تقول إحدى الاحصاءات إن أعمال الروائية الانجليزية الراحلة أجاثا كريستي وزعت 4 مليارات نسخة حول العالم، وهو رقم يشير إلى الولع بقراءة الرواية البوليسية . في التحقيق التالي سألنا مجموعة من المثقفين العرب عن غياب الرواية البوليسية في الإبداع العربي المعاصر، جاءتنا إجابات يمكن تلخيصها في رؤية تعتبر الكاتب العربي مثقلاً بهموم ومشكلات تجعله يشعر بالذنب لو فكر في كتابة رواية بوليسية، فقضايا المثقف العربي أكثر أهمية وإلحاحاً، رؤية تسكت عن القول إن وعينا يعتبر الأدب البوليسي نوعاً من التسلية .

عندما كتب نجيب محفوظ اللص والكلاب اعتبرها البعض رواية بوليسية ولكننا نقرأ بين سطورها إسقاطات اجتماعية وسياسية عدة، وهل ننسى عطر زوسكيند المشرحة للمجتمع الفرنسي في فترة مظلمة من تاريخه، أما أعمال ادجار الان بو فلا يمكن النظر إليها بوصفها كتابات لتمضية أوقات الفراغ .

الأدب البوليسي هو الكاشف للوجه الآخر للمجتمع، للمشكلات النفسية والاقتصادية الكامنة في أعماقه، الجريمة في حد ذاتها كاشفة لطبيعة العلاقات بين البشر . مادة خصبة لأدب ثري لو امتلكنا تقنياته وأدواته، أما لماذا لم يلتفت مبدعونا لهذا النوع من الأدب فمسألة تحتاج إلى التنبيه أولاً والبحث المعرفي والدراسات الثقافية في مرحلة لاحقة .

قال الناقد محمد دكروب: الرواية البوليسية مرتبطة في أذهاننا بأنها منتوج أدبي غربي، إذْ تعود أول قصة من هذا النوع إلى الكاتب الأمريكي إدغار آلان بو في كتابه حكايات الغموض والخيال والرعب الذي صدر عام ،1852 كما أن الكتابة البوليسية عرفت اقبالاً كبيراً من قبل الكتّاب الأوربيين، أمثال البريطانيين آرثر كونان دزيل الذي ابتكر شخصية شرلوك هولمز، وآجاثا كريستي صاحبة الصيت الواسع، والبلجيكي جورج سيمنون الذي أبدع في إدخال أساليب أدبية وتخييلية عديدة إلى العالم الضيق للرواية البوليسية، وهو مبتكر شخصية المفتش ميغريه . وعلينا ألا ننسى عشرات الكتاب الآخرين الأقل شهرة الذين جعلوا الكتابة البوليسية نمطاً أدبياً ذا خصوصية متكاملة، وهو ما جعل لهذه الكتابة قراءها ونقادها وناشريها، بل إن الكثير من هذه الأعمال تحول إلى أفلام سينمائية أو رسوم متحركة، كما أن بعضها حقق أرقام مبيعات قياسية، ولقيت حفاوة من الإعلام والنقد، مثل على ذلك رواية شيفرة دافنشي التي ترجمت إلى كل لغات العالم تقريباً، وتحولت إلى فيلم سينمائي . القصد أن ثمة عالماً متكاملاً يمكن الحديث عنه حين نتكلم عن الرواية البوليسية في الآداب الأوربية والغربية، بينما يصعب علينا أن نفعل ذلك في ما يتعلق بالأدب العربي، إذْ إن المحاولات التي أنجزت في هذا السياق ثليلة ونادرة، فباستثناء الكاتب المصري محمود سالم الذي كتب سلسلة مغامرات قصصية للفتيان بعنوان المغامرون الخمسة، ليس لدينا سوى بعض المحاولات النادرة التي لا يمكن التعويل عليها، كما هي الحال في تجربة الكاتب المغربي الميلودي الحمدوشي الذي يكتب بالفرنسية والعربية، وهي تمثل نوعاً من الطفرة في الرواية البوليسية العربية، فقد حصر هذا الكاتب نفسه في هذا النوع وامتلك تقنيات الأسلوب البوليسي، وأنجز أعمالاً لافتة . هناك أحاديث عن روايات بوليسية مثل: اللص والكلاب لنجيب محفوظ، أو روايات في الجاسوسية كما في روايات صالح مرسي، ولكن هذا لا يكفي للحديث عن ملامح ملموسة وحقيقية لرواية بوليسية عربية . كأننا اعتدنا أن تكون الرواية البوليسية عملاً مترجماً عن لغات أخرى، كما أننا اعتدنا أن مناخات وعوالم هذه الروايات ملائمة للمجتمعات الغربية أكثر . ربما يكون هذا إحساساً مغلوطاً، ولكن لا أحد يستطيع إنكاره أو أن يشك بوجاهته . إن عالم الجريمة في مجتمعاتنا يكاد يكون مغلقاً وحكراً على الدولة ومؤسساتها، أما الأدب فيبدو مشغولاً بمسائل أخرى أكثر تعقيداً وإلحاحاً، ولهذا بقي الأدب البوليسي شيئاً هامشياً لدى مبدعينا، رغم وجود قاعدة قراء عربية مهتمة بمتابعة هذا النوع، ولكن هل هي مهتمة برواية بوليسية يكتبها مؤلفون عرب قادرون على مجاراة الكتاب الأجانب؟ هذا هو السؤال الذي في رأيي يُرجّح أن يكون جوابه سلبياً .

