استعارة الكتاب من مكتبة صديق أو المكاتب العامة، لغرض مطالعته، عادة متعارف عليها لدى الكثيرين ممن يعانون من ارتفاع سعر الكتاب أو صعوبة الحصول عليه، شريطة أن يعيد الشخص الكتاب لصاحبه .
وقد يلجأ بعضهم إلى استعارة هذا الكتاب من دون أن يقوموا بقراءته، وإعادته لصاحبه، وأحياناً نلاحظ أن غرض بعض مستعيري الكتب، تأسيس مكتبة خاصة، لتكون بمثابة جزء من ديكور منزلهم، وليس انطلاقاً من أهمية الكتب بالنسبة إليهم . ومع انتشار الكتاب الإلكترونيّ في السنوات الأخيرة على المواقع الإلكترونية الخاصة، والذي يلجأ إليه الكثيرون من عشاق المعرفة والثقافة، إلا أنّ هذا الكتاب - كما يبدو - لمّ يحل المشكلة .
محمد فوزي، موظف، يقول: الغاية من الكتاب بالنسبة إلى شخص مثلي مولع بقراءة الكتب، هو مضمون الكتاب، وليس هو بحد ذاته، ولا أعتبر أن تملك الكتاب أمر مهم قياساً إلى عملية قراءته الأكثر أهمية، وكثيرة هي الكتب التي قرأتها خلال السنوات الماضية، وما يهمني من هذه الكتب ليس الحجم الذي ستأخذه في مكتبة منزلي، بل ماذا بقي من هذا الكتاب أو ذاك في ذاكرتي؟ وأعتقد أن القارئ الأصيل هو الذي يهمه مضمون الكتاب الذي يقرؤه، أما ملكية الكتاب فهي جيدة إن أمكن ذلك، وإن لم تتوافر لدى القارئ نسخة الكتاب، فلا مانع من أن يقرأها بأي شكل . ويضيف: اتفقت أنا ومجموعة من أصدقائي من عشاق القراءة على أن نتبادل الكتب، حيث يقدم كل منا الكتاب الجديد الذي يحصل عليه للآخرين بعد أن ينتهي من قراءته، فنتبادل المنفعة بهذه الطريقة، ومن دون أن ننفق المزيد من المال في شراء الكتب، ما يخفف علينا من النفقات، كما أننا نحصل على أعداد لا بأس بها من الكتب لا يمكن لواحد منا فقط أن يستطيع اقتناءها، بالإضافة إلى أننا متفقون على صنف محدد من الكتب تبعاً لمضامينها، وهكذا فإننا في نهاية كل عام نقرأ مجموعة لا بأس بها من الكتب .
وتستذكر الشاعرة الهنوف، موقفاً حدث معها، إذ استعارت كتاباً من مكتبة الجامعة، وبعد أن أعادته ونتيجة خطأ ما، لم يتم تسجيل الإعادة في سجل بيانات المكتبة، وما زاد الطين بلةً هو ضياع الكتاب، وعدم تمكن المشرفين على مكتبة الجامعة من العثور عليه، وسبب لها ذلك حرجاً كبيراً لن تنساه، حسب تأكيدها .
وتضيف الهنوف قائلة: إن عدم إعادة الكتاب أمرٌ كارثي، يتعرض له صاحبه، خصوصاً إذا كان يعلم مكان الكتاب ولا يستطيع أن يعيده .
عبدالله صالح، ممثل ومخرج مسرحي، يقول: في المرحلة الجامعية، كنت أستعير الكتب، ثم بدأت بإنشاء مكتبتي الخاصة، وحصلت على نسبة من كتبي الموجودة في مكتبتي الآن من الأسفار التي كنت أقوم بها .
