«وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ، وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ «الذاريات (20-22) الأرض كوكب صغير خلقه الله تعالى بين مجموعة كواكب المجموعة الشمسية في مجرة درب التبانة (وهي إحدى المليارات من المجرات في الكون)، ويؤلف كوكب الأرض مع عُطارد والزهرة والمريخ الكواكب الأربعة الداخلية الصخرية الصغيرة في مجموعتنا الشمسية، ويأتي بعد هذه الكواكب كل من المشتري وزحل وأورانوس ونبتون لتؤلف الكواكب الأربعة العملاقة الغازية ومن ثم الكواكب القزمة ( بلوتو وجماعته). فضلاً عن الأجرام السماوية الصغيرة الأخرى الموزعة في المجموعة الشمسية التي لا تحصى ولا تُعد، إذ قد يصل عددها إلى الملايين بما فيها الكويكبات الصغيرة التي معظمها يدور حول الشمس بين مداري المريخ والمشتري، وتنتشر بين الأجرام والكواكب والكويكبات أعلاه المواد الغبارية والغازية والدخانية.
تُعَد الأرض ثالث كوكب من حيث البعد عن الشمس وأكبر الكواكب الأرضية الأربعة في النظام الشمسي من حيث الحجم والكتلة، فضلاً عن أنها تتمتع بأعلى نسبة من الكثافة وأعلى مستوى من الجاذبية على سطحها وأقوى مجال مغناطيسي وأسرع دوران حول نفسها، علماً أنها الوحيدة المعروفة لغاية يومنا فيها الحياة التي نعرفها ولها غلاف جوي مميز ومجال مغناطيسي مهم جداً للكائن الحي.
في القرآن الكريم وردت كلمة الأرض مفردةً ومجتمعةً مع مفرداتها ومشتقاتها 461 مرة، وجاءت هذه الكلمة للدلالة على الأرض جميعها في بعض الموضوعات، وللدلالة على جزء منها في موضوعات أخرى، واقترن خبر خلق السماوات والأرض في موضوعات كثيرة.
تُعَد الأرض سكناً لملايين الأنواع من الكائنات الحية، بما فيها الإنسان وهي المكان الوحيد المعروف الآن بوجود حياة عليه في الكون. تكونت الأرض قبل حوالي 4.54 مليار سنة وظهرت الحياة على سطحها خلال مليار السنة الأخيرة تقريباً، ومنذ ذلك الحين أدى النشاط الجيولوجي الأرضي إلى تغير الغلاف الجوي والظروف غير الحيوية الموجودة على الكوكب، وهو أمر سمح بتكاثر الكائنات التي تعيش فقط في ظل وجود الأوكسجين وتكون طبقة الأوزون التي مع المجال المغناطيسي الأرضي تعمل على حجب الأشعة الضارة، وذلك يسمح بوجود الحياة على الأرض، ومرت منذ أن ولدت من مادة السديم الشمسي التي كونت القرص الأولي للشمس في مراحل تطويرها بعدد من المراحل الجيولوجية والبيئية.
يتكون الغلاف الجوي الأرضي من الهواء الذي يحتوي على غاز النيتروجين بنسبة 78%، وغاز الأوكسجين بنسبة 21%، أما ال 1% المتبقية ( التي تدعى بالغازات الدفيئة) فمؤلفة من غاز ثاني أكسيد الكربون وأول أكسيد الكربون وبخار الماء وبعض الغازات الأخرى، التي تزود الكائن الحي بالدفء من خلال احتباسها للحرارة. يغطي الماء (70 - 75 %) من سطح الأرض، ولا نجد الماء بشكله السائل الموجود على الأرض على سطح أي كوكب آخر، فقد وضع الله سبحانه وتعالى الأرض للأنام وجعلها فراشاً وقارةً سكنيةً للإنسان.
«والأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ» (الرحمن 10).
فنجد أن للأرض خصوصية عن بقية الكواكب من حيث مزاياها المسخرة للكائن الحي (بيئتها وموقعها وشكلها وغلافها الجوي وسطحها ومياهها ودفئها...الخ)
وتكلم الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم عن هذه المزايا بآيات كريمات عديدة مثل:
«الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (البقرة 22).
