اسم الشخص هو المفتاح إلى عالمه، وهو الأكثر التصاقاً به منذ اللحظة التي يفتح فيها عينيه على الحياة، وإلى اللحظة الأخيرة من حياته، بل حتى ما بعد غيابه عن مسرح الحياة أيضاً . وتتعدد الطرق التي يسمي بها الآباء أبناءهم، وذلك وفق سلسلة من التراكمات المعرفية التي يكتسبها الآباء من محيطهم، وبالتالي تختلف مواقف الأبناء من أسمائهم، سلبية كانت أو إيجابية، كذلك تختلف المواقف عما يسمى بأسماء الدلع التي يطلقها الآباء على أبنائهم في الصغر، وتبقى ملازمة لهم في الكبر . كيف يسمي الآباء أولادهم؟ وهل حقاً الاسم سفير صاحبه؟ وما أبرز السلبيات التي يعانيها البعض بسبب الاسم، سواء كان المدون في شهادة الميلاد أو الدلع؟ تساؤلات عدة نجيب عليها في هذا الملف .
المعاني الجميلة دليل وعي
اختيار الاسم صفقة عائلية
لكل طريقته في تسمية أولاده، فقد يقترح الأب اسماً معيناً، كذلك الأم والأهل، إلى أن يستقر الرأي على اسم معين، يختصرون من خلاله كل ما يريدونه، مرة واحدة، ضمن آلية تفكير ومعتقدات اجتماعية متعددة، ترمي إلى أول بصمة لتاريخ طفلهم، في عداد جملة المدركات التي يكتسبها من محيطه، والتي تتجلى بالتفاتة، أو بابتسامة واضحة، لكل من ينادي باسمه . ولكن كيف يتم اختيار الأسماء؟ وما الموازين والمقاييس التي يستند إليها الأبوان في اختيار اسم مولودهما؟
خليل عبدالله، موظف، وأب لثلاثة شباب وفتاة، يقول إنه وزوجته متفقان على تسمية أبنائهما بالأسماء التي لا لبس فيها، وهم، حسن، وأيوب، ومحمود، وسميا ابنتهما رقية، وحرصا على ألا يتدخل أحد في قرارهما، اعتباراً من أنهما مسؤولان أمام الله عن تربية أولادهما، وتعليمهم أصول الدين، وأن المفتاح إلى هذا العالم يكمن في اختيار الأسماء الصالحة .
وعلى اعتبار التناقص التدريجي في التمسك بالوسائل التقليدية فإنها مازالت قائمة بنسبة أقل، حيث يؤكد أحمد عبدالله الحسن، مهندس مدني، أنه سمى ابنه البكر باسم أبيه المرحوم، ويضيف: كلما أناديه باسمه، ينتابني ارتياح نفسي، لأنني أحس باستمرارية روح أبي، مضيفاً أن ابنه متكيف مع اسمه منذ الصغر .
كما أن للموسيقا حضورها في كل زمان، ومكان، ولغة، فلها حضورها أيضاً في عالم الأسماء، حيث يستعين بعض الآباء والأمهات بالوقع الموسيقي للأسماء على السمع، فتأتي أسماء أبنائهم متناغمة مع بعضهم، كأن تبدأ وتنتهي بحرف معين، هذا ما تؤكده شيرين محمد، ربة بيت، حيث تقول إنها وزوجها أسميا ولديهما بسامي وسهيل، والبنات بسمية وسلوى وسناء، ليكون حرف السين قاسماً مشتركاً يدخل في بداية أسمائهم، كدلالة تجمعهم في أسرة واحدة بنظرهم .
لم تركز وجيهة خالد - صاحبة محل في الشارقة - على هذا الموضوع، حيث قالت إنها وزوجها لم يكونا ليهتمان كثيراً بموضوع الأسماء، وإنما كانا يسميان أبناءهما بأسماء يختارها الأب دون تفكير مسبق منه، وهي نفسها راضية عن أسمائهم، وهم، عبدالكريم، ومازن، وعلي .
