نزلت عليها اعترافات المتهم بمحاولة قتلها كالصاعقة، رفض عقلها أن يصدق ما تسمعه أذناها، هل يمكن أن تخطط ابنتها الوحيدة التي أفنت عمرها في تربيتها لقتلها وتكلف سائقها الخاص بالتسلل إلى شقتها وخنقها لترث ثروتها بعد كل التضحيات التي قدمتها، والغريب أن كل الشواهد كانت تشير إلى صدق اعترافات السائق .
غابت العجوز "ليلى" عن الوجود في رحلة من الذكريات، لقد كانت في شبابها أجمل فتيات العائلة العريقة، جميع الشباب كانوا يتهافتون عليها ويتنافسون لخطب ودها، فور أن تعدت طور الطفولة بدأ الخطاب يطرقون بابها يطلبون يدها، لكن أباها رفضهم جميعاً حتى تعرفت إلى الدكتور "مجدي"، الذي لا تقل عائلته عراقة عن أسرتها، نشأت بينهما قصة حب ملتهبة وتقدم لخطبتها فأخبرت أمها بأنها لن تتزوج غيره واستجاب والدها لرغبتها دون أي اعتراض وفي حفل تحدث عنه الجميع لأيام طويلة تم الزفاف وعاشت معه أجمل قصة حب، وسافرت معه إلى معظم بلدان العالم سواء للسياحة أم لحضور المؤتمرات العلمية التي كان زوجها ضيفاً دائماً عليها وجاءت ابنتها "منى" ثمرة لهذا الحب وقبل أن تكمل ابنتها "منى" العام السابع أصيب والدها بمرض شديد ألزمه الفراش وبعد رحلة علاج استمرت عدة أشهر توفي متأثراً بمرضه، رغم حزن "ليلى" على زوجها الحبيب تماسكت لأجل منى التي شعرت بمدى حب أمها لها، باعتبارها الذكرى الباقية من زوجها وعاشت منى مدللة من أمها وجديها لأبيها وأمها وتعودت أن تأمر فتطاع ويلبي لها الجميع كل طلباتها من دون مناقشة، لكن التدليل الزائد على الحد أفسدها فأصبحت عصبية تثور لأتفه الأسباب وتمتنع عن الطعام في حالة عدم الاستجابة لأوامرها ورغباتها المتقلبة، ونظرا لصغر سن ليلى وجمالها والثروة التي ورثتها عن زوجها، إضافة إلى الثروة التي سترثها عن والدها فقد تزاحم الخطاب يطلبون يدها وكل منهم يقسم ويعد بأنه سيعامل "منى" كابنته لكن كل هذه الوعود لم تؤثر في "ليلى" ولم تزعزع عزيمتها أو إصرارها على عدم الزواج على الرغم من أن ظروف عدد كبير منهم كانت مناسبة، إلا أنها أعلنت أنها سوف تعيش على ذكرى زوجها الراحل ولأجل ابنتها الوحيدة "منى" وحتى لا تأتي لابنتها بزوج أم قد يكون مصدر تعاسة لها ويضايقها أو يخطفها منها ويحرمها من حنانها، حاول والدها إقناعها بالتراجع عن قرارها بعدم الزواج لكنها رفضت مجرد مناقشة الفكرة .
بعد أن شبت "منى" عن الطوق لم تتغير طباعها قليلاً أو كثيراً وأخذت تمضي معظم أوقاتها في النادي دون أي اكتراث أو اهتمام بتحصيل دروسها رغم أن أمها أدخلتها مدرسة خاصة بمصروفات باهظة، وكانت لا تبخل عليها بالدروس الخصوصية في جميع المواد، بصعوبة بالغة وبعد فشل عدة مرات حصلت "منى" على شهادة الثانوية العامة بمجموع لا يؤهلها لدخول الجامعة فاكتفت بهذا القدر من التعليم وطلبت من جدها أن يساعدها في إنشاء شركة للتصدير والاستيراد ودفعت أمها لمساعدتها في إقناع جدها لتحقيق رغبتها، أمام إلحاح الابنة والحفيدة وافق الجد بعد أن اشترط أن تكون الشركة تحت إشرافه المباشر لكن لعدم خبرتها أو درايتها بأحوال السوق دخلت "منى" في عدة صفقات خاسرة كادت تطيح بثروة أمها لولا وجود جدها وعلاقاته العديدة فكان يتدخل لإنقاذها في آخر لحظة، تعرفت "منى" من خلال الشركة على "فؤاد" أحد رجال الأعمال، الذين طفوا على السطح في الآونة الأخيرة والذي لا يعرف أحد ماهية الأعمال التي يقوم بها بالتحديد وسال لعابه عندما عرف حجم ثروتها الكبيرة، وتمنى أن يناله جانب من الثروة فلم يدع الفرصة تفلت من يده وقرر أن يطرق على الحديد وهو ساخن وكرر الاتصال ب"منى" وبدأ يتقرب إليها حتى استمال قلبها وتوطدت العلاقة بينهما حتى شعرت نحوه بعاطفة قوية هزت