أفلام المقاولات التي كانت إحدى أبرز ظواهر السينما المصرية في الستينات والسبعينات عادت للظهور من جديد من خلال أفلام اتفق النقاد على أنها تمثل بالفعل عودة لتلك الظاهرة، ومنها فيلمان تم تقديمهما مؤخرا هما دكتور سيليكون لمروى ونيرمين الفقي وشعبان عبدالرحيم، وعلقة موت لشمس والشحات مبروك وسماح بسام.. فما أسباب عودة تلك الظاهرة مرة أخرى؟ وهل تشكل خطراً على السينما المصرية؟ وهل يصبح لها نجومها مثلما كان في فترتي الستينات والسبعينات؟ علامات استفهام تفرض نفسها، الإجابة لدى المعنيين من منتجين ونقاد وممثلين في هذا التحقيق:

في البداية يؤكد المنتج هاني فوزي أنه يجب أن نفرق بين أفلام المقاولات والأفلام قليلة التكلفة، ويجب ألا يتم خلط أوراقهما أو الربط بينهما، مؤكدا أن أفلام المقاولات هي بالضرورة أفلام قليلة التكلفة، لكن الأفلام قليلة التكلفة ليست بالضرورة أفلام مقاولات.. ويشرح هاني فوزي رأيه قائلا: أنا أنتجت أفلاماً قليلة التكلفة ليس لأنها ضعيفة وإنما تكلفتها القليلة كان سببها أنني استعنت فيها بنجوم شباب وليس بنجوم كبار يتقاضون الملايين لكنها حملت مضمونا وصورة سينمائية جيدة ومنها مثلا بلد البنات وبدون رقابة وغيرهما، وهذه الأفلام ليست مقاولات أبدا لأننا ظللنا فترة طويلة نحضر لها وفترة طويلة أيضاً نصورها، بينما أفلام المقاولات يتم التحضير لها وتصويرها في مدة لا تزيد على شهر أو شهرين على الأكثر وهي أفلام بلغة السوق السينمائي مسلوقة ولا يوجد فيها أي شيء له علاقة بالسينما كفن وفكر وصورة، ولها بالتأكيد نجومها ومنتجوها ومخرجوها أيضا.

أما الفنان حسين فهمي الذي يعود للسينما بفيلمه الجديد في لمح البصر فلا يرى خطرا على السينما المصرية من عودة أفلام المقاولات من جديد، لأن الإنتاج السينمائي الأمريكي نفسه توجد فيه مثل هذه النوعية من الأفلام التي يتم إنتاجها للاستهلاك السريع من دون أن يتوقع منها أحد نجاحاً ضخماً أو تأثيراً كبيراً، وهذه النوعية التي يعتبرونها في أمريكا أفلاما للتسلية فقط لم تؤثر في صورة السينما الأمريكية كأهم سينما في العالم كله.

ويضيف حسين: الخطر الحقيقي على السينما عندما يتوقف إنتاج الأفلام الجيدة لكن مع وجود سينما محترمة لا يكون ظهور هذه النوعية من الأفلام خطرا خاصة أنها لا تبقى طويلا في دور العرض ولا تحقق أي نجاح.

الحل الوحيد لمواجهة هذه السينما هو تقديم مزيد من الأفلام الجيدة هذا هو رأي الفنانة إلهام شاهين التي بدأت تعود للسينما بقوة سواء من خلال إنتاجها الخاص في خلطة فوزية أو إنتاج الآخرين في واحد صفر. وتضيف إلهام: في رأيي أن أهم أسباب عودة تلك الأفلام من جديد هو انتشار الفضائيات التي تهتم بعرض الفيلم المصري لكنها تريد شراء أفلام رخيصة ولذلك بدأ بعض المنتجين تقديم هذه النوعية لبيعها للفضائيات وتحقيق مكاسب كبرى. لكنها أفلام غير مؤثرة ولا تمثل أبدا السينما المصرية بل لا تحقق نجاحا عند الجمهور الذي أصبح يبحث عن سينما جيدة وليس عن أفلام تضحك عليه، ولذلك لا يمكن أن نواجه تلك السينما سوى بتقديم أفلام جيدة وهذا دورنا كفنانين ومنتجين نفهم في السينما.

ما قدمناه وأطلقوا عليه أفلام مقاولات وقتها أفضل من أفلام كثيرة الآن يقول أصحابها عنها إنها أفلام كوميدية هكذا بدأ الفنان سمير غانم أحد نجوم أفلام المقاولات في فترتي الستينات والسبعينات كلامه وأضاف: الأفلام التي شاركت في بطولتها وكانوا يهاجمونها وقتها ويطلقون عليها أفلام مقاولات أفضل بكثير من أفلام يطلق عليها البعض الآن أفلاما كوميدية، بدليل أن أفلامنا عندما يعاد عرضها للمرة المائة تتم مشاهدتها بينما هناك أفلام الآن لا يحتمل الجمهور مشاهدتها أكثر من مرة.

ويكمل سمير غانم: أنا لا أدافع عن أي أفلام ضعيفة المستوى لكن هناك أفلاما تكون بسيطة وتعتمد على حب الجمهور لنجومها مثلما كان يحدث سابقاً، هدفها تسلية الناس وإضحاكهم وهذا ليس عيبا.

أما نيرمين الفقي التي عادت للسينما بعد غياب 7 سنوات بفيلم دكتور سيليكون وهو الذي صنفه النقاد على أنه فيلم مقاولات فترفض تماما هذا التصنيف، وتقول: دكتور سيليكون فيلم خفيف وبسيط لكنه ينتقد جراحات التجميل ويكشف أخطارها، أي أنه رغم بساطته فيه فكرة وليس صحيحا أننا صورناه في أيام فقد استغرق منا وقتاً طويلاً، وللأسف هناك من حكموا عليه بأنه سينما مقاولات قبل أن يشاهدوه، ولو كنت أريد أن أقدم أفلام مقاولات لكنت قدمتها منذ سنوات وحققت بها نجومية وكسبت من ورائها الكثير لكنني رفضتها في بداياتي ولا يمكن أن أقبلها الآن.

أما الناقد الفني رؤوف توفيق فله رأي مختلف، حيث يؤكد أن عودة تلك النوعية من الأفلام مجدداً لها أكثر من سبب أهمها حالة الفوضى التي تعيشها السينما المصرية الآن على كل المستويات في الكتابة والإنتاج والإخراج، وبالتالي من الطبيعي أن تفرز تلك الفوضى أفلاما رديئة، بالإضافة إلى حالة الطمع في تحقيق مكاسب كبيرة بأقل إنتاج ممكن ولذلك ظهرت أفلام تتكلف الملاليم ويكسب أصحابها من ورائها الملايين. وأضاف: ما شجع على عودتها هو ظهور فضائيات متخصصة في الأفلام وعددها يزيد يوما بعد آخر وتحتاج إلى أن تملأ ساعات إرسالها ولن تتوقف عند الأفلام الجيدة فقط أو الضخمة لأنها تكلفها الكثير. كل هذا المناخ السينمائي أعاد أفلام المقاولات مرة أخرى وربما يكون من الصعب السيطرة عليها الآن لكن مواجهتها تكمن في إصرار السينمائيين الذين يحبون السينما ويخافون عليها على إنتاج مزيد من الأعمال الجيدة وهو ما حدث في مواجهة تلك النوعية من قبل، فهي لم تختفِ إلا بانتصار السينما الجيدة عليها لأنه في النهاية لا يوجد قانون يمنع إنتاج فيلم مقاولات.