وتتابع: أعتقد أن تحملها لهذه المسؤولية مفيد لشخصيتها، ويزيد من ارتباطها بأخواتها، وارتباطهن جميعاً بالأسرة. وإن كان هذا لا يمنع حدوث بعض المشكلات بينها وبين أخواتها، أو اعتراضها أحياناً على هذه المسؤوليات، إلا أنني في النهاية أنجح في إقناعها بأهمية ما تفعله للأسرة ومدى تقديرنا لذلك.
ليس أمراً عادلاً
وتخالفها الرأي حنان محمود، فتقول: أرفض هذا تماماً؛ لأن إلقاء مسؤولية أبنائي على أختهم أو أخيهم الأكبر ليس أمراً عادلاً، فالابن الأكبر أيضاً يحتاج إلى الرعاية والاهتمام، ومن حقه أن يعيش حياته، وألا يتحمل مسؤوليات الأسرة ورعاية الأطفال قبل الأوان، وخصوصاً إذا كان، كما هي الحال في أسرتي، الفارق في السن بين الابن الأكبر والذي يليه ليس كبيراً.
وتضيف: في رأيي أن هذا يعقد العلاقة بين الإخوة؛ إذ يمكن للابن الأصغر أن يتمرد على أخيه الأكبر، أو أن يتحول منح سلطات إضافية للابن الأكبر لرعاية إخوته إلى فرصة للتسلط وفرض السيطرة، خصوصاً إذا كن من البنات، وقد يصل به الأمر إلى معاملتهن بخشونة، أو يعتقد أن وظيفتهن في البيت هي خدمته.
ولتأكيد وجهة نظرها تروي أن صديقة لها كانت تجبر ابنها الأكبر على رعاية شقيقه الأصغر، واصطحابه معه عندما يخرج للعب أو التنزه مع أصدقائه، وكان ذلك يجعل الأكبر عنيفاً مع أخيه؛ لأنه يشعر أنه مفروض عليه، وعبء ثقيل يتمنى التخلص منه حتى يتمكن من الاستمتاع بوقته، ونتيجة لتلك المشاعر كان يعامل أخاه الأصغر بكثير من الخشونة ويعتدي عليه بالضرب أيضاً لأقل الأسباب. وعندما بدأ الصغير يكبر أصبح يبادل أخاه التعامل الخشن، وتوترت العلاقة بين الشقيقين، وصار من الصعب علاجها على المدى الطويل.
أكثر مناسبة للفتيات
وتروي رحاب حويت، موظفة، تجربتها بالقول: أنا أم لثلاثة أولاد، ودائماً ما أطلب من الاثنين الكبيرين التعاون معي في رعاية أخيهما الصغير، فهو لا يزال في عامه الثاني وكثيراً ما أضطر إلى تركه مع أخويه لرعايته لأتفرغ لتأدية مهام أخرى. وهما يقومان بهذه المهمة بسعادة، ودون إبداء أي ضيق أو رفض، وأعتقد أن هذا مفيد لثلاثتهم للغاية؛ لأنه يخلق حالة من الحميمية بين الإخوة، ويزيد من التقارب والحب والرابط الأسري بينهم، كما يشعر الإخوة الأكبر سناً بالمسؤولية، ويمنح الأم الفرصة للتوفيق بين عملها ورعاية أسرتها.
أما دلال محمد، ربة بيت، فهي تعتقد أن هذه المهمة أكثر مناسبة للفتيات من الفتيان أو الأولاد الذكور، لأن الابنة - من وجهة نظرها - تميل بطبيعتها للعب دور الأم حتى في ألعابها؛ لذلك فرعايتها لأشقائها أو شقيقاتها الصغار عمل محبب إليها، ويدربها على رعاية أسرتها مستقبلاً. فقيام الأخت الكبرى بإعداد وجبة خفيفة لإخوتها، أو مساعدة والدتها في إعداد الطعام أو تنظيف البيت، أو رعاية الأبناء، أمر يتفق مع ملكات الابنة وغريزتها الطبيعية.
تقول: ابنتي الكبرى تفعل ذلك بشكل طوعي، ورغم أنني لا أعمل، إلا أن ابنتي تشاركني في المسؤولية، وتقتطع من وقت مذاكرتها أو راحتها لرعاية أخيها الصغير، كما تساعدني في كثير من شؤون البيت وتدبير المنزل، وإلى ذلك فهي متفوقة دراسياً وتشارك في الأنشطة الطلابية والرياضية في مدرستها. وعلى العكس من ذلك ابني الأكبر، الذي يرفض أن يقوم بأي عمل يرتبط برعاية أخيه، بل يصاب بالضجر إذا سمعه يبكي أو يلح في طلب أي شيء!
الأم الثانية
وتخبرنا رشا السيد، موظفة بشركة علاقات عامة، بتجربتها الشخصية: أنا الأخت الكبرى لإخوتي الثلاثة، تحملت مسؤولية العناية بأختي الصغرى لما يوجد بيننا من فارق في العمر يصل إلى 10 سنوات، ولهذا فقد كانت والدتي تثق بي وبقدرتي على رعايتها والعناية بها، وهذا أكسبني خبرة في تربية الأطفال، الأمر الذي انعكس على حياتي فيما بعد فلم أجد صعوبة في تربية ابني. إضافة إلى أن أختي الصغرى صارت أكثر ارتباطاً بي، وتراني أماً ثانية لها، حتى بعد أن كبرت وتزوجت وصارت هي أماً.
وتلفت رشا إلى أن سعادتها بتحمل تلك المسؤولية، سببها أنها تحملتها طواعية ولم تكن مفروضة عليها، بينما كانت صديقتها وجارتها في مثل ظروفها، وتشكو كثيراً بسبب إجبارها على تحمل مسؤولية أخيها الأصغر.
وتضحك جنة خالد، الطالبة في المرحلة الإعدادية، قبل أن تقول: أرافق أختي الصغيرة فقط عندما تكون في حالة مزاجية جيدة، وتريد اللعب والمرح، وأساعدها على تعلم بعض الكلمات، أو أردد معها الأغنيات التي تحبها، ولكنها عندما تبدأ في الصراخ أو تتحول حالتها المزاجية، لا أجيد التصرف فأنادي أمي لتتسلمها. كما أنني يزعجني إفسادها أشيائي وبعثرتها في كل مكان، ولا أحبها أن تشاركني في غرفتي، ولذلك عندما تكلفني أمي برعايتها، تكون مهمة شاقة ومزعجة بالنسبة لي.
وعلى العكس تؤكد نوران جلال، طالبة في المرحلة الثانوية، أنها مرتبطة جداً بأختها الصغرى، وتسعد باهتمامها بها، تقول: أمضي معها وقتاً أطول مما تمضيه أمي معها، ولذا فهي تحبني وتطيعني وأنا أقرب أفراد أسرتنا إلى قلبها، لذا لا تطمئن لأحد غيري وتحب أن تنام إلى جواري، وهذا يسعدني كثيراً ويجعلني أشعر بالمسؤولية الحقيقية تجاهها.
رعاية تخضع لشروط وضوابط
تتحدث د. رشا عبد الله أستاذة علم النفس الاجتماعي بجامعة عجمان عن السلبيات والإيجابيات الخاصة بهذا الموضوع وتقول:
تعد ولادة الابن الأول والأكبر الفرحة الأولى للأهل، فيتمتع بالرعاية من قبل الوالدين وجميع أفراد الأسرة فيدلل في صغره ويعيش برفاهية في طفولته، فهو الملك المتوج يجلس على العرش وحده والكل يفرح بكل ما يصدر عنه، لذا تكون الغيرة لديه شديدة لأنه تعود على أنه كل شيء. إلى أن يكبر ويشعر أحياناً أنه الوصي على إخوته الصغار، فيبدأ بممارسة سلطته عليهم، ويعمد إلى ممارسة العديد من صلاحيات الأهل على إخوانه في المنزل. أو على العكس من ذلك، يقدم النصائح لإخوته من خلال الصداقة التي تجمعهم. لذا، دائماً ما تحيط مسألة الابن الأكبر تساؤلات كثيرة، حول دوره في المنزل، ومتى يجب أن يتحمل المسؤولية، ولماذا يجب أن يأخذ دور الأب، ومتى تتداخل السلطة بالمسؤولية في علاقته مع أفراد الأسرة؟ ومن الملاحظات المتواترة لدى المتخصصين في العلوم النفسية والإنسانية أن ثمة سمات مشتركة تنتج عن ترتيب الطفل في أسرته وربما تلازمه طوال حياته متفاعلة مع عوامل أخرى جينية وأسرية واجتماعية.