ورأى الروائي جبور الدويهي أن هناك أسباباً كثيرة يمكن سوقها من أجل تبرير غياب أو ضعف حضور القصة أو الرواية البوليسية عن الأدب العربي المعاصر وأبرزها أن الرواية البوليسية كنوع أدبي لا يحظى في ثقافتنا العامة ولا في رأي الكتاب والمؤلفين العرب أنفسهم بالاحترام أو لنقل الجدية المطلوبة . الكتابة البوليسية، بهذا المعنى، تبدو أقل أهمية ومكانة من الروايات العادية . وأتصور أن هذا التبخيس من قيمة الرواية البوليسية عائد إلى أنها مغلقة على موضوع واحد هو موضوع الجريمة والوصول إلى فك ألغازها واكتشاف القاتل أو مرتكب الجريمة، وتستخدم فيها مهارات أسلوبية من نوع واحد تتمثل في التشويق والغموض وحبس أنفاس القارئ وتشتيت انتباهه عن الجاني الحقيقي حتى كشف حقيقته في الصفحات الأخيرة من الرواية . ومن جهة أخرى، لا تبدو مجتمعاتنا العربية صالحة للرواية البوليسية، فهي مكتظة بالمشاكل والقضايا الأساسية التي لا تزال تمثل نوعاً من الأزمات البنيوية في حياة المواطنين، بحيث تشغل هذه القضايا المصيرية الكاتب العربي الذي يشعر أنه مطالب بحلها أو تعرية أسبابها أو نقدها وفضحها على الأقل . الكاتب العربي مثقل بهموم ومشكلات تجعله يشعر بالذنب لو فكر بكتابة رواية بوليسية . قد يستثمر جوانب وأساليب بوليسية من أجل تقوية عناصر السرد في رواياته أو يجعل السرد نفسه مشوقاً وجذاباً للقارئ، ولكن كل هذا لا يعني أنه بات كاتباً بوليسياً، فالكتابة البوليسية لها شروطها ومعاييرها بل وحتى قواعدها . هكذا، تتحول الرواية البوليسية إلى نوع من الترف الذي لا يستطيع الكاتب العربي أن يحلم به أو يحصل عليه .

وتظن الروائية علوية صبح: أن الكتابة البوليسية صعبة الرواج في عالمنا العربي، وترجع ذلك إلى أن الكاتب العربي عموماً تنتظره قضايا أكثر إلحاحاً، إضافة إلى أنه محكوم بتقديم وجهة نظره في الكثير من المسائل السياسية والاجتماعية والوطنية . وتقول الكاتب العربي مثقل بالعديد من الهزائم واللحظات المصيرية في التاريخ والتي تتطلب منه أن يكون مبدعاً ومنظراً ومفكراً ومشاركاً في الحلول، ومسؤولاً بطريقة ما عن الواقع الذي ينبغي عليه أن يكون شاهداً عليه، وأن تكون أعماله انعكاساً مباشراً لحركة هذا الواقع . الكاتب العربي يُنتقد إذا كتب عن الحب في زمن الأزمات والقضايا الكبرى . الأدب عندنا ليس ترفاً أو ممارسة حرة . من هنا يمكن الحديث عن صعوبة إقبال الكتاب العرب على الرواية البوليسية، فهي لا تتناسب مع جديتهم المبالغ فيها، ولا مع القضايا التي تشغل ضمائرهم ومخيلاتهم، حيث يبدو النص البوليسي نوعاً من التسلية أو اللعب مقارنة بالقضايا الملتهبة والمصيرية في الروايات والقصص العربية، فالروايات البوليسية تبدو مرهونة فقط بالتشويق والغموض، حيث يستعرض المؤلفون مهاراتهم وألاعيبهم في تلغيز الحبكة والأحداث والشخصيات من أجل شد القارئ حتى اللحظات الأخيرة من رواياتهم، بينما ظل هذا النوع هامشياً، بل شبه منعدم في الأدب العربي المعاصر .

