منذ أن ظهر الإسلام، والمؤذن يدعو المسلمين للصلاة في أوقات يحددها الفلك وتتغير من يوم إلى يوم، لذلك كان من المهم جداً معرفة هذه الأوقات بدقة. ولهذا السبب طور المسلمون، قبل التكنولوجيا الحديثة، جهازاً بالغ الدقة اسمه الأسطرلاب ليساعدهم في ذلك.
وصف الدكتور وليامز، عالم الفيزياء الفلكية الأمريكي، الأسطرلاب قائلاً: «إنه أهم جهاز حساب فلكي قبل اختراع الكمبيوترات الرقمية، وأهم جهاز رصد فلكي قبل اختراع التليسكوب».
وعلى الرغم من أن أصول الأسطرلاب مجهولة، إلاّ أن هناك رواية تقول إن ثيون السكندري (Theon of Alexandeia) كتب عنه في القرن الرابع الميلادي وإن أول مقالة إغريقية عنه تعود إلى القرن السادس عشر. وكلمة astrolab يقابلها بالعربية كلمة «أسطرلاب» وتعد تعريباً مباشراً للكلمة الإغريقية. ولكن مهما قيل عن أصل هذا الجهاز فإنه تطور تطوراً كاملاً واستخدم على نطاق واسع في علم الفلك الإسلامي، وتمثلت إحدى مهامه في وضع جداول دقيقة لمواعيد الصلاة، والاتجاه إلى الكعبة، وهي مهام يتطلب إنجازها آلة دقيقة وسهلة الاستعمال كالأسطرلاب، وظلت الأسطرلابات شائعة في العالم الإسلامي حتى القرن التاسع عشر.
كتب العلماء المسلمون مقالات متعددة في الأسطرلاب، أقدمها كتابات ماشاء الله على بن عيسى، والخوارزمي في مطلع القرن التاسع، وأقدم أداة إسلامية باقية يعود تاريخها إلى أواسط القرن العاشر، صنعها أحد تلامذة علي بن عيسى في بغداد. وبوجود المسلمين في إسبانيا منذ القرن الثامن، أخذت المعارف العربية، بما فيها تلك المتعلقة بالأسطرلاب، تنتقل إلى أوروبا، وأقدم الأسطرلابات الأوروبية الباقية تعود إلى القرن الثالث عشر.
صُنِعت أنماط عديدة من الأسطرلابات، أكثرها شيوعاً هو الأسطرلاب الكروي المسطح (planisphreic astrolab ) حيث تسقط الكرة السماوية فيه على مستوى خط الاستواء.
كانت الأسطرلابات تقدم نماذج للسماء ثنائية الأبعاد، تبين كيف تبدو من مكان معين وفي زمن معين، وكان يتم رسمها على وجه الأسطرلاب، وتكيف بحيث يسهل إيجاد المواقع فيها. بعض الأسطرلابات صغير بحجم الكف يمكن حمله، وبعضها الأخير كبير جداً قطره بضعة أمتار.
كانت الأسطرلابات بمثابة كمبيوترات فلكية وقياسية في زمانها، تحل المسائل المتعلقة بمواقع الأجرام السماوية، كالشمس والقمر، والمتعلقة بالزمن، وعملياً، كانت تعد ساعات جيب للفلكيين في العصور الذهبية، كانت باستطاعتها قياس ارتفاع الشمس، وتحديد الزمن في أثناء الليل والنهار، أو إيجاد زمن الحدث السماوي كبزوغ الشمس وغروبها، أو حساب ذروة النجم في كبد السماء، وكان ذلك ممكناً بفضل استخدام جداول مبتكرة طبعت على ظهر الأسطرلاب، تحوي معلومات عن تحولات الزمن، وتقويماً لتحويل يوم الشهر إلى موقع الشمس على دائرة البروج، ومقاييس مثلثاتية ومدرجاً ب 360 درجة.
بنيت الأسطرلابات على غرار نموذج الأرض بوصفها مركز الكون الكروي مع مراقب خيالي موضوع على ارتفاع ووقت معينين، خارج هذه الكرة وينظر إليها من الأعلى. كانت النجوم الكبرى في السماء تُمثل على الأسطرلاب الفلكي على صفيحة معدنية مثقبة موضوعة في حامل دائري أكبر يدعى «الأم»، وبما أن الصفيحة ذات النجوم مثقبة، فإن الفلكي يستطيع الرؤية من خلالها والنظر إلى الصفيحة الأخرى تحتها، والتي فيها خطوط تمثل موقعه الجغرافي، ويمكن أن يحتوي الأسطرلاب على صفائح عديدة، بحيث يستطيع الفلكي الانتقال من ارتفاع أو خط طول إلى آخر، وبعد استخدام جهاز الإبصار على ظهر الصفيحة لتحديد ارتفاع الشمس أو نجم ما، يمكن أن يدير الفلكي خريطة النجوم المثقبة على الصفيحة إلى موقعه كي يتوافق مع السماء في ذلك الوقت، ثم يمكن إجراء أنواع الحسابات كلها. وللحصول على إحداثيات أدق للأجرام السماوي الضرورية للجداول الفلكية المفصلة، لابد من استخدام الأسطرلابات مع أدوات أخرى مثل الربعيات الكبيرة والمحلقات الرصدية.
كانت الأسطرلابات تعمل بأجزاء ثابتة وأجزاء دوارة، أما «الأم» فكانت قرصاً مجوفاً يحمل خريطة النجوم المثقبة وكانت الصفائح الدوارة توضع بعضها فوق بعض، وعلى الجانب الخلفي من «الأم» جهاز الإبصار (العضادة) وجداول مثلثاتية مختلفة، وكان الأسطرلاب في هذا المقام كمبيوتراً بيانياً.
حاول الصناع المسلمون تطوير أنواع مختلفة من الأسطرلابات كالكروي والخطي، ولم ينتشر هذان النوعان على نطاق واسع.
ابتكر الفلكيون بطليطلة في القرن الحادي عشر شكلاً متقدماً جداً من الأسطرلابات عرف بالأسطرلاب الكوني، أحدث تنويراً في رسم خرائط النجوم، يعود هذا التطور الجديد المهم لكل من علي بن خلف والزرقاني. كان الأسطرلاب العالمي ابتكاراً كبيراً؛ إذ يمكن استخدامه من أي مكان، أما الأسطرلابات العادية فكانت بحاجة إلى صفائح ذات خط عرض مختلف إذا ما نقلت، أي أنها كانت تعتمد على خط العرض.
من المظاهر المهمة للأسطرلاب هو أن إسقاطه المجسم يستخدم خط الاعتدال الربيعي أو الخريفي مركزاً للإسقاط على مستوى الانقلاب الصيفي أو الشتوي.
قال الدكتور خوليو سامسو من جامعة برشلونة لبرنامج في «بي بي سي» بعنوان «تاريخ أوروبا الإسلامي»: إن المسلمين استخدموا أجهزة حساب جديدة.. صمم الأسطرلاب بحيث أجريت فيه تطبيقات مستحيلة الإنجاز في الأسطرلاب العادي.والواقع أن الأسطرلابات. وبوجه خاص الكونية، كانت تعد ذروة التكنولوجيا في العصور الذهبية. استخدمت بكثرة، وطورها الفلكيون المسلمون الذين فتنتهم السماء وأسرتهم، شق الأسطرلاب طريقه إلى أوروبا، حيث ولد علم الفلك الحديث بفضل هؤلاء العلماء المجدين.
تشوسر، مؤلف «حكايات كانتربري»، كتب أيضاً عام 1387 مقالة عن الأسطرلابات وجهها لابنه وهو في العاشرة من عمره قال: «ولدي الصغير، لويس، أخذت في الاعتبار القلق الذي ساورك، ورغبتك في مقالة تعرف منها الأسطرلابات.. لذلك أعطيتك أسطرلاباً مناسباً لأفقنا، صنع لخط عرض أكسفورد. وبهذه المقالة الصغيرة، اقترحت فيها أن تتعلم بعض النتائج والخلاصات المتعلقة بالأداة ذاتها، أقول بعض النتائج لأسباب ثلاثة: الأول أن تتأكد أنه ما من إنسان فانٍ في هذه المنطقة يعرف تماماً النتائج كلها التي اكتشفت أو التي يمكن اكتشافها في آلة رائعة كالأسطرلاب، حسب زعمي».
ألف اختراع واختراع
الأسطرلاب.. ابتكار للمسلمين سبق الكمبيوترات الرقمية
4 أكتوبر 2017 02:24 صباحًا
|
آخر تحديث:
4 أكتوبر 02:24 2017
شارك
تدين الإنسانية للحضارة الإسلامية بكثير من الاختراعات التي وضعت أسساً مبكرة للتطور العلمي وفهم الكون والظواهر العلمية والطبيعية. هذه الاختراعات تعتبر شاهداً على عصور ذهبية للمسلمين يحدونا الأمل في استعادتها. هنا نلقي الضوء على واحد من هذه الاختراعات التي يضمها كتاب صدر في نسخة عربية بالتعاون بين مبادرتي محمد بن راشد آل مكتوم العالمية و«ألف اختراع واختراع».