وحقيقة الأمر أن الطفل الأكبر يمر بمرحلة سعادة كثيرة وأيضاً مراحل إحباط كثيرة، فبعد أن كان هو الطفل الوحيد الذي يحصل على كل رعاية والديه فهو مركز اهتمام الأسرة، فجأة يجد نفسه وقد أزاحه طفل جديد من فوق عرشه ليسحب منه الاهتمام، ومن ثم أصبح عليه أن يتقبل مشاركة هذا القادم الجديد له في حب واهتمام أبويه، وهذا قد يحدث صدمة على المدى القصير والبعيد للطفل الأول ما لم يعمل الأبوين على طمأنته وعلى استمرار الاهتمام به ورعايته.
تأتي الصدمة الثانية عندما يتم تكليفه برعاية وتحمل المسؤولية لرعاية إخوته الصغار، فيجد نفسه أنه لا يلاقي اهتماماً فقط بل على عاتقه الاهتمام بمنافسيه (إخوته).. وحقيقة الأمر أن رعاية الأخ الأكبر لإخوته ليست بالشيء السيئ بل على العكس هي في أحيان كثيرة التي تثقل شخصيته وتجعله شخصاً مسؤولاً يعتمد عليه وتكون سبباً في تشكيل كثير من الجوانب الإيجابية في شخصيته، ولكن يعود نجاح الأمر إلى نقطتين: الأولى: الأسرة والوالدين وكيف يتعاملون مع الابن الأكبر.. فيجب أن يساعدوه على أن يفهم أنه جزء من العائلة وأن يعرف مكانته ودوره في الأسرة ويقدر هذا الدور ويفهمه ويقوم به بحب واهتمام حقيقي، وفي المقابل على الوالدين أن يستمروا في الرعاية والحب والاهتمام بالابن الأكبر، ولا يبالغوا في تكليف ومسؤوليات الطفل بشكل يجعله يفقد طفولته، حتى وإن تمثل هذا الاهتمام في كلمات تشجيع وإطراء على سلوكياته، ذلك الذي يدعم إحساسه الإيجابي وثقته بنفسه.
أما إذا بالغ الأب في تنشئته ليكون رجلاً قبل الأوان، وقد يقسو عليه ويحرمه طفولته، وقد يبالغ في توقعاته منه، فضلاً عن التدليل الزائد للطفل الأصغر والتغاضي عن بعض السلوكيات التي كانت في مرحلة أخرى مرفوضة ولا يقبل بها من الأخ الأكبر، ذلك الذي يؤثر في نفسية الأخ الأكبر ويجعله يشعر بالغيرة والحقد الشديد تجاه الأخ الأصغر والتي قد تظهر في التصرف بشكل عدائي في بعض المواقف مع بعضهما البعض.
النقطة الثانية: هي متى يتم تكليف الابن الأكبر بهذه المسؤولية، أو السن المناسب لتأدية هذه المهام، من أهم النقاط التي يجب أن يضعها الأبوين في اعتبارهما هي ألا يتم التكليف فجأة، بل يجب أن يتم ذلك بالتدريج من خلال خطوات وهي: الحب، والمشاركة، ثم فهم الدور- دوره باعتباره جزءاً من الأسرة - ومن ثم سيجد نفسه يقوم بتقديم الاهتمام والرعاية لإخوته بشكل عفوي وطبيعي، دون أن يتم تكليفه بذلك بشكل قصدي أو مفروض عليه.
وعليه فإن دور الابن الأكبر وأهميته في تقديم الرعاية والاهتمام بإخوته الصغار يحمل كثيراً من الإيجابيات، ولكن يتضمن أيضاً بعض السلبيات، والذي يحدد ويكون مسؤولاً عن تحقيق هذه الإيجابيات أو السلبيات هم الوالدين وطريقة تربيتهما.
لذا من أهم النقاط التي يجب أن يراعيها الوالدين في التعامل مع الابن الأكبر هي المرحلة العمرية التي يعيشها وخصائصها ومتطلباتها واحتياجاته في هذه المرحلة، فلا يحرمونه في مرحلة الطفولة من الحب والحنان والشعور بالأمان والتي تمثل أهم الاحتياجات في هذه المرحلة.
أما إذا كان الطفل الأكبر في مرحلة الطفولة المتأخرة وبداية مرحلة المراهقة فيجب أن يراعي الأبوين احتياجات ابنهما في هذه المرحلة، وأهمها هي احتياجهم للشعور بالاستقلال والخصوصية، ومن ثم عدم تكليفه بالمهام الذي تجعله يفقد هذا الشعور مثل التزامه بصحبة أخيه الأصغر معه في كل مكان كأن يكون رقيباً عليه.