وعن قضية عدم إعادة الكتب المستعارة لأصحابها يقول: إنها إشكالية كبيرة، خاصة بالنسبة للكتب المهمة، وكثيراً ما تعرضت لمثل هذه المواقف، إذا يطلب أحدهم كتاباً قيماً، وبعد الإلحاح والإصرار أضطر إلى إعارته إليه، والمشكلة التي كنت أواجهها غالباً، هي المماطلة في إعادة الكتاب، ولكن بحكم الخبرة، اتخذت تدابير أخرى بهذا الشأن، فنحن لدينا مكتبة تحوي على الكتب الخاصة بشؤون المسرح، وبعض الشباب المهتمين بهذا الشأن يريدون استعارتها، لذا نقوم باستنساخ الصفحات المطلوبة من الكتاب وتسليمها لمن يرغب، للحد من تعبنا في استرجاع بعض الكتب النادرة .
بدرية خلفان الشامسي، مشرفة المكتبة العامة بدبي، الفرع الرئيسي (الراس)، تحدثنا عن آلية عمل المكتبة في إعارة الكتب بشكل عام، وتخص بالذكر، الخطوات المتبعة في حال التخلف عن إعادة الكتاب للمكتبة، وتقول: الاستفادة من الكتاب حق عام لجميع الزوار، أما استعارته، فهو حق خاص بالأعضاء فقط .
وعن شروط العضوية، تقول: يدفع العضو الجديد رسوماً رمزية، إضافة لمبلغ تأمين، والتوقيع على الالتزام بالغرامات المالية، في حال انتهاء مدة الاستعارة، وهي أيضاً رسوم رمزية . وتضيف:إن مبلغ التأمين يتم استعادته بتاريخ انتهاء العضوية السنوية، وفي حال طلب العضو استمرار عضويته، نحتفظ بالمبلغ .
وبعد الحصول على العضوية يمكن استعارة الكتب لمدة ثلاثة أسابيع، وإذا طلب العضو التمديد، يستعيره لأسبوع إضافي آخر .
وعن عدم إعادة بعضهم الكتب في المدة المحددة، تقول: هناك حالات يتخلف فيها الأعضاء عن إعادة الكتب إلى المكتبة، واعتدنا بحكم طبيعة عملنا على التعامل مع هذه الإشكالية، حيث نقوم بإرسال رسالة تذكيرية إلى الهاتف المحمول للعضو الذي يتأخر في إعادة الكتاب إلى المكتبة، أو يتم الاتصال هاتفياً به، وفي حال عدم الاستجابة، يتم تكرار العملية، مرة ثانية وثالثة، على فترات زمنية متتالية، وبعد مضي المدة المحددة يتم إسقاط العضوية عنه . وتتابع: يتم احتساب قيمة الكتاب، مضافاً إليها قيمة غرامة التأخير، والمصاريف الإدارية، ثم طرح المجموع من مبلغ التأمين، وفي حال كفاية مبلغ التأمين، لا يتم مطالبته بأي شيء، إنما يكتفي بتجميد عضويته، وفي حال عدم كفاية المبلغ، نقوم بإرسال رسالة إلى رئيس قسم الشؤون المالية، مرفقاً معها ملف العضو وتواريخ الرسائل التذكيرية، وأوراق الحسابات المالية . ويستكمل القسم الإجراءات والملاحقة القانونية .
يوسف الحلو، عضو قديم، وزائر يومي للمكتبة العامة، يقضي ساعات طويلة في المطالعة والبحث عن جديد التصميم والفن، يقول: أثناء وجودي في المكتبة، أحاول قدر الإمكان أن أستغل الوقت في الحصول على المعلومات التي تعنيني، فلا أتردد في الحصول على المعلومة، سواء من الكتاب أو الإنترنت المخصص للأعضاء . ويضيف: هذا لا يفسر مطلقاً أن أستعير كتاباً ولا أعيده، ولم أفعل هذا مطلقاً .
ناصر العبارة، زائر يومي للمكتبة العامة، يقرأ الجرائد والمجلات وكتب الأدب العربي القديم، يقول: بعد محاولات عاثرة للحصول على أحد الكتب، وقعت عيني على كتاب قيّم في مكتبة صديق لي، فطلبت منه استعارة ذلك الكتاب على أن أعيده إليه بعد ثلاثة أيام، وبسبب طبيعة عملي لم أتمكن من قراءة الكتاب في الوقت المحدد، فأخلفت وعدي معه، وأعدته إليه بعد شهرين، وبعد إلحاح منه .
ويضيف: ليس من الضروري أن نعيد الكتاب لصاحبه بالسرعة والتقيد بالمواعيد، تقديراً للأسباب الشخصية، لأنه وفي المحصلة سيرجع الكتاب إليه إن عاجلاً وإن آجلاً .
وعن عدم إعادة الكتب المستعارة للمكاتب العامة، يقول خالد الظنحاني، شاعر: إن من يفعلون ذلك جناة بحق الثقافة، فلا بدَ أن يغيروا ما بداخلهم قبل التفكير بالاستحواذ على الكتاب، وهذه التصرفات لا تمت بأي صلة للثقافة، بل إنها تنعكس سلباً على المكتبة والقارئ . ويعتقد الظنحاني أنه مع الضوابط الجديدة التي تتبعها المكتبات العامة خفت حدة هذه الظاهرة .
ويقول فائق إبراهيم، مدرس لغة إنجليزية: الغرض من الكتاب، سواء أكان ورقياً أم إلكترونياً قراءته، والحصول على المعلومة المطلوبة، وأستغرب من أن بعضهم يلهي نفسه بالتحمس للكتاب الإلكتروني أو الورقي، فكل منها هو وسيلة وليس غاية . ومن الممكن تحويل الكتاب الإلكتروني إلى ورقي عبر طابعة منزلية بسيطة، مثلما أن من السهل جداً تحويل الكتاب الورقي إلى إلكتروني .
الكتاب الإلكتروني بديل
في زمن الإنترنت، أصبح معظم الكتب متوفراً على المواقع الإلكترونية الخاصة، فهل هذا سيغني الناس عن الاستعارة؟ أم أن فكرة عدم التخلي عن الكتاب الورقي تطغي على الاستعانة بالإلكتروني في هذا الجانب أيضاً . يقول الروائي علي أبو الريش: لا يمكن للكتاب الإلكتروني أن يلغي الورقي، وبالتالي لا يمكنه أن يلغي استعارته أيضاً، فالتكنولوجيا بأشكالها كافة، لا تستطيع احتضان الكتاب الورقي، والإنسان اعتاد على مدى التاريخ الاحتفاء بدفء الكتاب الورقي . ويرى أن خدمة الإنترنت حديثة العهد بالنسبة إلينا، ويعتمد عليها أكثر في الظروف الاستثنائية التي قد تقف حاجزاً أمام الحصول على الكتاب الورقي المطلوب، والاضطرار للجوء إلى الإلكتروني للحصول على المعلومة اللازمة .
مكتبة من كتب الآخرين
هنالك من يستعير الكتب ولا يقرؤها ولا يعيدها إلى أصحابها، بهدف إنشاء مكتبة شخصية، وادعاء الثقافة . حول ذلك يقول إسلام أبو شكير، قاص وناقد: إن استعارة الكتب مبدأ منطقي ومقبول في ظل ظروف ارتفاع أسعارها وصعوبة الحصول على بعضها، لكن عدم إعادة الكتب إلى أصحابها عمل لا أخلاقي بالتأكيد . ويضيف: بناء مكتبة اعتماداً على استعارة الكتب وعدم إعادتها لأصحابها، للتباهي بحب المعرفة، عملية أكثر سوءاً، لأنها تخرج بالمعرفة وعملية صناعة الكتاب من إطار القراءة والبحث عن المعلومة إلى مظهر آخر مختلف تماماً .
وعن تجربته الشخصية يقول أبو شكير: أعرف مدمنين على استعارة الكتب، فقد استعاروا مني العديد من الكتب، وللأسف لم يعيدوها إلي، ففقدت بذلك الكثير من الكتب، ما دفعني للشعور بالندم، ومثل هذا التصرف جعلني أحياناً ألجأ لسلوك البخل في إعارة كتبي، إلا مع أسماء معينة ممن أثق بهم، شريطة أن يقرؤوا الكتاب ويعيدوه إلي في ما بعد .