ودون فرض مقياس معين لجمال اسم أو آخر، يقوم منير فاضل، مهندس مدني، وزوجته بتسمية بناتهما من بين عشرات الأسماء التي يجمعانها، وانتقاء الأكثر جمالية ووقعاً من بينها على قلبيهما، فقد سميا ابنتهما الكبرى حنين والصغرى شغف، لما يحمله الاسمان من مدلولات حسية وجمالية حسب تعبيره .
وبعيداً عما هو قديم ومتداول، فضل جلال محمد بالاتفاق مع زوجته الأسماء المعاصرة دون التركيز على دلالات المعنى، بل اعتمدا الأسماء المختلفة عن الأسماء الدارجة والمستهلكة برأيه، وقد سميا ابنهما باسم تامر والابنتين بتول وروز .
وتقول جيهان طارق، معلمة مدرسة في الشارقة، إنها كانت متفقة تماماً مع زوجها في تسمية أولادهما، حيث إن القاسم المشترك هو طرح أسماء، ثم اختيار الأجمل منها . وتضيف: اخترت اسم ابنتي الوسطى سارة ووافقني زوجي الاختيار، مبدية استحسانها لخياره في تسمية ابنهما البكر يوسف والابنة الصغرى حنين .
سعيد مبارك عبدالله الخميري، موظف في العين، يقول: أسماني المرحوم والدي بهذا الاسم الذي أجده أقرب إلي كلما أمعنت في أسماء الناس من محيطي، وأنا فخور به جداً بوصفه دالاً على السعادة .
نورة عبدالله عبدالقادر، مواطنة من دبي، تقول: لاسمي طبيعة خاصة، لأنه اسم تراثي، وفي الوقت نفسه شعبي وكان متداولاً بكثرة إلى فترة ليست ببعيدة، ولاهتمامي بالتاريخ أبقى أحافظ على محبتي لاسمي أكثر، لمجرد اقتناعي بأنه اسم قديم بمعزل عن المعنى الذي يحمله .
محبة لله وتقرباً إليه، نجد من يسمي أبناءه بعبد الله وغيره من الأسماء الحسنى، فيأتي الاسم مركباً، يشير عبدالله ميزر، مدرس لغة عربية في الشارقة، إلى الطابع الديني الذي تتميز به أسماء عائلته، التي كان لها الدور الأكبر في تسميته مفتخراً باسمه . كذلك محمد خالد أسعد، محاسب في شركة تجارية، الذي يقول إن والدته قبل زواجها كانت تكنى ب أم محمد إلى أن أتيحت لها الفرصة لتسمي ابنها به، كذلك والده كان يريد أن يسمي ولده باسم الرسول عليه السلام، وقد تم الاتفاق على أن يأتي الاسم مركباً (محمد خالد) ومنهم من يناديه باسمه الأول أو الثاني أو مركباً .
أما عن الأسماء المكونة من حرفين، يحدثنا طه ابراهيم، موظف علاقات عامة في دبي، لافتاً إلى أنه قد يكون الاسم فقط من فئة الحرفين حكراً على الذكور، وهو متداول بنسبة معتدلة، ويضيف: أسماني والدي بهذا الاسم حباً بالكاتب والروائي الشهير طه حسين، وأتوقع أن يكون ذلك السبب في محبتي للثقافة والمطالعة .
ياسر عبد الرحمن (24 سنة) موظف في بنك ويحمل اسمين شائعين يقول: أحس بأن اسمي المعلن (عمر) أقرب إليَّ من اسمي الحكومي، الذي يشعرني برسميته ومكان العمل، ولمجرد أن أسمع أحد الاسمين أعرف أين أنا، في مكان العمل أم خارج نطاقه، وبنسبة ما فأنا متأقلم مع الاسمين، كذلك فارس، الذي يقول إنه مرتاح لاسمه المعلن أكثر من الحكومي عثمان داوود، لاعتبار اسمه المعلن يعطيه إحساساً بالراحة، ويستمر قائلاً: إذا خيّرت لاخترت فقط اسمي المعلن فارس .