ويؤكد د . محمد عبدالمطلب أن الأرقام التي وزعتها روايات أجاثا كريستي غير مسبوقة، على مستوى العالم كله، وفي غير أمريكا وإنجلترا لا تستطيع أن تسمع بهذا الرقم، وفي الوطن العربي كان أكثر الكتّاب توزيعا الإمام الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي بلغت أرقام مبيعاته أكثر من مليوني نسخة .

والأدب البوليسي يقول د . عبدالمطلب ليس له حضور في الوطن العربي، لأنه لا يوجد عمق تراثي له في أدبنا العربي، فالقصة القصيرة والرواية لهما عمق تراثي في المقامات، والمسرح له عمق في خيال الظل، حتى الأسطورة لها عمق تراثي في كتابات أبي العلاء المعري وابن طفيل، لكن الرواية البوليسية تفتقد هذا العمق إلا في بعض حكايات ألف ليلة وليلة والتي لا ينطبق عليها مصطلح البوليسية بالمعنى الدقيق باستثناء البحث عن القاتل مثلاً .

ويوضح د . عبدالمطلب أن ما ترجم من الروايات البوليسية في مطلع القرن الماضي، كان رديئاً للغاية، مما صرف المبدعين عن خوض غمار هذا الفن، وفي العصر الحديث يمكن أن نجد جذورا لهذا الأدب البوليسي في رواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ، بالإضافة إلى أن القصة البوليسية تجري أحداثها في مناخ ومجتمع أوروبي، لكن المجتمع العربي لم يكن مهيأ لمثل هذه الحياة البوليسية .

ويعتبر الروائي المصري أحمد مراد أحد الروائيين الذين كتبوا أدباً تدور أحداثه في أجواء بوليسية، لكنه يرى أن سبب انحسار الأدب البوليسي في الوطن العربي يعود إلى أن الناس تنظر إليه على أنه نوع من التحايل، والتجارب التي ظهرت منه تصلح لسيناريو فيلم أو مسلسل، لكن الناس لم يتعودوا قراءة عمل يجمع بين اللغة والخيال والجريمة في سبيكة واحدة .

ويقول مراد: وصف بعض النقاد روايتي الأولى فيرتيجو بوجود نفس بوليسي بها في حين أن عنصر المطاردة انتهى بداية من الفصل الثاني في الرواية، وظهرت ملامح العمل بالكامل فالأدب البوليسي يحاول الإجابة عن ثلاثة أسئلة هي: متى وأين؟ وكيف؟

وأنا أرى الكلام لمراد أن فيرتيجو رواية اجتماعية مغلفة بالإثارة وليست رواية بوليسية، تبحث عن حل، لكن روايتي الثانية، تراب الماس فيها نوع من البوليسية .

ويشير مراد إلى أن أدب الجريمة لم يقدم بشكل جيد في المجتمع العربي، والمحاولات التي ظهرت تتسم بالهشاشة، وهذا أعطى انطباعا للقراء بأن هذا الفن ليس له جذور، وفي الخارج يقدم هذا النوع من الأدب بطريقة جامدة ويفتقد العمق وكل هدفه تتبع مسار الجريمة، وينسى المؤلف أن الشخصيات لم ترسم بشكل جيد، ونحن أخذنا الشوائب والقشور مثل البضائع الصينية، التي تصدر الرديء منها إلى بلدان العالم الثالث لكن البضاعة الجيدة منها تقدم للعالم المتقدم، وأتوقع أن تتغير هذه الفكرة في الفترة المقبلة .

ويرى الكاتب نهاد شريف، روائي أدب الخيال العلمي، أن من يحبون قراءة الأدب البوليسي، يستمتعون بحل الجانب الملغز في قصص الغموض، ويعيشون مفهوم الارتباك والانفعال أكثر من قراءة أي جنس أدبي آخر، والأدب البوليسي كجنس أدبي يحتاج إلى قدرات خاصة ليس في مسألة الكتابة فقط، ولكن في مسألة القراءة، وهو دائم الاحتفاء بمستوى الذاتية ما يجعله مختلفا تماما عن الأدب التقليدي، وأن أبرز الدوافع لكتابة الأدب البوليسي هي نفسها الأسباب التي وراء كتابة أي جنس آخر، وهي أن تشعر بالرغبة في كتابته وأنك تحبه، وعندك قصة تتمنى أن تحكيها .

