الوفاء صفة إنسانية جميلة تحمل جملة من المعاني الرقيقة، الوفاء يعني الإخلاص ويعني الود وحفظ العهد وعندما يصبح الوفاء بين الزوجين يكون هو الدعامة القوية لاستقرار البيت وسعادة الأسرة في زمن يعتبر فيه الوفاء عملة نادرة . كما أن الوفاء يجعل كلا من الزوجين يحمل في قلبه حبا وودا ورحمة ويتحقق الوفاء في حياة الزوجين حتى بعد ممات أحدهما .
الواقع الذي نعيشه يؤكد أن الوفاء أصبح عملة نادرة في حياتنا حتى بين الزوج وزوجته، فالزوجة تكون مثلا وفية لزوجها في حالة صحته وشبابه وكثرة ماله، فإذا ما شاب شعره وكبر سنه ورق عظمه انقلبت عليه وربما تطاولت عليه وآذته وقد تصل الحال ببعضهن إلى أن تسلط عليه أبناءه وتحرضهم على عدم الوفاء له .
وهناك أيضا من الرجال من قل وفاؤهم لنسائهم، فهو وفيّ لها ما دامت تقوم على خدمته وخدمة بيته وأولاده، فإذا ابتليت بداء أو مرض أو حتى أغضبته في أمر بسيط تنكر لها وعاقبها .
في البداية يؤكد الدكتور علي السبكي أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر أن الوفاء صفة جميلة تظهر من يتحلى بها في أبهى صورة ويقول: الزوجة الوفية حلم جميل وعزيز يراود كل الرجال ويتمنى من عاش هذا الحلم ألا يصحو منه ومن وفاء الزوجة لزوجها ألا تفارقه إن إصابته ضراء في ماله أو بدنه، وأن تظل إلى جانبه تقاسمه مر الحياة كما قاسمته حلوها، وقد قيل: خير النساء المبقية على بعلها، فهي تؤثر راحة زوجها على راحة نفسها .
موقف طيب
يقول الدكتور السبكي، ومن الوفاء تخليص الزوجة زوجها من ورطة يقع فيها وتقدم أعز ما تملك لتدخل السرور إلى قلبه وتزيح عنه همه، ومن أحسن الأمثلة على ذلك زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم فقد كانت زوجة لابن خالتها العاص بن الربيع ولم تستطع أن تهاجر من مكة مع أبيها، وبقيت عند زوجها وهو مشرك، حتى وقع أسيراً في غزوة بدر، فأرسلت زينب لفدائه، وكان في الفداء قلادة كانت قد دخلت بها عليه عند الزفاف ويقال إنها كانت لأمها خديجة رضي الله عنها، لما رآها النبي، صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها ماله فافعلوا فقالوا: نعم، فأطلقوه وردوا عليها الذي لها وشرط عليه النبي أن يخلي سبيل زينب، فهاجرت إلى والدها ثم أسلم بعد ذلك زوجها ولحق بها .
إن زينب كانت تقدر زوجها على الرغم من شركه قبل أن يسلم، لأنه وقف منها موقفا طيبا حينما أغراه الناس أن يطلقها، لأنها اتبعت قول أبيها وآمنت به، ولكنه قدر قرابتها وحسن خلقها معه وطيب عشرتها له، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يثني عليه بسبب هذا الموقف، وإذا كان ابن العاص وفيا لزينب فزينت ليست بأقل منه وفاء .
ويشر الدكتور السبكي إلى أن الحياة الزوجية تتقلب ما بين العسر واليسر والصحة والمرض، والمؤمن الصادق يثبت جدارته بالحياة في كل الأحوال كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم: عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس لأحد ذلك إلا للمؤمن، وإن أصابته سراء شكر فكان خير له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له .
أما الزوجة التي تكفر العشير فتنسى لزوجها ما قدمه لها من خير ويتبخر عندها كل ما نعمت به طوال سنوات حياته معها فهذا منهي عنه وحذر منه النبي صلى الله عليه وسلم النساء: لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيرًا قط .