عبدالحفيظ عبدالرحمن، خبير في المعاجم في دار الينابيع، يقول: قديماً لم يكن هناك أي معجم خاص بأسماء المواليد، وإن كان بعضهم ولا يزال يعتمد على معاجم اللغة المعروفة، وحالياً هناك كتب على غرار كيف تختارين اسم مولودك؟، دليلك إلى اسم طفلك؟ فيها مئات أسماء الذكور والإناث، مفهرسة بحسب أحرف الأبجدية، كما قد قامت في السنوات القليلة الماضية بعض مواقع الإنترنت بإعداد معاجم إلكترونية فيها أسماء الأطفال .
د . فاطمة السجواني، باحثة اجتماعية، ترى أن الآباء حين يختارون الأسماء لأبنائهم، فهم يعتقدون أن كل الأسماء التي يختارونها جميلة، ومقبولة وعادية، وذلك ضمن ثقافة شعبية تقليدية محدودة، دون النظر إلى الاعتراضات التي ستأتي لاحقاً، فالاسم يؤثر في علاقة الطفل بمحيطه الاجتماعي خاصة عندما يكبر ويؤثر ذلك في انتمائه إلى هذا المحيط، وفي ثقته بنفسه، وتكوين شخصيته الاجتماعية، من هنا يجب مراعاة الدقة عند اختيار أسماء أولادنا .
بدوره يؤكد د . ممدوح مختار، استشاري نفسي، أنه لابد أن يكون للآباء خط واضح في العلاقة مع أسماء أطفالهم، وذلك حتى قبل عملية الولادة، مادام أن العلم أصبح قادراً على تحديد جنس المولود، وهل هو ذكر أم أنثى، بل يمكنهما وضع الاسم في وقت مبكر دون ذلك، ما دام أنه لا يوجد غير احتمالين فقط لتحديد جنس المولود .
مسؤولية الأب
عن نظرة الدين إلى اختيار الأسماء، قال الشيخ محمد ياسر حقي، إجازة في العلوم الشرعية وكاتب: الإسلام بتشريعاته المتكاملة اعتنى بتسمية المولود ووضع من الأحكام ما يشعر بأهمية ذلك، فحقيقة الاسم للمولود التعريف به، وعنوانه، بما يميزه على وجه يليق بكرامته آدمياً مسلماً، ولهذا اتفق العلماء على وجوب التسمية للرجال والنساء، وعليه فإذا لم تكن هناك تسمية، بقي المولود مجهولاً غير معلوم، مختلطاً بغيره غير متميز . والتسمية من حق الأب، لأن المولود ينسب إلى أبيه لا إلى أمه، ويدعى بأبيه لا بأمه، لذا فهو أول فعل يقوم به الأب مع مولوده لما له من صفة التوارث والاستمرار .
يجب على الأب اختيار الاسم الحسن في اللفظ والمعنى، تنفيذًا لما أرشد إليه الرسول عليه السلام، حيث قال: (إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وبأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم) .
بعضها يؤثر نفسياً في صاحبه
وراء كل اسم حكاية
هل الاسم سفير صاحبه، وهل كل إنسان راض عن اسمه أم غير راض، ويطمح إلى تغييره؟ ثمة مواقف يحملها الناس شباباً وشابات، رجالاً ونساء حول هذا الموضوع ممن يشغلهم ذلك أو كان يشغلهم في فترات سابقة، وترك أثراً في نفسيتهم حينما وجدوا أسماء ذات معانٍ جميلة متمنين لو كان آباؤهم اختاروا لهم مثلها .
فاروق أحمد مشرف عام في شركة مقاولات بدبي يقول: إنه غير راض عن اسمه، ولدى سؤاله عن نيته في تغيير اسمه، أوضح أن السبب الوحيد الذي يجعله يتقبل اسمه هو جده العزيز جداً على قلبه، الذي اسماني بهذا الاسم، لذا فأنا لا أنوي أبداً تغييره .