في الآية الكريمة أعلاه يقول الله سبحانه «الأرض فراشاً» و«السماء بناءً»، فنجد:
1. أن موقع الأرض متميز إذ إنها تقع بين كواكب مفرطة في الحرارة وكواكب مفرطة في البرودة، وكأنها خلقت وتميزت بالحرارة والدفء المناسبين للكائن الحي وأصبحت فراشاً له.
2. لها غلاف جوي ومجال مغناطيسي يحميان الكائن الحي من الأشعة الكهرومغناطيسية والرياح الشمسية القادمة من الشمس وحتى من أضرار بعض الشهب والنيازك والأمطار الشهبية، لذلك فإن الله تعالى جعل السماء سقفاً محفوظاً وحافظاً للأرض وللكائن الحي الساكن عليها. كيف؟
أ. تبعث الشمس طاقتها على شكلين، الأشعة الكهرومغناطيسية والرياح الشمسية، فالأشعة الكهرومغناطيسية مؤلفة من موجات عديدة، الأربع الرئيسية (أشعة جاما والأشعة السينية وفوق البنفسجية وتحت الحمراء) منها قاتلة أو حارقة أو مضرة للكائن الحي، والاثنتان الرئيسيتان (المرئية والراديوية) منها مفيدة للكائن الحي، وسبحان الله فإن الأربع الموجات القاتلة والحارقة يمنعها الغلاف الجوي من الوصول إلى سطح الأرض (مثل أشعة جاما والأشعة السينية التي تمتصها الجزئيات الموجودة في الطبقات العليا من الغلاف الجوي، والأشعة فوق البنفسجية الضارة التي تمتصها طبقة الأوزون (O3 )، والأشعة تحت الحمراء التي يمتصها بخار الماء وثاني أكسيد الكربون)، إذ إن الغلاف الجوي خُلق ليحمي الإنسان من الأشعة أعلاه «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالا..»، فجعل السماء درعاً واقية للأرض وما على سطحها. أما الأشعة المتبقية مثل المرئية (الطيف المرئي) فهي تصل إلى الأرض لتزودنا بالضوء والطاقة كي نعيش عليها، وكذلك الأشعة الراديوية التي يسرت حياة الإنسان بالاتصالات والتنقلات ونقل الأخبار والمعلومات من خلال الوسائل المرئية والسمعية وكل الوسائل التكنولوجية التي يستفيد منها الإنسان.
«وجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ» (الأنبياء 32)،
ب. أما الرياح الشمسية فتبعثها الشمس على شكل جسيمات مشحونة (إلكترونات سريعة قاتلة) فالأرض محاطة بمجال مغناطيسي وخطوط قوى مغناطيسية تحمينا من الرياح الشمسية هذه، ولكن قبل وصولها إلى الأرض تنحرف بسبب خطوط القوى المغناطيسية المحاطة بالأرض التي تولدها الأرض، فلأن الأرض مغناطيس كبير ناتج عن دوران الأرض حول نفسها واحتكاك اللب السائل باللب الصلب في قلب الأرض، فإن المجال المغناطيسي حول الأرض يصبح درعاً واقية (سربيل) للساكنين على الأرض، تؤدي إلى انحراف الجسيمات المشحونة القادمة من الشمس عند خطوط القوى المغناطيسية وتمنعها من الدخول إلى سطح الأرض «....سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَ سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ.....».
3. في المجموعة الشمسية هناك ظاهرتا الشهب والنيازك المعروفة فلكياً، وبين الحين والآخر تسقط النيازك على الكواكب ومن ضمنها الأرض، ولكنها تحترق في الغلاف الجوي لتكون الشهب، والمتبقي يسقط على الأرض على شكل أشلاء وصخور نيزكية، ولولا الغلاف الجوي والمجال المغناطيسي الأرضي لما بقي كائن حي على الأرض بسبب ضربات النيازك وأضرار الأشعة الكهرومغناطيسية الحارقة وكهربية الرياح الشمسية، فالغلاف الجوي هو الآخر درع واقية من الأضرار.
*مدير جامعة الشارقة رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك