لا يوجد في تاريخ الجنس البشري منظومة اجتماعية حمت العمران وربت الإنسان وصانت القانون بمثالية وتلقائية وفطرية منقطعة النظير مثل الأسرة كما لا يوجد نظام يتعرض للضغط والتفتيت والأذى النفسي والأخلاقي في الوقت الحالي مثل الأسرة. وإذا كان هذا الأذى قد غرس بذوره الأولى بعض مثقفي الغرب وغذاه تيار المادية والإباحية الذي تكاثرت مظاهره الاجتماعية في الشرق والغرب، وتقننه الآن بعض المنظمات الدولية.. فإن الأسرة الإنسانية لا تزال تقاوم وتحمي نفسها والمجتمع البشري، كما أن نظام الأسرة المسلمة لا يزال الحل الناجع الذي يحمي النوع الإنساني من الضياع، ويحمي الفضيلة والأخلاق من الذوبان، ويحمي الوالدين والأولاد من فقدان الذات.
الدكتورة عزة كريم أستاذة علم الاجتماع والرئيسة السابقة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية وصاحبة أكثر من ثلاثين دراسة في هذا المجال تقرر بقناعة علمية واضحة أن نظام الأسرة خاصة في إطار الإسلام، هو أعظم سند تحتاجه البشرية في الوقت الحالي، ويعالج جل مشكلات المجتمع المسلم في مظاهرها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
تقول الدكتورة عزة: الإسلام أعطى نظام الأسرة الإنساني قيما حضارية واضحة الإنسانية والتقدم والرقي، سواء في غاياتها النبيلة أو في أسس تكوينها أو في قوانينها الإنسانية الحاكمة.
فقد كرس الإسلام وظيفة الأسرة، باعتبارها في الواقع المكون الأول للمجتمع الإنساني، وقد تترادف مع مفهوم العشيرة أو القبيلة ومنحها حق إبراز القوانين الأخلاقية غير المنظورة عبر القيم والعادات والتقاليد والأعراف والاحترام المتبادل، وباعتبارها الوسط الجغرافي والنفسي الوحيد الذي يولد في ظله الأطفال، ويتربون ويتغذون الأخلاق مع الغذاء والنظام مع الحنان.. وباعتبارها هيئة دينية لها مشروعيتها الدينية، ولها خصوصيتها التلقائية في ضبط الغريزة الجنسية، وفي تقرير نسب الأولاد، وفي حماية الزوج أو الزوجة من الشيوع الجنسي أو الأنانية، أو الفراغ النفسي القاتل.. ثم هي مع هذا تدريب مبكر للإنسان على العمل والكد والكسب الاقتصادي ثم على التعاون والقيادة وممارسة الدور السياسي والقيادي في المجتمع.
ثلاثة جوانب مبهرة
ورداً على سؤال حول عطاءات الإسلام الحضارية في مجال نظام الأسرة تتوقف الدكتورة عزة أمام ثلاثة جوانب مبهرة.
الأول: توسيع دائرة الأقارب والأرحام. فالإسلام انتهج في هذا الصدد نهجا وسطا، فلم يضيق مفهوم الأسرة على الأب والأم فقط كما كانت تفعل بعض التجمعات عند اليونان والإغريق وكما تفعل الآن كثير من تيارات أوروبا والأمريكتين التي لا تعترف إلا بالأب والأم باعتبارهما من الأسرة، وكذلك لم يعتبر الإسلام كل أفراد العشيرة من الأسرة، بل اتخذ موقفاً وسطاً فحدد عناصر الأسرة في الأم والأب والزوج والزوجة وفي الأولاد والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت. كما اعتبر أم الزوجة وبنت الزوجة التي دخل بها الرجل وزوجة الأب من المحارم التي تدخل في سياج الأسرة الواقي.
ومع هذا التوسط، حمل لأعضائها مسؤوليات معنوية ومادية رائعة حيث شرع التوارث فيما بينهم، وحدد أوجه الإنفاق المادي والحنان النفسي والمساءلة القانونية والاجتماعية بكل مظاهرها في التربية والإنفاق والزواج والرعاية، وسن وحدد التكليف القانوني أمام الله والناس.
محضن الزواج وقداسته
الثاني: الزواج باعتباره وسيلة وربما غاية العمران البشري. فالزواج هو وسيلة الإسلام الوحيدة في تكوين الأسرة، وفي تفريغ الطاقات النفسية والجنسية للذكر والأنثى. الإسلام يحرم أي قضاء للشهوة الجنسية خارج نطاق الزواج الشرعي. وقد شهدت الإنسانية صنوفا متعددة للزواج، كما شهدت صنوفا لتفريغ الحاجة الجنسية كان من بينها فكرة الشيوع الجنسي حيث يتاح للكل ممارسة الجنس مع الكل، ومع الأسف أن مقدمات هذا السلوك موجودة في السلوك البشري حاليا.
