تحقيق: إيمان عبدالله
الرفاهية والأمن والأمان التي نجدها في كل بقعة من بقاع أرض الإمارات وليدة سياسة انتهجتها القيادة الرشيدة للوصول إلى هذه الغاية، فمنذ وصول البرتغاليين إلى منطقة الخليج العربي بدأت الأحداث الحربية تتصاعد، ومن القرن السابع عشر إلى التاسع عشر شهدت الإمارات أو ما كانت تسمى "الساحل المتصالح" مجموعة من الأحداث التي تعاقبت عليها قوى متنافسة، مثل البريطانية والبرتغالية، والأوروبية، وبرزت بالتالي الحاجة إلى امتلاك القبائل الأسلحة ليحموا الأرض والعرض والممتلكات، ومنها الفردية التقليدية أو البيضاء أو النارية، إضافة إلى أن اقتناء السلاح كان من العادات المعروفة والمتوارثة في مجتمع الإمارات منذ القدم، وكانت الرغبة في التسلح بدافع الحماية الشخصية والدفاع عن النفس ضد خطر أو عدو، وكان نوعاً من التزين والتباهي، وفي هذه السطور نتعرف إلى تراث الأسلحة .
لعبت الأسلحة بأنواعها دوراً مهماً في حياة الفرد والقبيلة، ولذا كانت تتواجد في الأسواق المحلية، وتباع في سوق السلاح، حسب اللواء عبدالرحمن محمد رفيع، مساعد القائد العام لشرطة دبي لشؤون خدمة المجتمع والخدمات، والذي أشار إلى أن الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، بدأ بتصميم الأسواق التخصصية في دبي، وبدأ بسوق السلاح، وكانت تباع فيه الذخيرة والأسلحة التقليدية كالسيوف والرماح والخناجر والسهام .
ويقول: "قبيلة "بوسلاح" كان لديهم أكثر من "دكان" لتجارته منذ الأربعينات، وفي تلك الفترة كانت القبائل تعتز بامتلاكها السلاح وحمله، كالأسلحة الفردية، ولم تفرض قيود من حيث الاستيراد في ظل الانتداب البريطاني، أما السلاح الأبيض كالسيوف والكتارات والخناجر كفانت تصنع محلياً، إضافة إلى أن هناك أفراداً كانت تصنع أنواعاً من الذخيرة، وكانت تكلفتها أقل، أما الأسلحة النارية فكانت تستورد من الخارج كالميرز، ولكن كان هناك محال في دبي تعيد تعبئة الرصاص الفارغ، لصناعة الطلقة، والبارود يعد محلياً بخلط نباتات مع مواد أخرى .
ويشير إلى أن الخنجر يرتبط بتراث الإمارات ومنطقة الخليج العربي، لأنه كان يلازم الإماراتي ويفخر بحمله، ويتكوّن من نصل يصنع من الحديد، ومقبض، وغمد مقوس يصنع من الفضة أو الذهب ويزخرف .
وعن الأسلحة الموجودة في متحف دبي، يقول: "استخدمت للحفاظ على الأمن، ولا تعود للشرطة، بل جلبت من حرب الكويت، إذ كانت شرطة دبي أول جهاز شرطة يدخل ساحة المعركة، وتلك الأسلحة كانت ملقاة هناك، جلبناها لنوثق مرحلة أن الجيش الغاشم مازال يستعمل الأسلحة القديمة .