كيانها بأسره، رغم أنه متزوج ولديه ثلاثة أطفال فقد طلب من "منى" تحديد موعد مع أسرتها لطلب يدها فطلبت منه أن يمهلها حتى تعرض الأمر على والدتها وفور أن أخبرت والدتها عن العريس وظروفه الأسرية غير المناسبة نالت وصلة من التوبيخ وطالبتها بعدم التحدث في هذا الشأن مرة ثانية كما رفضه جدها واستنكر طلبه غير المنطقي فلم يشعر بالراحة تجاهه من أول وهلة وشعر من خبرته في الحياة بأنه صياد للثروات وكل ما يربطه بحفيدته هو ثروتها الكبيرة فقط وتأكدت نظرته فيه عندما سأل عنه وعرف أنه من أسرة بسيطة جداً وتنكر لأبويه بعد أن باعا كل ما يملكانه حتى يستطيعا تعليمه واتهم حفيدته بالجنون لسوء اختيارها، فالعريس غير مناسب بكل المقاييس فهو أكبر منها بسنوات إلى جانب أنه متزوج ولديه ثلاثة أطفال، فشلت "منى" في إقناع أمها وجدها بالموافقة لكن بعد فترة قصيرة توفي جدها الذي كان العائق الأكبر في طريق سعادتها كما تعتقد وتقدم "فؤاد" للمرة الثانية يطلب يدها فلم تستطع الأم وحدها الوقوف أمام رغبة ابنتها الوحيدة، خاصة بعد أن صرخت في وجهها بكل وقاحة وهددتها بأنها سوف تتزوج من فؤاد حتى في حالة عدم الحصول على موافقتها، وأنه اختيارها وحدها وهي المسؤولة عنه، تم الزواج في حفل بسيط نظراً لحالة الحداد على وفاة الجد وبعد الزواج بأيام قليلة ظهر فؤاد على حقيقته وكشر عن أنيابه وأخذ في استغلال منى ونهب ثروتها تدريجياِ، الوحيدة التي لم تشعر بنذالته هي "منى" نفسها حتى اكتشفت بعد ثلاثة أعوام من الزواج أنها أصبحت شبه مفلسة وعليها أن تسدد الديون التي تراكمت عليها من دون أن تشعر حتى لا تدخل السجن .
لجأت "منى" إلى أمها لإنقاذها من ورطتها لكن الأم طلبت منها التمهل قليلاً ومحاولة إقناع زوجها "فؤاد" بمساعدتها، خاصة أنه هو الذي استولى على معظم الثروة، لأول مرة نشبت مشادة حامية بين الاثنتين ورفضت الأم الخضوع لضغوط ابنتها وتلبية رغبتها ببيع الشقة التي تقيم فيها فهي الشقة التي عاشت فيها أجمل ذكرياتها ولن يكون لديها مأوى آخر في حالة بيعها، قاطعت "منى" أمها عقب المشادة لمدة ستة أيام وفي مساء اليوم السابع اتصلت بها تليفونيا تعتذر لها وأخبرتها بأنها سوف تزورها في الصباح .
نامت "ليلى" وهي سعيدة بالصلح مع ابنتها الوحيدة وعودة المياه إلى مجاريها بينهما، لكنها استيقظت على شعور غامض بالخطر يقترب منها وتنبهت تماماً على صوت خطوات تقترب من حجرتها وكأن صاحبها يعرف طريقه جداً، قبل أن تفكر في كيفية التصرف كان رجل غريب ضخم الجثة قد فتح باب الحجرة وانقض عليها محاولا خنقها وبغريزة حب البقاء قفزت "ليلى" من مكانها على السرير والتحمت مع زائر الليل في معركة غير متكافئة، ومع ذلك تمكنت من إطلاق صرخات عدة وسددت إليه لكمات عدة حتى تجمع الجيران على صوت صرخاتها وأنقذوها من بين يدي زائر الليل الغريب وتحفظوا عليه، تطوع أحد الجيران بإبلاغ الشرطة وحضر رجال المباحث بعد دقائق معدودة وأخذوا في مناقشة المتهم بينما جلست العجوز تلتقط أنفاسها اللاهثة بعد الموقف العصيب الذي مرت به ونزلت عليها كلمات المتهم كالصاعقة المدمرة، قرر أنه يعمل سائقا في شركة التصدير والاستيراد التي تملكها منى، وأنها دفعت له ثلاثة آلاف جنيه مقابل قتل أمها وأعطته نسخة من مفاتيح الشقة ووعدته بمبلغ آخر عقب تنفيذه المهمة، وأنها اتصلت بأمها تليفونيا في حضوره حتى تتأكد أنها بمفردها، غابت الأم عن الوعي من قوة الصدمة وأحيل السائق المتهم بالشروع في قتلها إلى النيابة التي أمرت بحبسه على ذمة التحقيق، كما أمرت باستدعاء الابنة "منى" لمواجهتها بأقوال السائق بأنها المحرضة على الجريمة وطلبت من تحريات المباحث التحقق من صحة أقوال السائق .