ويوضح شريف أن ما يميز الحكي البوليسي هو التركيز على عناصر التشويق والغموض واللغز، إضافة إلى التحري بطبيعة الحال الذي يعملون بشكل مستقل عن جهاز الشرطة ويتعاونون مع رجالها أحيانا، وتقوم الرواية البوليسية على الجريمة التي ليست طارئة، بل هي محور الرواية، كما تتميز بالدقة، والبعد عن الحشو، وظهور الرواية البوليسية مرتبط بالتحولات الديمقراطية في بلدها وهي تحمل دلالة مفادها أن هناك هوامش ديمقراطية في هذا البلد .

أما الكاتب محمد معروف فيرى أن الأدب البوليسي منتشر في بريطانيا وهو متأثر بأدب الصالونات، الذي يجعل المحقق يمارس مهامه وهو جالس على الكرسي عكس المحقق الأمريكي الذي ينزل إلى الشارع، ويتعقب المجرمين بنفسه، ونحن في الوطن العربي نفتقد رائداً في هذا الجنس الأدبي، وعندما يظهر هذا الروائي ويأخذ بأيدي الكتاب سوف يقبل الناس على قراءة هذا النوع من الأدب، ويستوعبونه، وهذا النوع من الأدب يحتاج إلى تفرغ، وبحث طويل، وعندما كتبت روايتي الباخرة كليوباترا اكتشفت حاجتي إلى بعض حقول الثقافة المعرفية، مثل الثقافة القانونية وتقنيات التحقيق ومبادئ علم الإجرام، وغيرها من المعارف الضرورية التي لا يمكن دخول عالم التحريات بدونها .

ويؤكد معروف أن هذا الجنس الأدبي سيعرف المزيد من التطور بفضل ثورة المعلومات والعولمة التي تهدف إلى توحيد أذواق الشعوب، من خلال المهرجانات وترجمة ودبلجة المسلسلات الأجنبية وغيرها .

وتحتاج الرواية البوليسية إلى فكرة درامية تؤثر في وعي الجماهير وتثير الرعب والمخاوف من الطريقة التي يتغير بها الناس والمجتمع بتأثير التكنولوجيا الحديثة .

ومع زيادة شعبية الأدب البوليسي في الغرب يقول معروف فإنه لا يجد القبول من جماهير القراء في الوطن العربي، لأن الكثير من القراء يفضلون القصص التي تعكس الواقع الذي يرونه من حولهم والقصص التي تدور حول أناس يشبهونهم، يقعون في الحب ويتزوجون، ويترملون ويغرقون في الشراب، ومن يكتبون في الأدب البوليسي يميل خيالهم إلى الغريب والمستحيل، وقد يجدون الحياة العادية ضحلة غير مثيرة، لذلك ينجذبون إلى الرحلات الغريبة والفانتازيا .

الناقد الموريتاني الشيخ ولد سيدي عبد الله يرى أن غياب الأدب البوليسي عن أفق الأدب العربي المعاصر يعود إلى نظرة المواطن والكاتب للنظام البوليسي، ففي الغرب البوليسي موجه لخدمة أمن المواطن والقضايا الوطنية وفرض النظام والأمن وجعلهما في خدمة الشعب .

ويضيف هذا ما شكّل نفوراً لدى المواطن والقارئ من البوليس والروايات المتعلقة بالبوليس .

ويقول في ظل سيطرة دور النشر وخضوع الثقافة للمادة في وطننا العربي فإن الروائيين والكتاب يدركون أن أي رواية بوليسية عربية قد لا تجد الانتشار والصدى لدى القارئ . . بيد أن هناك أنماطاً من الروايات البوليسية الشائعة في الوطن العربي وهي تلك الروايات التي يمكن إدراجها ضمن دائرة المذكرات الشخصية عندما يعمد كاتب ما تعرض لمضايقات أو سجن إلى استخدام القمع البوليسي كفكرة مهيمنة على كتابه .

محمد ولد أحظانا مثقف موريتاني يقول، هذا السؤال طريف، وهو سؤال وجيه تماماً، فلماذا غاب الأدب البوليسي عن أفق الأدب العربي المعاصر في ظل ازدهاره في العالم الآخر وعلى يد كتّاب مرموقين؟

كان من المفترض أن تكون بيئتنا العربية منتجة لأدب بوليسي راق، فما هو السبب؟

لماذا يغيب الأدب البوليسي في منطقة تزدهر فيها التحقيقات مع السياسيين وتدار فيه الصناعة البوليسية بالذات، لماذا تغيب الرواية البوليسية؟

الجواب عن هذه التساؤلات ليس سهلاً، صحيح أن الشرطة في العالم، باستثناءات قليلة طبعا، تضرب وتعلق الأشخاص من أقدامهم وأيديهم وتقتل ولكنها لا تحقق، أي أن لديها ممارسة قمعية في البلدان الديكتاتورية في إطار سياسة القطيع وليست ممارسة أمنية .