أما الدكتورة فايزة خاطر أستاذة العقيدة والفلسفة الإسلامية في كلية الدراسات الإسلامية في جامعة الأزهر فتؤكد أن الوفاء في حياة الزوجين لا ينتهي بعد ممات أحدهما وتقول: هناك مفهوم شائع بين الناس مفاده أن الزوجة إذا توفيت ولم يتزوج زوجها والعكس فإن هذا هو الوفاء لكن ذلك غير صحيح، ولا أصل له في الدين فقد تزوج النبي عليه الصلاة والسلام بعد وفاة خديجة رضي الله عنها وزوج الرسول صلى الله عليه وسلم ابنته الثانية أم كلثوم لعثمان رضي الله عنه بعد وفاة ابنته الأولى رقية رضي الله عنها وتزوج علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها بسبع ليال .
وتضيف: إن الوفاء يتحقق بين الزوجين عندما تكون العلاقة منذ البداية سليمة وراسخة، وعادة ما يتحقق من خلال ثلاثة عناصر هي الحب والإنسانية والإيمان الذي يجعل الحياة الزوجية مليئة بالحب والسعادة، ومن علامات وفاء الزوجة لزوجها: التضحية والصبر وعدم إفشاء سره والذكرى الحسنة بعد فراق أحد الزوجين للآخر وحفظ ممتلكاته في حالة غيابه وحسن تربية أولاده .
وأفضل مثال لوفاء الزوجة لزوجها والكلام على لسان د .فايزة خاطر ما فعلته فاطمة زوجة الخليفة الخامس عمر بن عبدالعزيز وهي بنت الخليفة وزوجة الخليفة وأخت لأربعة خلفاء . خرجت من بيت أبيها إلى بيت زوجها يوم الزفاف وهي مثقلة بأثمن ما تملكه امرأة على وجه الأرض من الحلي والمجوهرات، ولكن كان أول قرار اتخذه زوجها أن يدخل في بيت مال المسلمين كل هذه المجوهرات والحلي . . ولما توفي عمر بن عبدالعزيز وترك زوجته وأولاده بلا شيء جاءها أمين بيت مال المسلمين وقال لها: إن مجوهراتك يا سيدتي لا تزال كما هي وإني اعتبرها أمانة لك حفظتها لذلك اليوم وقد جئت استأذنك في إحضارها، فأجابت بأنها وهبتها لبيت مال المسلمين طاعة لأمير المؤمنين ثم قالت: وما كنت لأطيعه حياً وأعصاه ميتاً وهذا الموقف يؤكد وفاء الزوجة لزوجها لا يكون مقترنا بحياته بل بعد مماته أيضا .
فعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذبح شاة قال أرسلوا منها إلى أصدقاء خديجة فذكرت له يوماً فقال إن لأحب حبيبها . فقد كان صلى الله عليه وسلم وفيا لها في حياتها ووفياً لها بعد الممات ليرسم سيد الأوفياء درباً يسير عليه المؤمنون من الرجال والنساء بعد ذلك فهو لم ينس بذلها السخي وعقلها الراجح وتضحياتها المتعددة حتى إنه لم يتزوج عليها في حياتها وكان يذكرها بالخير بعد وفاتها ويصل أقاربها ويحسن إلى صديقاتها .
وتوضح الدكتورة فايزة خاطر أن الزوجة الصالحة هي التي تعين زوجها على نوائب الدهر لا أن تتخلى عنه وكفى بالسيدة خديجة رضي الله عنها مثالا رائعا في صدق معونتها للنبي صلى الله عليه وسلم بالقول والفعل والمال وبهاجر أم إسماعيل التي تحملت القسوة والوحدة والألم طاعة لأمر الله وأمر زوجها إبراهيم وبأم الدحداح التي شجعت زوجها على التصدق بالحديقة في سبيل الله، وبزينب الثقفية التي ساعدت زوجها ابن مسعود بما لها في حال إعساره .
وتشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المرأة أن تطلب الطلاق من زوجها إلا إذا كان هناك سبب قاهر يجعل الحياة متعذرة أو متعثرة ففي الحديث: أيما امرأة سألت زوجها طلاقا من غير باس فحرام عليها رائحة الجنة . وتضيف: أعرف زوجات كثيرات ضربن المثل في حب أزواجهن والتمسك بهم وهم يعانون من العقم وتغاضين عن مشاعر الأمومة بمشاعر الحب المتبادل مع أزواجهن خاصة أن عدم القدرة على الإنجاب قرار إلهي لا دخل للإنسان به .
أقسى اللحظات
الدكتور علي ليلة أستاذ علم الاجتماع في جامعة عين شمس يرى أن الوفاء خلق إنساني رفيع وراق في معناه لكنه للأسف اختفى في حياة الكثير من الأزواج والزوجات ويقول: العلاقة بين الرجل وزوجته من المفترض أن تجعل كلا منهما امتدادا للآخر في روابطه وعلاقته الاجتماعية وحياته وأي محاولة لقطع هذا الامتداد تكون عواقبه وخيمة على الأسرة كلها وفي العلاقة الزوجية هناك عواطف كثيرة تتداخل .
ويضيف: فالزوج الذي يتخلى عن زوجته المريضة ويذهب للزواج بأخرى ويهملها تماما وكأن هذه المرأة لم تكن زوجته في يوم من الأيام يتسبب في جرح عميق لمشاعرها بسبب أنانيته الشديدة والزوجة التي تتخلى عن زوجها إذا اكتشفت أنه عقيم أو مريض أو راح ماله فهذا قمة في الأنانية .
كل ذلك يتسبب في شيوع الأنانية وعدم الوفاء في الأسرة وكذلك الفردية والمصلحة ولن يكون هناك مفر في هذه الحالة من دمار الأسرة لأنها ستفقد الارتباط والتماسك بين أفرادها .
وينبه الدكتور علي ليلة إلى أن فترة المرض أو ضياع المال أو العمل تكون من أقسى لحظات الحياة لكنها لن تكون أقسى من تخلي أحد الزوجين عن الآخر لذلك ينبغي أن يعتبر الطرف الآخر أن ما يتعرض إليه شريك الحياة درسا له فقد يتعرض لهذا الابتلاء ويقول: أنا أتعجب من الزوجة التي تتنكر لزوجها أو الزوج الذي يتعنت مع أقرب إنسانة إليه وهي زوجته بعد عشرة السنين والحب وإنجاب الأبناء .
أزمة نفسية
ويرى الدكتور عادل مدني أستاذ الطب النفسي في جامعة الأزهر أن الإنسان الذي يشعر بعدم وفاء أقرب الناس إليه وهو شريك حياته لن يكون صحيحاً نفسياً، فكل واحد منا يحتاج إلى وجود أناس أوفياء يعيشون بالقرب منه ليجد أسرته مستقرة وسعيدة وحتى يتحقق ذلك لابد أن نعلم أولادنا وبناتنا أن الحياة الزوجية تحتاج إلى مزيد من الوفاء، وأنها لا تسير على وتيرة واحدة ونحذرهم من ثقافة الاستغناء عن الآخرين فهي أسوأ ما يمكن أن يكتسبه الإنسان لأنه سيكون جامدا في مشاعره حادا في قراراته وسيجعل حياة المقربين منه جحيما .
وتخلي أحد الطرفين عن الآخر في أقسى لحظات الحياة سيخلق لديه شعورا دائما بالتهديد والقلق وقد يصاب بالأرق والاكتئاب، كل ذلك يمكن أن ينقلب إلى ظهور أمراض عضوية ونفسية لدى الطرف المكلوم في مشاعر وكم من زوج أو زوجة تعرض لتجربة صادمة بسبب عدم وفاء شريك حياته وكانت نهايتها إصابته بالاكتئاب أو سكتة دماغية أو أزمة قلبية أودت بحياته .