وقال مدير مدرسة الشرطة الاتحادية العميد أحمد الهاجري، إن جزيرة العرب اشتهرت بصناعة السيوف التي كانت تزين بالذهب والفضة، ويكتب عليها آيات قرآنية، وعن التدرج في صناعة البنادق ووصولها لمنطقة الخليج، يقول: تعتبر بندقية أم فتيلة من أقدم الأنواع التي عرفتها المنطقة وهي على أشكال عدة، وتعود تسميتها المحلية إلى كون هذه النوعية من البنادق لها فتيلة مثبتة خلف زنادها تشعل بعد وضع البارود في فوهتها ،فتنطلق الرصاصة منها للهدف، ثم وصلت للمنطقة بندقية مصلبخ، وهي ذراع منحنية مثبته خلف غرفة النار وفي قمتها رأس مدبب من الصخر الصوان، ومن هنا جاءت التسمية المحلية مصلبخ، إلى أن وصلت بندقية " أم قمعة" وسميت كذلك بسبب القمع الذي يستخدم في آلية إطلاقها لإشعال مسحوق البارود، أما بندقية "الميرز" فانتشرت في منطقة الخليج إبان النفوذ الإنجليزي في المنطقة ومنها ما هو مؤرخ في عام 1902م، ويميز هذه البندقية وجود أختام ونقوش تؤثر في تسميتها محلياً، فمنها ما يحمل ختم التاج الإنجليزي، وتسمى "بأم تاج"، ومنها ما يوجد عليه ختم لتاجين على جنبي البندقية وتسمى محليا " بأم تاجين" وتعتبر الأفضل في هذا النوع من البنادق .
وعن بنادق الصيد والقنص، يقول: "الاهتمام بصيد الطيور والحيوانات أسهم في صنع أعيرة نارية صغيرة الحجم، وصنعت لأغراض القنص وكانت تسمى "السكتون" نسبة للصوت الخافت الذي تحدثه البندقية مقارنة للدوي الهائل الذي تحدثه بقية البنادق المخصصة لأغراض القنص، وهي خفيفة الوزن سهلة الاستعمال والصيانة، كما يمكن تزويدها بمنظار مكبر لزيادة الدقة في الإصابة، و"الشوزن" استخدمت لأغراض الصيد، والرماية والمسابقات، وشهدت تطورات عديدة، وهناك نموذجان أساسيان لبنادق الصيد، وهما بماسورة منفردة وأخرى مزدوجة" .
وأشار الباحث الإماراتي د . حمد صراي إلى أن الأسلحة القديمة لا يعلم أحد متى وصلت إلى المنطقة، وأين استخدمت سوى أنها استخدمت في المعارك والمناسبات، ويؤكد أن البنادق القديمة الموجودة في الإمارات تنقسم إلى قسمين بناء على طرق وأماكن وكيفية استخداماتها، وهي بنادق الأسوار، والحمل . وعنهما، يقول: تتميز بنادق الأسوار بطول مواسيرها حيث يصل طول بعضها إلى المترين، ولها مؤخرة كبيرة، ومخصصة للاستخدام من فوق أسوار القلاع والحصون والأبراج والمربعات، نظراً لطول مواسيرها، أما بنادق الحمل فهي بنادق قصيرة وخفيفة، وتحمل على الأكتاف ولا تفارق الرجل سواء كان راكباً على الإبل أو الخيل أو راجلاً .
وعن طريق الحصول على البنادق، يقول: "انتشر استعمال البنادق بكثرة في عموم منطقة الخليج العربي منذ القرن الثامن عشر وما بعده، وراجت عمليات تداول الأسلحة في المنطقة، إما تهريباً أو بيعاً أو شراء، وتضايق المحتلون البريطانيون من هذا الأمر، وكتبوا التقارير شارحة ومسجلة ومحددة هذه التجارة، ولذلك حرصوا على توقيع اتفاقية عام 1902 تحظر انتشار الأسلحة في إمارات الساحل، ووقع على الاتفاقية نيابة عن الجانب البريطاني العقيد س .أ .كاميل نائب المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي، إضافة إلى شيوخ أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين، وتلزم هذه الاتفاقية مشيخات الساحل بمنع استيراد وتصدير الأسلحة .
ومن الغريب أن المنطقة لم تكن تعرف هذه التجارة بصورة منتظمة إلا بعد ظهور البريطانيين والفرنسيين والهولنديين، وكانت البنادق أغلب الأسلحة انتشاراً ورواجاً، وفي معظمها بريطانية الصنع وكانت تهرب من الساحل الشرقي لإفريقيا، وبالذات من زنجبار إلى مسقط، حيث كانت تباع إلى رجال القبائل، ومما ساعد على رواج هذه التجارة الظروف السياسية والعسكرية التي كانت تمر بها مشيخات الساحل وعموم منطقة الخليج العربي، وكان الأهالي مغرمين بامتلاك السلاح والبنادق والرصاص إذ يراها البعض من وسائل الدفاع والرجولة والحماية .