والتحقيقات البوليسية في الغرب هي التي تلهم الكتاب والروائيين للقيام بأعمالهم في هذا الصنف الأدبي وتشحذ خيالهم، بل إن بعض الكتّاب لديهم محققون يمدونهم بتحقيقات الشرطة عن الجريمة وعالم الإجرام .

وأعتقد أن هناك موانع حالت دون وجود أدب بوليسي عربي، أولها أن الشرطة سياسية فقط، وقد حول ذلك كل ما هو أمني وبوليسي إلى رهاب كبير لدى الكتّاب، ولدى المجتمع، فالقمع سياسي ولا تجري فيه تحقيقات ذهنية علمية، ولهذا لم تنجح محاولات الكتابات البوليسية التي قام بها كتاب عرب سواء من وحي الداخل أو من وحي المقايسات الخارجية .

وثمة ملاحظة أخرى، وهي أن الأدب البوليسي أو الأدب الأسود كما يسميه البعض ازدهر فعلاً في الغرب، ولكن الدراسات والمصادر تقول إن 70% من قراء هذا الأدب هم من الجنس اللطيف، أي النساء، وتعلمون أن نسبة الأمية عند المرأة العربية كبيرة تجعلها تقريباً خارج الدائرة الضيقة للقراء في عالمنا العربي .

صحيح أن البيئة الاجتماعية للجريمة مختلفة بين الغرب والعالم العربي، ولكن الجريمة ظاهرة اجتماعية في كل المجتمعات وإن اختلف حجمها وأسلوب تعامل المؤسسات والمجتمع معها .

إننا نميل إلى طمر الجريمة الشخصية لاعتبارات اجتماعية وفكرية، فالمؤسسات الرسمية تعلق نياشين لمرتكبي جرائم الشرف أو تسكت عنهم غالبا، وفي بعض البلدان التي خضعت لضغوط إنسانية يعامل مرتكب جريمة الشرف باستثناءات كثيرة، كما أن نوعية الجريمة تختلف من حيث التنفيذ والمتابعة في المجتمع العربي عن نظيره الغربي .

فكل مصرع شخص يؤدي إلى فتح تحقيق ومتابعة أمنية وإعلامية واجتماعية، في حين أن بعض أموات الوطن العربي لا يمرون حتى بالكشف الطبي عن أسباب الوفاة .

وكل هذا غيب عن قصد فعل الجريمة من هذا الحدث، فلم تتشكل على هامشه بيئة اهتمام بحثي أو أدبي .

الكاتب الموريتاني محمد ناجي ولد أحمد يقول لعل أكبر سبب لغياب أسماء عربية مرموقة عن ميدان الأدب البوليسي يعود إلى أننا في الوطن العربي نعيش ظاهرة بوليسية بامتياز، ففي كل مكان إلا من رحم ربك من بعض عالمنا العربي الموبوء تجد شرطة ومخبرين، ويجثم على صدر كل حر شاويش ومفتش ويوزباشي .

ثم إن البوليس في البلدان الديكتاتورية تخلّى عن عمله في متابعة المجرمين، ليتابع المعارضين السياسيين، وبالتالي فلم يعد هناك مكان أو موجب للإشادة ببطولاتهم، أو بناء قصص عنهم، لأنهم لا يلهمون ببساطة .

ولد الأدب البوليسي في أماكن متعافية، حيث يقوم البوليس بحماية المواطن لا ترهيبه، كما يحدث في أوطاننا المثخنة جراحاً .

صحيح أنه لدينا تجارب بوليسية ترفع هامة الأمة وإن كانت قليلة، إلا أنها يمكن أن تلهم كتاباً لإبداع روايات رائعة، من ذلك الانجاز العظيم لشرطة دبي في تتبع قتلة القيادي الفلسطيني في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) محمود المبحوح، الذين اتضح أنهم عملاء لمخابرات الكيان .

ثم إن غياب الطبقة القارئة، التي تلتهم إبداعات الكتّاب عائق آخر، أمام نشر فلكي للروايات البوليسية في الوطن العربي .

صحيح أن هناك محاولات لكتابة أدب بوليسي في العالم لكنها ما زالت خجولة لحد الساعة، ولم تتلق القبول الذي تستحقه .