يرافق ولادة الأطفال في تاريخ الشعوب بعض الطقوس والممارسات التي حاول بها الإنسان ابتكار سبل مختلفة لتسهيل عملية الولادة الصعبة على الأم وحماية المولود من المخاطر والتعبير عن فرحة الوالدين والمقربين بالهبة السماوية الجديدة التي رأت النور للتو .
وفي غالب الأحوال، كانت الطقوس المصاحبة لولادة الطفل تجري لحمايته من الشياطين والأشباح أو الأمراض والأوبئة التي يمكن أن تنال من المولودين الجدد حسب الاعتقادات الشعبية المنتشرة في أرجاء العالم .
في استراليا مثلاً تمرر القابلات أو المعالجون المحليون المولودين الجدد فوق مجمرة أو مدخنة، إذ يعتقد هؤلاء أن الدخان المتصاعد منها يحمي المولود لذا يسمونها بمدخنة تحميص الأطفال الجدد، كما يبدد الدخان رائحة الرضيع كي لا تقترب منه الأرواح الشريرة المحبة للحوم الطازجة، حسب ما يعتقدون .
وفي روسيا يبارك القساوسة أو الكهنة الأرثوذوكس المولودين الجدد عن طريق تغطيسهم بأنهار وبحيرات متجمدة، وذلك في التاسع عشر من يناير/ كانون الثاني من كل سنة وهي مناسبة تعميد الأطفال الجدد حسب التقاليد الأرثوذوكسية . ويعتقد هؤلاء أن الماء المتجمد في هذه الفترة يتميز بقوة تأثير إعجازية تمنح المولود الجديد قوة جسدية عالية في المستقبل .
وفي اليمن، لا يكاد المولود الجديد يفتح عينيه، حتى تقوم والدته بتكحيله، لاعتقاد الأمهات هناك أن الكحل يحتوي على ميزات مطهرة ومبيدة للجراثيم لاحتوائها على أملاح الرصاص .
وفي اليابان، نجد أن المواليد الجدد يدخلون في منافسات الصراخ العالي منذ أيامهم الأولى، إذ يحضر رهبان ديانة الشنتو مصارعي سومو ضخمي الجثة لإدخال الرهبة على المولودين الجدد لتقييم مدى اطلاقهم للصرخات العالية . وكلما كانت صرخة الطفل أعلى، دل ذلك على تمتعه بصحة جيدة وبالتالي فإن فرص كسبه الجولة تكون كبيرة .
ومسألة الابقاء على المولودين الجدد في حالة من القذارة الواضحة، منتشرة لدى العديد من الشعوب، ففي التبت يعتقد السكان المحليون أن دهن أو تلويث وجه الطفل الجديد ويديه بدهن قذر يمنع الأرواح الشرير الآكلة الأطفال من الاقتراب، لأن شدة النظافة تجعل رائحة الولد زكية وبالتالي فإن فرص اقتراب الشياطين منه، حسب معتقداتهم، تكون كبيرة كي تنال منه وتأكله .
وللروح الشريرة والشيطان دور في جعل بعض المناطق الإسبانية تحتفل بمناسبة قدوم المولود الجديد، فمنذ العام ،1620 يحتفل سكان منطقة كارستريلو دو مورشيا الواقعة في شمال إسبانيا بعيد القربان المقدس . ويرتدي أحد الممثلين زيّاً باللونين الأحمر والأصفر لتجسيد شخصية الشيطان المعروف هناك باسم إلكولاتشو، ثم يقفز فوق مجموعة من المولودين الجدد الممددين على مراتب ناعمة ودافئة في الشارع لحماية أرواحهم من قبضة أو تأثير الشيطان . وفي العادة يحتفل بعيد القربان المقدس بعد 60 يوماً من مناسبة عيد الفصح .
