الأخلاق أو القيم أو السلوكيات والفضائل . . من أهم أركان الإسلام ومفاهيمه، حيث ترتبط بالعقائد والغيبيات وتقترن بالتشريعات والقوانين، كما تعد جماع العبادات وغاياتها . . ولهذا قال صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق .

ومن العجيب أنه لا يوجد دين ولا قانون ولا مذهب سياسي شدد على أهمية الأخلاق والقيم كما فعل الإسلام . ومع الأسف، فإن بعض المسلمين أبعد ما يكونون عن الأخلاق في تعاملاتهم اليومية مع الأفراد والجماعات ومع الحاكم والمؤسسات، في الداخل الإسلامي وربما في تعاملاتهم مع الآخر!

والسؤال: لماذا تغيب الأخلاق عن سلوكيات معظمنا؟ وكيف نعيد المسلمين إلى الأخلاق والفضائل؟

يقول الداعية الشيخ خالد الجندي، وهو واحد من أكثر الذين كتبوا وخطبوا عن الأخلاق في دنيا الناس: مفهوم الأخلاق عندنا في الإسلام ليس مفهوماً فلسفياً مجرداً عن الواقع، بل يتحدد في سلوك المسلم ومواقفه وأفعاله، في ابتسامته وإماطته الأذى عن الطريق، وفي قول الصدق والشجاعة في الحق وإغاثة الملهوف إذا استغاث بنا .

ومن أفضل تعريفات الخلق ما جاء في قواميس اللغة من أنها عبارة عن السجية والطبع .

وقد أبدع أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين قائلاً إن الأخلاق عبارة عن هيئة في النفس راسخة، تصدر عنها الأفعال بسهولة، من غير حاجة إلى رؤية أو تكلف . الفعل يصير مع الخلق لذيذا، فالسخي يستلذ ببذل المال والتواضع لذيذ عند المتواضع .

وقد اجتهد علماء الاجتماع والفلسفة في تحديد مصدر الأخلاق، فبعضهم مال للتكوين البدني، والبعض الآخر عول على العرف والعادات، والآخر ربطها بالمنفعة المادية والمصلحة الشخصية أو العامة، وبعضهم مثل فلاسفة اليونان والفيلسوف الألماني كانت أرجعها إلى قوة الضمير، ولكن السؤال: ما هو الضمير وما الذي يحركه؟

الأخلاق في التصور الإسلامي لها علاقة بكل هذا ولكنها تحتاج بالضرورة إلى الخالق وإلى الوازع المحرك والخوف من الآخر والبحث عن السعادة، أي أن الأخلاق تحتاج إلى الإسلام، فلا وجود لأخلاق بلا دين، ومن دونه قد تتحول إلى سلوك مدمر رغم اللذة الظاهرة!

لا أخلاق بلا دين

ومن هنا ربط الإسلام الخلق بالدين والدنيا معاً . فالعبادات هدفها حسن الخلق والبعد عن الفواحش، يقول الحق: وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر . والزكاة تطهر النفوس . يقول الحق: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها .

والإيمان هو الذي يحرك الضمير ويبعد الإنسان عن الظلم ومفاسد النفس . يقول الحق: وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين .

كما ارتبطت الأخلاق بالخير الدنيوي المطلق . فكل خلق حث عليه الإسلام أو نهى عنه فيه نفع خالص حتى لو لم يدرك بعض البشر خيراته في الدنيا أو الآخرة . يشير الحق: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون . أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين .

والأخلاق في الإسلام تتميز فوق هذا باليسر والبساطة والاتساق مع الفطرة والنفس الإنسانية .

فليست الأخلاق عندنا خيالاً أو طوبياً كما يقول الفلاسفة، بل هي يسر وواقع، يقول الحق في خلق العدل في الميزان: وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها .

كما أنها أخلاق ثابتة لا تتغير بتغير المزاج أو الأشخاص، وليست نسبية كما يقول بعض الماديين من الغرائزيين، بل أخلاق تطبق على الجميع حتى غير المسلمين وربما مع المحاربين . فالجدل بالحسنى خلق واجب مع أهل الكتاب . ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن . وبر الوالدين واجب حتى مع الأب أو الأم غير المسلمين . وصاحبهما في الدنيا معروفا، والاستجابة للغوث والأمان واجبة بنص القرآن: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه .

وهي أخلاق ملزمة لكل إنسان مع نفسه، ومتوازنة في الدنيا والآخرة . من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة .

مشروع حضاري إنساني

والأخلاق على هذا النحو كما يفصل الداعية الشيخ خالد الجندي لا تنفصل عن أي فعل في الحياة بل ترتبط بكل سلوك يتعامل به الإنسان مع الكون كله . ولهذا فإن الأخلاق في الإسلام مشروع حضاري إنساني للبناء والسعادة والعمران .

فالأخلاق عماد العمل والإنتاج، ولهذا كان العمل بلا قيم قاسياً ومادياً وقد لا تكون له ثمرة طيبة في حياة الناس . ويكفي أن نذكر في أخلاق العمل قوله صلى الله عليه وسلم: إخوانكم خولكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم وليلبسه ما يلبس ولا يكلفه ما لا يطيق فإن كلفتموهم فأعينوهم .

والأمانة عندنا خلق، ولكنها وسيلة للسعادة وضبط شؤون الحكم والسلطان . . وفي الحديث: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، وفي الحديث الصحيح: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة . وقد أجمل الرسول صلى الله عليه وسلم ارتباط الأمانة بالدين والحياة فقال: لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له .

والوفاء خلق إسلامي، ليس فقط لضبط السلوك الفردي لكنه خلق لضبط أخلاق الدولة في مواثيقها ومعاهداتها الدولية مع الآخر . فالمسلم مخاطب بقول الحق في عمومه: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها . وفي الحديث المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراماً أو حرم حلالاً . وفي حديث صحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة .

في الكسب والمال

والإسلام أحاط المعاملات المادية كلها بسياج أخلاقي واضح، فالمسألة ليست مكسباً وتجارة وأموالاً فقط، بل هي قبل هذا أخلاق ومصلحة أمة وقيم نبيلة .

وعليه حرمت الشريعة تجارة الخمور والمخدرات وتجارة الخنزير وأموال الربا ومكاسب الغش والاحتكار والتدليس، بل قد يصير الحلال حراما بالإسراف والمباهاة والترف وحرمان المحتاج .

والقاعدة الأخلاقية الشرعية: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة . والله لا يحب كل مختال فخور .

وفي الحديث: يا معشر التجار إياكم والكذب، وفي رواية مسلم: من غشنا فليس منا .

كما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الاستغلال والاحتكار . وفي الحديث: من احتكر الطعام أربعين يوماً فقد برئ من الله وبرئ الله منه .

وتحريم الربا موقف خلقي في الأساس فالناس مأمورون بالمساعدة والإنفاق واستثمار الأموال لخدمة المجتمع . وعليه كان كنز المال أو استغلاله بالربا حراماً . يقول الحق: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، ويقول: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم .

لا نفعية ولا طغيان

والسياسة والجهاد والقضاء . . أعمال خلقية في الإسلام، فليس عندنا نفعية أو استغلال غرائزي أو طغيان للقوة والسلطان .

ومن دلالات هذا الخلق أن السلطان خليفة رسول الله قائم على سياسة الدين وحراسة الدنيا، لا يسعى لطلب الحكم، ويقبل النصيحة، ويطبق حد الله على نفسه أو من يعول . . يتعسس الرعية، ويختار القوي الأمين، ويقضي بين الناس بالعدل . . وحتى في حالة الحرب والقتال نجد مثل هذا الدستور الأخلاقي يقول عليه السلام: ألا لا يجهزن على جريح ولا يقتل أسير . وفي مسند أحمد: لا تمثلوا بشيء . وفي رواية: لا تقتلوا شيخاً ولا امرأة ولا صغيراً ولا عابداً في صومعته .

إن أخلاق الصدق والكد والصبر والحياء والعلم والإخلاص والحلم والأمانة والعقل والحرية والشورى والتعاون والفقه والجود والرحمة والعزة والقوة والاتحاد . . هذه وغيرها أخلاق تلف الوجود الإنساني كله، كما تلف كل فعل ولو بدا صغيراً في دنيا الناس . . ويكفي أن نذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتبر أن من يقضي شهواته في الحلال قد أتى بصدقة، كما يقول في حديث البخاري: تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشاد الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر صدقة .

كما اعتبر الرحمة بالحيوان والأرض . . خلقاً كريماً مثل الرحمة مع كل بني الإنسان .

إن واجب المسلمين اليوم أن يعيدوا فقه الأخلاق، وأن يدركوا أن مصالح العباد وسياسة البلاد واقتصاد الأوطان لا يمكن أن تكون إلا بصناعة الإنسان، وصناعة الإنسان لن تكون إلا عندما يغير الإنسان من نفسه ويحسن من خلقه ويدرك وهو مسلم أن الدين المعاملة، كما قال صاحب الرسالة .