سلوى محمود، طالبة ثانوية، تقول إنها متقبلة لاسمها، لكن الوسط الذي تخالطه، يسبب لها الكثير من المضايقات، حيث صديقاتها يقلن لها إن اسمها قديم، ولا أحد من جيلنا يحمل هذا الاسم، مما يسبب لها إحراجاً ويدفعها إلى الانزواء، وهي لا تتطلع أبداً إلى تغيره، لأنها لا تستطيع أن تتقبل فكرة تغيير الاسم .
خنسة مجدل 55 سنة تقول إنها غير راضية عن اسمها، وكانت تنتظر منذ صغرها أن تتزوج ويناديها الناس بأم فلان، إلى أن تزوجت حيث فرضت على الجميع أن ينادوها باسم أم عصام، وتضيف أنها بفضل إنجابها لابنها عصام تخلصت من هذا الاسم .
سفر محمد علي موظف في شركة تأمين بدبي يعبر عن استيائه من اسمه، لأن الناس لا يتقبلون اسمه كباقي الأسماء، لمعنى الاسم الغريب، فاسم سفر غير لائق، بل كان دليلاً لمزاج والدي الذي أسماني بهذا الاسم فقط لأن يناديه الناس ب أبو سفر، هذا الاسم الذي اختاره منذ أيام مراهقته، وأورثني إياه، مثله مثل أسماء أخرى من هذا القبيل: عذاب، حديد، عنتر وغيرها .
طافش الحسيني مهندس زراعي، يقول عندما أسمتني والدتي بطافش، حسب روايتها، فإن ذلك كان نذراً كما قيل لها، لتبعد عني الشر، خصوصاً ان شقيقين لي ولدا قبلي وماتا في الأشهر الأولى من عمريهما، وفكرت في طفولتي أن أغير اسمي، وكان والدي مشجعاً على ذلك، إلا أن أمي كانت تجد في ذلك ما يشكل خطراً على حياتي، لدرجة أنني اقتنعت برأيها، واعتقدت أن مجرد التفكير بذلك خطيئة . الآن كبرت وأتعامل مع اسمي مكرهاً كواقع مفروض علي، وإن كان الكثير من حولي لا ينادونني إلا بأبي باسل، اسم ولدي الأكبر .
ويروي بدور عبدالله من خورفكان أنه تم تغيير اسمه إلى الاسم الحالي بدر قبل سنوات عدة، مضيفاً أن والده لم يكن يجده غريباً في المرحلة الأولى من عمره، لكنه بعد أن كبر تغير رأيه ووجد بأن يغير اسمه إلى بدر وقد تم تغيير الاسم بموافقة الأهل جميعاً .
ديب محمد عبدالرحمن، مواطن يقيم في رأس الخيمة، يقول: لم أكن راضياً عن اسمي لأنه قديم ولا أحد من جيلي كان يسمى به وهو ما كان يسبب لي نكسات في المدرسة والشارع، وقمت بتغييره إلى اديب، بناء على طلبي واقتراح أخوتي الكبار، إلا أن والدي ووالدتي لايزالان يسمياني باسمي القديم المتعارف في المنزل .
مرهج محمد 33 سنة، يقول: حتى الآن لا أعرف معنى اسمي بالضبط، وكان هناك في بيئتي مثل هذا الاسم لكنني أريد تغييره، وسألت أحد المحامين عن كيفية القيام بذلك، فدلني على الطريقة، ولا بد من القيام بذلك .
بلبل حسين، معلم ديكور، يقول: عندما يسألني بعضهم ما اسمك، أقول لهم بلال لأنني أتعرض كثيراً بسبب اسمي للمضايقة، وهناك كثيرون يسألوني: هل صوتك حلو؟ هذا السبب أدى إلى وجود حاجز بيني والناس من حولي لأنني فور ما أتعرف إلى أحدهم، أخاف أن يسألني: ما اسمك، لذلك أتجنب توسيع دائرة معارفي، وأنا أفكر جدياً بتغيير اسمي إلا أنني انتظر من يدفعني إلى ذلك .
