تكوين رؤية مستفيضة لحياته العلمية .
ويختتم العوضي: بالإشارة إلى أن هناك نقلات يعدها نوعية، وهي التي ينتقل فيها الطالب من دراسة تخصص إلى آخر، وعلى الرغم من صعوبة هذه النقلة وما يترتب عليها من خسارة لسنوات دراسية سابقة، إلا أنها في النهاية تمكن الطالب من حسم أمره، ما يعينه على النجاح في حياته العملية في المستقبل .