"وقال ربكم ادعوني أستجب لكم" (سورة غافر: الآية 60)، فالدعاء يصل الخلق بالخالق، ويعبر عن إيمان عميق بأن هناك إلهاً قديراً على كل شيء، بيده الأمر كله، يقدم المساعدة لمن يطلبها وفى أي وقت . . بابه مفتوح لا يغلق في وجه أحد مهما عظم أو صغر . . نلجأ إليه في كل وقت وخصوصاً في الشدة . . ولكن كيف يكون الدعاء؟ فالدعاء له آداب وشروط حتى يتحقق . . ولن نجد خيراً من الأدعية التي دعا بها الأنبياء، عليهم السلام ربهم، والتي وردت في القرآن الكريم، وفي صحيح سنّة المصطفى، صلى الله عليه وسلم . ولقد مر الأنبياء بمواقف صعبة لم ينقذهم منها إلا صدق دعائهم، حيث كانت لهم في هذه المواقف أنبل الكلمات وأجمل الألفاظ التي تجسد حسن التوسل ومناجاة الله وحده، ومن خلال هذه الحلقات نتعرف إلى المواقف التي تعرض لها الأنبياء الكرام وإلى الأدعية التي دعوا بها ونتعلم كيف يكون الدعاء .
"ربنا إني أسكنتُ من ذُريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون" (سورة إبراهيم : الآية 37) .
كبر إبراهيم الخليل عليه السلام في السن، وامتد به العمر من دون أن يرزقه الله بولد من زوجته سارة، وكم كانت سارة حزينة من أجل ذلك، فحملتها شفقتها على زوجها إبراهيم وحبها له أن تهب له جاريتها هاجر، وقالت: إن حرمت من الولد فعسى الله أن يرزقك منها غلاماً تقر به عينك .
ويتحقق الأمل فتحمل هاجر أخيرا وبعد طول انتظار يصبح إبراهيم عليه السلام أبا، يأتيه من يرثه ويتم ما بدأه من هداية ويحمل اللواء من بعده، ويأتي إسماعيل، الابن البكر ليصبح قرة عين والده، وكأنما أراد الله سبحانه وتعالى أن يكافئ سارة على ما ضحت به في سبيل إسعاد زوجها، فإذا بها تحمل بعد ذلك، ويرزق الله إبراهيم بإسحاق، فكان إسماعيل وإسحاق أعظم هبة من الله لإبراهيم، وقد تلقاها خليل الله بالشكر والثناء، وقال: "الحمد الله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء" (سورة إبراهيم: الآية 39) .
ويذكر صفوت جودة أحمد في كتاب "الأنبياء في القرآن الكريم" أن إبراهيم عليه السلام كان في السادسة والثمانين من عمره، وقد اشتدت غيرة سارة، ولم تطق رؤية هاجر وطفلها إسماعيل، فصارحت إبراهيم بما تجده في نفسها، وطلبت إليه أن يأخذ هاجر وطفلها إلى أرض بعيدة عنها حتى لا تراها . فتردد إبراهيم في الأمر شفقة منه على ابنه الصغير . ولكن الله أوحى إليه أن ينفذ رغبة سارة .

الامتثال لأمر الله

ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي في كتاب "الدعاء المستجاب": "لما جاء الوحي إلى إبراهيم عليه السلام أن يأخذ زوجته هاجر وابنهما إسماعيل إلى مكة ويتركها هناك ليعمر بها هذا الوادي المبارك، امتثل إبراهيم عليه السلام لأمر ربه وخرج بهما إلى هناك، حتى وصلوا إلى بيت الله الحرام، وعندها نظر إبراهيم حوله في مكان البيت الحرام فلم يجد ماء ولا زرعاً ولا حياة، وبرز إلى خاطره: كيف سيعيش هذا الصغير وأمه في هذا المكان الفقير الموحش والذي لا توجد فيه أي وسيلة من وسائل استمرار الحياة، حيث لا ماء فيه ولا زرع ولا حياة؟ وعندها بدأ إبراهيم يركب دابته منصرفا . . أمسكت هاجر بمقود الدابة لتمنعه من الرحيل وسألته لمن تتركنا في هذا المكان؟ فلم يجب فأعادت السؤال فلم يجب، . فقالت: أأمرك الله بهذا؟ فقال: نعم . . فتركت مقود الدابة وقالت : إذن فلن يضيعنا الله . . فانطلق إبراهيم . . وقبل أن تغيب هاجر وابنها عن نظره اتجه إلى الله سبحانه وتعالى وقال داعياً: "ربنا إني أسكنتُ من ذُريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون" سورة إبراهيم: الآية 37) .
لم يكن أمام إبراهيم عليه السلام سوى أن يتضرع إلى الله ويستودعه زوجته وابنه وحدهما في هذا الفضاء الواسع الذي لا يوجد فيه ماء أو طعام أو حتى أنيس، ليس لهمت ألا الله ودعاء إبراهيم لهما، وهو على يقين من أن ربه لن يضيعهما .

بين الصفا والمروة

ويذكر ابن كثير في كتابه "قصص الأنبياء" ما حدث بعد ذلك، حيث انصاعت هاجر لأمر الله، وبعد أن نفد ما في السقاء من ماء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، أو قال: يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت بطن الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً ففعلت ذلك سبع مرات . قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم "فلذلك سعى الناس بينهما" . فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه، تريد نفسها . ثم تسمعت فسمعت أيضاً، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال بجناحه، حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضُه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف .

"لا تخافي الضيعة"

قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم "يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم" . أو قال: "لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً مَعِيْناً" . قال: فشربت وأرضعت ولدها . فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيتاً لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله .
وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهما رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على الماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريا أو جرييّن فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لا حق لكم في الماء عندنا . قالوا: نعم .
قال عبد الله بن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم" .
هكذا استجاب الله سبحانه وتعالى لدعاء إبراهيم عليه السلام، حينما طلب من ربه أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إلى ذريته، الذين أسكنهم بهذا الوادي، الذي لا زرع فيه ولا ماء، وأن يرزقهم من الثمرات .
وهكذا نرى أن التضرع لله والإيمان واليقين في قدرته جل وعلا سبحانه من موجبات استجابة الدعاء ._