الإسلام شدد على أن يكون الزواج المحضن الوحيد لقيام هذه العلاقة التي هي آية من آيات الله في الإنسان وفي كل خلقه. يقول القرآن الكريم: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء. نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم.
- كيف حصن الإسلام الزواج؟
* في سبيل تحصين الزواج وتوجيه الغريزة وجهتها الشرعية السامية، سلك الإسلام في هذا عشرات الطرق السامية أيضا، وذلك عندما قنن الزواج وقنن الطلاق وما بينهما من حقوق وواجبات، وعندما حث على الاستعفاف وغض البصر، وتيسير الحلال حتى لا يقع الإنسان في الحرام، ثم الترهيب من الحرام حتى مقدماته مثل النظرة وقد وصل الأمر في الإسلام كما في الأديان الأخرى أن قرر عقوبة تبدو أنها قاسية لمن يضع غريزته في غير إطار العلاقة الزوجية، وذلك حفاظا على هذا السياج الاجتماعي المقدس وهو سياج الأسرة.
الثالث: كون الأسرة هي الوعاء الوحيد للتكاثر الإنساني ونسب الأولاد ورعايتهم المادية والمعنوية. فالأولاد خارج الأسرة مبدأ محرم في العطاء الإسلامي ولهذا فإن نسب الأولاد للفراش فريضة، وحمايتهم نفسيا وصحيا واجتماعيا مسؤولية كبيرة. ولا يتصور في الفكر الإسلامي وجود ولد من دون أب ولا أم، أو من دون كفالة من الأقارب أو من ولي الأمر أو المجتمع الإنساني كله حين يفقد عائله.
ومعروف أن الإسلام حث على التكاثر البشري، وحث على حفظه، كما أعلى دور الأسرة في الحضانة النفسية والمادية، وحمل الأم مسؤولية الإرضاع والحنان والتربية ورسم العلاقة الصحية بين الأولاد ومن ثم المجتمع كله، وحتى لا يترك الولد أحيانا من دون أب أو أم، جعل الإسلام الزواج على التأبيد أي مدى الحياة، فلا يجوز الزواج المؤقت، كما كره الطلاق واعتبره أبغض الحلال، وقرر حقوقا إنسانية للمطلقة والحاضنة تكفل تربية الولد تربية كريمة.
تطورات سلبية
- ما أسباب التشققات والمشكلات التي تعاني منها الأسرة حالياً؟
* يلاحظ مع الأسف أن كثيرا من تطورات المجتمع الإنساني المعاصر قابلها تآكل وأذى للأسرة بالنسب نفسها.. فالتقدم الصناعي والتوسع في مجتمع المدنية وخروج المرأة للعمل، والتقدم في علوم البيولوجيا، والهجرات الداخلية والخارجية أثرت بشكل سلبي في الجماعة الأسرية الأولية.
وصاحبت هذا كتابات وصفت الأسرة أحيانا بأنها خرافة، وعابت على الأمومة، ورهبت من الطفولة وعناءاتها مثلما حدث في مقولات إنجلز وماركس وسيمون دي بوفوار وغيرها من بعض نظرات الاجتماع والنفس والسياسة.
وزاد من هذه المشكلات شيوع أفكار شديدة السوء مثل فكرة الشيوع الجنسي، وإمكانية إقامة علاقات خارج الزواج، مع الإثارات الجنسية أو عبر تحلل القيم والصراع على التجميل والهوس الجنسي في السينما والتلفزيون ووسائل الترفيه.. كل هذا وغيره ولد عددا من المخاطر الحقيقية على الجماعة الأسرية الإنسانية من أبرزها:
كراهية بعض الفتيات والشباب لفكرة الارتباط الأسري والاكتفاء بالعلاقات السائبة المحرمة.
الزهد في الإنجاب بل واعتبار البعض أن الأولاد عبء اجتماعي لا يمكن قبوله.
قبول حالات الشذوذ بين الرجال وبين الإناث.
الحديث عن المساواة المطلقة بين الذكر والأنثى، حتى المساواة العضوية التي جعلت البعض يتحدث عن زواج المثلية أو حمل الرجل.
تغييب العقل الجمعي.. وميكنة الإنسان على الشهوة والأنانية، والتحلل من المسؤولية، أيا كانت هذه المسؤولية.
وقد ضغطت هذه الأفكار بشدة بفعل العولمة القاسية وبفعل محاولات البعض استغلال المؤتمرات الدولية والمؤسسات العالمية لشيوع هذه الأفكار، كما حدث في المؤتمرات الدولية للسكان والمرأة التي عقدت في كوبنهاجن ثم نيروبي وبكين والقاهرة وغيرها.
