رغم ملاحقة المحاكم للقتلة وصدور العشرات من أحكام الإعدام ضد الذين ارتكبوا جرائم قتل عمد في العديد من البلدان العربية وبخاصة مصر، فإن حوادث الثأر لم تتوار بعد، بل شهد المجتمع المصري خلال الآونة الأخيرة جرائم ثأر بشعة أزهقت فيها أرواح أبرياء منهم أطفال ونساء .
الغريب والمفزع أن الذين يرتكبون جرائم الثأر يتمسحون بالدين ويزعمون أنهم يطبقون أحكام وتعاليم الشريعة الإسلامية التي قررت القصاص من القتلة .
طرحنا جرائم الثأر المنتشرة في عدد من البلدان العربية والإسلامية على عدد من علماء الإسلام ليحددوا الخطوط الفاصلة بين السلوك القبلي المتوارث والممتد إلى عصر الجاهلية وبين القصاص الذي أقرته الشريعة الإسلامية لتحقيق الأمن والاستقرار والعدالة بين الناس .
الدكتور عبدالمقصود باشا أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر يؤكد في البداية أن الثأر من العادات الجاهلية التي مازالت سائدة في حياة بعض المسلمين الآن، فالعرب قبل الإسلام كانوا يتمسكون بمبدأ القصاص من القاتل مبررين ذلك بقولهم: القتل أنفى للقتل، وقد حملهم على هذا السلوك الذي لا يخلو من ظلم وقسوة ما طبعوا عليه من عادات وتقاليد وشعور بالكبرياء وعدم الرضا بالهوان، فقد كانوا يرون الاعتداء على الحياة من أشد ما يجرح فيهم هذا الشعور، كما أنهم كانوا يباهون بعدد القبيلة ويفاخرون بالأولاد ويتكاثرون بالرجال ويرون الاعتداء على واحد منهم اعتداء على القبيلة كلها، يوهن قوتها ويضعف هيبتها بين القبائل الأخرى، فيهبون جميعا للأخذ بثأره، لا يكاد يتخلى عن ذلك إنسان حتى لا يوصم بالجبن الذي يرونه عارا ما بعده عار .
شطط جاهلي
ويضيف: لقد اشتط العرب قبل الإسلام فتمسكوا بمبدأ الأخذ بالثأر، ولم يرض أكثرهم به بديلا من مال وغيره حتى خيلت لهم أوهامهم أن القتيل إذا لم يؤخذ بثأره وقف طائر على قبره يسمونه الهامة يظل يصيح: اسقوني اسقوني، ولا يسكت حتى يقتل القاتل أو أحد أقاربه، حيث كان من الشطط في الأخذ بالثأر اقتصاصهم من غير القاتل مادامت تربطه به قرابة أو صلة معروفة، وقد يزيدون في شططهم فلا يرضون إلا بالقصاص من أكثر من القاتل إظهارا لقوتهم وإرهابا لغيرهم، أو شدة تأثر بالفراغ الذي تركه ذو مكانة فيهم، وفي ذلك يقول الشاعر:
ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وهذه الثقافة الجاهلية كما يقول الدكتور باشا جاء الإسلام ليواجهها بعلاج حاسم حيث حرم القتل من دون سبب مشروع فقال سبحانه: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً ووضع عقوبة للقتل حتى لو كان على سبيل الخطأ فقال عز وجل: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة (النساء: 92) .
وقررت الشريعة الإسلامية مبدأ القصاص من القاتل عند تعمد القتل الذي يدل على الاستهانة بالقيم وعدم احترام حقوق الآخرين فالله سبحانه وتعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى وبين حكمة ذلك بقوله: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون .
غير أن الإسلام وهو الدين الوسط جمع بين مبدأ العدل ومبدأ الرحمة، فجعل الدية بديلا للقصاص فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة، ورغب الإسلام في العفو عن القاتل في آيات كثيرة ووعد العافين أجراً عظيماً قال تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله .
والإسلام عندما قرر مبدأ القصاص من القاتل وضع ضمانات تحول دون استفحال خطره وانتشار ضرره، فنهى عن الإسراف فيه بقوله: ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً .
ومن مظاهر هذا الإسراف كما يقول العلماء قتل غير القاتل الذي ثبتت إدانته فحرم أن يؤخذ غيره بجريرته تطبيقا للمبدأ العام الذي جاء في قوله تعالى: ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى كما حرم أن يقتل أكثر من القاتل، فذلك من شأنه أن يؤدي إلى استمرار العداء وتجدد الحروب وتفاقم الضرر .
ردع المجرمين
ويوضح الدكتور علي جمعة مفتي مصر أن القصاص العادل هو حكم الله عز وجل، فقد شرع القصاص ردعا للمجرم الذي يهدد حياة الآمنين ويعتدي على حقوقهم وحرماتهم وينشر في الأرض الفوضى والفساد مما يترتب عليه بالضرورة انهيار الأخلاق وزلزلة كيان الأفراد والأسر والمجتمعات وزعزعة الثقة في قدرة التشريع الإلهي على توفير الأمن والسلام للناس على هذه الأرض التي أمروا بتعميرها وإقامة حدود الله فيها، فالله سبحانه وتعالى يقول: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون .
والحياة التي في القصاص تنبثق من كف الجناة عن الاعتداء، فالذي يوقن أنه سيدفع حياته ثمنا جزاء لجنايته جدير بأن يتروى ويفكر ويتردد، كما تنبثق الحياة التي تتحقق في القصاص من شفاء صدور أولياء الدم عند وقوع القتل بالفعل من الحقد والرغبة في الثأر الذي لم يكن يقف عند حد في القبائل العربية حتى كانت تدوم معاركهم المتقطعة أربعين عاما كما في حرب البسوس المعروفة عندهم، وكما نرى نحن في واقع حياتنا اليومية حيث تسيل الدماء على مذابح الأحقاد العائلية جيلا بعد جيل .