وعن تصليح الأسلحة وصيانتها، يقول: "من أشهر مصلحي البنادق جدي جمعة بن يوسف بن صراي، رحمه الله، حيث أمضى أكثر من 80 عاماً في مهنة إصلاح البنادق المختلفة، وتعلم الجد صناعة الأسلحة وتصليحها من صقر بن رحمة ومن الشيخ أحمد بن حمد الرجباني النجدي، رحمه الله، وتفنن في هذه الحرفة، وأجاد صناعة البارود والرصاص، وكانوا يأتون إليه من مختلف الإمارات يرسلون له بنادقهم لإصلاحها وتركيبها، فمن دبي كان الشيخ سعيد بن مكتوم يرسل له بنادقه الخاصة، وكذلك الشيخ سلطان بن مقرن، إضافة إلى ذلك كان يصنع الرصاص المحلي، ويتطلب عملية صنع الرصاصة خبرة كبيرة، وتجهيز قالب من الحديد وطين منخول ومنقى من الحصى فيعجن الطين بالماء ثم يوضع الخليط في القالب الحديدي وتحفر في الطين أنواع وأشكال من الرصاصات ثم يصب في الحفر زيت مقلي ليكون مادة عازلة ثم يحمى الرصاص على النار ويصب بعد ذلك في الحفر الموجودة في القالب الحديدي .
لدى أحمد المنصوري "مؤسس متحف معبر الحضارات، عضو المجلس الوطني عدد من الأسلحة من سيوف وبارود وخناجر تتجاوز ال500 قطعة، بعضها يعود عمره إلى 3000 سنة، ويقول: "استخدمت الأسلحة في منطقة الخليج العربي، بهدف الحماية من الاستعمار، وجزء من هوية الفرد كنوع من الوجاهة، حتى أصبحت تحتل مكانة خاصة ومرموقة في الحياة التراثية والاجتماعية الفردية، وتستخدم في الأعراس والاحتفالات الشعبية .
أشار إلى أن هناك عدداً من الأسلحة والسيوف والخناجر ورؤوس الرماح تعود للعصرين الروماني واليوناني، ولم تستخدم للقتال، بل استخدمت ضمن نظام المقايضة، إذ يأخذ الفرد السلعة ويدفع مقابلها السلاح" .
زيد سعيد الشحي "تراثي في قرية التراث في الشندغة" يقول: "تلعب الأسلحة دوراً بارزاً في الحياة الاجتماعية والفنون الشعبية، كاستخدامها في حفلات الأعراس، لأن حملها كان جزءاً من العادات والتقاليد، ولا نريد أن نتخلى عن تراثنا، فالأب يعلم ابنه الصغير الرماية مستخدماً بندقية فارغة، ومن لم يتعلم حمل السلاح وطريقته لا يسمح له باقتنائه، وسابقاً كان أبناء القبائل هم أمن الدولة، ولم تكن هناك جيوش أو شرطة" .
وعن البنادق آنذاك، يقول: "طلقات البندقية كانت شبيهة بحبات البندق، ومن البنادق التي وجدت في منطقتنا "أم فتيلة" والتي دخلت على إيدي البرتغاليين، وأنواع أخرى كالصمعة والميرز وأم هليل، وللبنادق توابع منها المكيال والكيلة والعبر والقرع والقرن والتلحاق والمدك والمشحاب والمطف وملقط النار والمحزاق والمصب والفتيلة والدق والقداحة والمزينة والإبرة والمقص والقدح والقطن والقماش والكشف والكرسي والقراعة والصلبوخ والمحرك والكنة .
ويضيف لو عدنا إلى اللقى الأثرية المكتشفة في مناطق مختلفة من الدولة نجد من بينها العديد من الأسلحة الحربية التي كانت تستخدم آنذاك، كالخناجر ورؤوس الرماح والسكاكين، والتي كانت تدفن مع أصحابها، وتعود إلى العصور البرونزي واليوناني والروماني، وكل تلك الشواهد تؤكد أن انسان هذه المنطقة استخدم السلاح منذ القدم لدوافع أمنية وكنوع من الوجاهة .