الخطوات الأولى
في إندونيسيا، يغسل أهالي منطقة بالي أقدام وأيدي المولود الجديد قبل أن يلمس الأرض للمرة الأولى، لأنه قبل هذه الطقوس، تحمله الأم بشكل دائم وتضعه في مكان مرتفع في فترات النوم ولا تدعه يقترب من الأرض . وأثناء الاحتفال، تكسر النسوة بيضة كرمز لعبور الطفل من العالم الروحاني إلى المادي .
ممنوع دخول الأب
في جزيرة البابوازي بغينيا الجديدة، تنتشر بين قبائل البابو عادة غريبة بالفعل إذ لا يسمح للأب أن يرى مولوده الجديد إلا بعد 6 أسابيع من ولادته . ويمنع الأب من الإقامة في خيمة الأسرة كي لا يكسر العلاقة الوطيدة القائمة بين الأم وطفلها، لكن الوالد يشارك على الرغم من هذه القسوة في توفير الطعام لهما بوضعه عند باب الخيمة .
خطأ شائع
يقول أحد الأمثلة الشعبية ادهن ولدك بالزيت وارمه خلف الباب، وهذا المثل المتوارث يعتبر عند البعض أحد أساليب رعاية الطفل في شهره أو أيامه الأولى، كما تعتقد الأمهات أن طلاء جسم المولود الجديد بالملح ودهنه بالزيت الدافئ في الليل وتغسيله في الصباح يجعلان جسمه طرياً ويبعدان عنه التسلخ والتشقق . وترفض الكثير من الجدات استعمال البودرة، لأنها تعمل على إغلاق مسامات جسم الطفل، وذلك على العكس من الزيت والملح .
ويرى أطباء الأمراض الجلدية والتناسلية والأطفال أن دهن الطفل حديث الولادة بزيت الزيتون يسبب له إعاقة في التنفس والإفرازات الدهنية والعرقية لأنه يغلق المسام في جسمه .
ويرى هؤلاء أن هذه المادة خطأ شائع ولا تستند إلى أية معلومة علمية، بل هي موروث قديم تتوارثه الأجيال . ويؤكد الأطباء أن لجوء بعض الأمهات إلى وضع الكحل في عين الطفل الحديث الولادة خطأ يؤدي إلى تسمم جسمه بالرصاص، وكذلك لفه بالقمطة خطأ آخر لأنه يعيق حركة القدمين واليدين ويمنع الطفل من محاولة اكتشاف عالمه الجديد .
ويشير أحد اختصاصيي علم النفس الاجتماعي إلى ضرورة توعية الأم من قبل مراكز الأمومة والطفولة والمراكز التابعة للمستشفيات ببعض العادات والممارسات الشعبية الخاطئة التي تمارس تجاه المواليد الحديثي الولادة والتي يعود مصدرها إلى الأسطورة في كثير من الحالات كاعتبار الزيت مباركاً والملح طارداً للشر .
زغرودة للأنثى وثلاث للذكر
تنتشر في المغرب العربي، لا سيما في مدن المغرب كالدار البيضاء وبني ملال، عادة إطلاق الزغرودة عند خروج المولود الجديد، فإذا كان أنثى أطلقت زغرودة واحدة وإذا كان ذكراً أطلقت ثلاث زغرودات .
وفي أغادير، يضع المحتفلون بالمولود الجديد الكحل على عينيه وحاجبيه ليتمتع، حسب المعتقد، بعينين وحاجبين سوداوين حينما يكبر، كما توقد أنواع البخور (كالشبة والحرمل) حجباً للمولود وأمه من العين .
وفي بعض المناطق المغربية، يغطى المولود الجديد بثوب أسود درءاً للعين كما تضع الأم غطاء أسود على رأسها، في حين يزين البعض في مناطق أخرى كمدينة قصبة تادلة يد الطفل بتميمة مصنوعة من العقيق الأسود لمدة قد تتجاوز الشهر اعتقاداً منهم أن ذلك يذهب العين ويحفظ الطفل . وهناك من يلجأ إلى من يسمونه الفقيه للظفر بتميمة توضع في معصم المولود مع عقيقة حمراء .