ويوضح مفتي مصر أن في القصاص حياة بمعناها الأشمل الأعم، فالاعتداء على حياة فرد اعتداء على الحياة كلها، واعتداء على كل إنسان حي يشترك مع القتيل في سمة الحياة، فإذا كف القصاص الجاني عن إزهاق روح واحدة فقد كفه عن الاعتداء على الحياة كلها، وكان في هذا الكف حياة مطلقة لا حياة فرد، ولا حياة أسرة ولا حياة جماعة، بل حياة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى .
ظلم فادح
لكن القصاص الذي شرعه الخالق عز وجل ليس مسؤولية الفرد ولا القبيلة، بل هو مسؤولية ولي الأمر ممثلا الآن في القضاء المختص، فليس كل قتل يستوجب القصاص، بل القصاص يكون في القتل العمد بشروط مخصوصة نص عليها الفقهاء .
من هنا يؤكد مفتي مصر أن عادة الثأر القبيحة المتأصلة في نفوس بعض الأفراد والجماعات والقبائل لا علاقة لها بالشرع لأنها تنطوي على ظلم فادح، فالذين يؤمنون بالثأر، ويطبقونه لا يقتصون من القاتل الحقيقي إذا كان هناك قاتل، بل هم يختارون أفضل من في أسرة القاتل ليقتصوا منه، وهذا ظلم واضح لا تقره أية شريعة ولا يقبله عقل أو منطق، كما أن من يثأرون يأخذون الناس بالشبهات، فقد يقتل شخص في معركة من دون أن يعرف من الذي قتله، ويقتص أهله ممن يريدون .
وينتهي الدكتور جمعة إلى التحذير من تفشي رذيلة الأخذ بالثأر بين الأفراد والجماعات حتى لا تنتشر الفوضى في المجتمع ويقول: لا خلاف بين الأئمة في أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر الذين فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود، فليس للإنسان حق الاقتصاص من الآخرين من دون تحقيق وتأكد من التهم والقرائن والأدلة والبراهين، وهذا ما يقوم به القضاء .
بطء العدالة
الدكتور نصر فريد واصل أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث بالأزهر ومفتي مصر الأسبق يؤكد على ضرورة تطبيق عدالة السماء بين الناس حتى لا يفكر أحد في الثأر لنفسه وقتل الأبرياء، ويقول: غياب العدالة أو بطؤها يدفع البعض إلى ارتكاب جريمة الثأر، ويقول: أنا أسميها جريمة، لأن من يؤمنون بالثأر ويطبقونه لا يقتصون من القاتل، بل هم يقتلون في الغالب الأبرياء الذين لا ذنب لهم فيما حدث، حيث يختارون أفضل من في الأسرة لكي يقتلوه ليكون الحزن والألم عليه أكثر من الحزن والألم على فقيدهم، وهذا عين الظلم .
ويعبر الدكتور واصل عن ارتياحه لأحكام الإعدام العديدة التي صدرت مؤخرا بحق العديد من القتلة في مصر ويقول: عندما يقتص القضاء من القتلة وفي أوقات وجيزة فسيقضى بالتدريج على جريمة الثأر التي شاعت بين بعض الناس، لأن من يقتل له ابن أو أخ أو أب دون وجه حق ويعلم أن القضاء سيقتص له سيفكر ألف مرة قبل أن يندفع ويرتكب جريمة الثأر ويعرض نفسه للضياع، فهو إما أن يقتل مستقبلا على يد أسرة خصومه، وإما أن يحبس أو يقتل بحكم القضاء، وإما أن يعيش مشردا هاربا مطاردا، وهناك المئات من الأشخاص الذين يعيشون دائما في رعب وخوف بسبب الثأر .
ثقافة الثأر
الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية والرئيس السابق لجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر يدين هو الآخر سيطرة ثقافة الثأر على عقول بعض الأفراد والجماعات في بعض البلدان العربية كما يحدث في صعيد مصر وفي بعض القبائل العربية في بلدان المغرب العربي، ويؤكد أن الإسلام لم يترك لكل فرد أن يأخذ ثأره بنفسه من دون قيد أو نظام، ويقول: لو استسلمنا لهذه الثقافة البغيضة ستحدث الفوضى وسيعم الظلم وتنتشر الفوضى في المجتمع، لأن صاحب الثأر طرف في الخصومة، ولا يستبين الرشد في خطواته وتصرفاته لو جعل نفسه حاكما، ولذلك اشترط الإسلام أن يفصل في الخصومة من لا يد له فيها حتى يكون محايدا، واشترط الإسلام للقاضي صفات تجعله بعيدا عن الشكوك والريبة، ولا يمكن أن يكون الفرد خصماً وحكماً في وقت واحد .
ويضيف: لقد جعلت الشريعة الإسلامية الإشراف على القصاص وإقامة الحدود من اختصاص ولي الأمر الشرعي الذي يتمثل الآن في القضاء الذي يقوم بدوره بالتدقيق في الأدلة والبراهين ويطبق العدل بين الناس، وفي معظم قضايا القتل العمد تصدر أحكام قضائية رادعة، وقد صدرت أحكام بالإعدام ضد العشرات من القتلى في مصر خلال الشهور القليلة الماضية، فلماذا نلجأ للثأر مادامت المحاكم العادلة تقتص من القتلة وتجعلهم عبرة لمن يعتبر؟!