وقد انعكست هذه الأفكار على الواقع الاجتماعي ليس في الغرب فقط بل في كثير من دول الشرق الإسلامي.
تغييب الأسرة
وتضيف الدكتورة عزة كريم: الرصد العلمي يؤكد أن كثيرا من المشكلات الاجتماعية العامة تولدت عن تغييب الأسرة وتآكل دورها في الحياة.
فالشيوع الجنسي أفقد الرجل والمرأة الحميمية النفسية بينهما، بل إن الإثارة التي تلف هذا الجو العام أفقدت الزوج والزوجة هذه المودة والرحمة حتى لو لم يقعا مباشرة في الحرام.
في إحصاءات الأمم المتحدة أن إجمالي عدد الأشخاص المصابين بالأمراض الناتجة عن الممارسات الجنسية أو المنقولة بها يناهز 600 مليون إنسان من بينهم نحو 73 مليون مريض بالسيلان و22 مليون مريض بالزهري، ونحو 97 مليونا بالعدوى ونحو 13 مليونا بالقرحة، فضلا عن نحو 33 مليون مريض بالإيدز القاتل.. وفي كل حملة طبية وإنسانية ينصح العلماء بنصيحة واحدة وهي العلاقات الجنسية الآمنة.
ومن المؤكد أن لا أمان صحي أو نفسي خارج نطاق النظام الأسري الإنساني الآمن.
وكثرة الطلاق صارت ظاهرة عالمية حتى إن دولة مثل فرنسا تعاني من نقص في عدد السكان ومثلها في هذا دول ألمانيا وسويسرا والسويد.. والأبناء اللقطاء ودور المسنين وهروب الأولاد بلغ حدا في أمريكا سماه أحد العلماء الهلاك القومي الشامل. وفي عام 2005 هرب نحو 3 ملايين طفل أمريكي دون الثانية عشرة من آبائهم وأمهاتهم.
وفي كاليفورنيا تساوت حالات الطلاق مع حالات الزواج، وبلغت نسبة الطلاق في بولندا 26% وفي روسيا 30% وفي بلجيكا 27%، وفي البرتغال 24%.
ويقدر عدد الأولاد الذين تربوا خارج نطاق الأسرة أي ما يشبه اللقطاء نحو 26 مليونا في أوروبا ونحو 38 مليونا في الأمريكتين خلال العشرين سنة الماضية.
والحق أن كل دعوات الإصلاح تؤكد على خطورة الوضع الأسري والاجتماعي الحالي وتشدد على أهمية الوقاية والحماية والتحصين.
خطوات مطلوبة
- كيف نواجه هذه المخاطر المحدقة بالأسرة؟
تقدم الدكتورة عزة ستة عطاءات إسلامية في مجال تحسين الأسرة المسلمة والمجتمع الإنساني في الوقت نفسه.. من أبرزها:
1 تأكيد الأحكام الشرعية المتعلقة بالسمات العقدية والأخلاقية للأسرة، وعدم التأثر بالضغوطات النفسية التي تواجه الأزواج أو الأولاد وعلاقتهم المعنوية والمادية والقانونية الراسخة.
2 تحرير المفاهيم المعاصرة التي يتحدث عنها الجميع منذ عقود مثل المساواة وتحرير المرأة والحرية وضبط هذه المفاهيم بالمصلحة العامة وأحكام الشريعة.
3 الاستثمار البشري الأمثل للأسرة المسلمة، وربط هذا بدعوة الإسلام إلى التكاثر وحسن التربية والتعامل والتدريب على الإبداع والقيادة.
4 فضح دعوات التنوير الزائف الذي يروج لمفاهيم قاتلة لا تصلح للغرب والشرق معا، والحديث المريب عن بعض ثوابت الإسلام مثل حرمة الجنس خارج الأسرة أو ضوابط الزواج والميراث والطلاق أو حتى الحديث المريب عن حياء الفتاة وكأن الحياء والحفاظ على العرض وصمة عار ضد التقدم!
5 فتح حالة حوار مستمر مع المنظمات الدينية والاجتماعية التي تقترب مواقفها من مواقف الإسلام للوقوف ضد القوانين المناهضة لأخلاقيات الدين وأحكامه. وقد نجحت المؤسسات الإسلامية مع الكنيسة الأرثوذكسية في منع تقنين إباحة الإجهاض منذ سنوات.
6 تكريس منهج تربوي إسلامي يقوم على حماية المولود، وتحريم الممارسات الجنسية خارج نطاق الأسرة وتفعيل دور الأمومة، وضبط مفاهيم المساواة، وبناء روح الجماعة الأسرية المتعاونة.