كاسر فرحان 25 سنة، يقول: دائماً أسأل والدي لماذا اسمك جميل ويدل على الفرح ولماذا أخذت لي اسم كاسر؟ إلا أني لا أفكر بتغييره، فحتى لو غيرته فلن أتخلص من تبعاته، لأني محاط بمجتمع لا يعرفني إلا من خلال هذا الاسم .
وعن الاسماء المرفوضة تقول فاطمة المغني مديرة مركز التنمية الاجتماعية بخورفكان: إن الكثير سمي بأسماء خاطئة جلبت مشكلات لأصحابها، وقد نهى عنها الرسول عليه السلام، كالتسمية باسم حيوان، لأن البشر مقدرون عند الله، وأيضاً تلك التي تميل بأصحابها للفشل أحياناً، لأنها تنعكس نفسياً على الشخصية حيث يتعذر أن يكون المرء منذ ولاته، إضافة إلى الأسماء المضحكة والتي يتقبلها أصحابها بطريقة فكاهية، ويتفاءل بها الناس على الرغم من أن المسمى به قد لا يكون راضياً عن اسمه، لذا فلا بد أن يتم اختيار الأسماء بعناية من قبل الوالدين .
علي إسماعيل، مسؤول قسم المواليد والوفيات في الطب الوقائي بدبي قال: يتم تغيير الأسماء بسبب معتقدات معينة، كأن يمرض الطفل، أو يتم الخلاف في الأسرة على الاسم فيوضع اسم بديل، ويتم تغيير اسم المولود المسجل منذ فترة الشهر شريطة أن يكون غير مسجل في جواز السفر، من قبلنا، أما خلاف ذلك فإنه يتم تحويل الملف إلى القضاء .
وعن الأسماء التي يتم تغييرها، رأى أن هناك حالات تكررت غير فيها الأبوان أسماء أبنائهما من غلوم الى غانم لأنه كما تم تغيير اسم شمبي غير العربي باسم سبت العربي .
ويقول أحمد منير، المحكمة الشرعية في أبوظبي قسم التوثيقات: يتم تغيير الاسم حسب مكان إصدار جواز السفر، فحامل سفر أبوظبي أو العين يراجع محكمة أبوظبي، وحامل جواز السفر الصادر من دبي يراجع محكمة دبي، كذلك بالنسبة للشارقة، وبقية الإمارات الأخرى، وحين يكون عمر طالب تغيير الاسم فوق ال 21 عاماً، فإنه يتولى شخصياً متابعة ملف تغيير اسمه، أما إن كان أقل من ذلك فيجب أن يقوم ولي أمره بهذه المهمة، أما المطلوب منه أو من ولي أمره فهو إحضار شاهدين، وخلاصة القيد، وشهادة الميلاد، وأن يمر على الإعلان عن ذلك في الجريدة مدة 30 يوماً، لمن يزيد عمره على 11 عاماً، وبعد مرور مدة شهر على نشر الإعلان دون اعتراض من أحد، يتم تغيير اسمه ويعطي طالب تغيير الاسم خطاباً بذلك، يقدمه للجهات المعنية في الجوازات وغيرها .
الألقاب تختار أصحابها
"الدلع" فرحة في الصغر وحرج عند الكبر
بعض الآباء يقومون بتصغير أسماء أولادهم تحبباً، وهو دارج إلى حد بعيد في مجتمعاتنا، إلا أن هذه الأسماء التي يتم تصغيرها كما يقال للدلع يتقبلها بعض الأبناء إلى سن مبكرة فقط ثم يبدأ بالضجر منه وإبداء ردود أفعال سلبية بعد تجاوز مرحلة الطفولة التي من شأنها أن تدفع الطفل إلى أن يحب اسمه بدافع الدلال، ومنهم من يبقى متعلقاً به لفترة عمرية معينة من مرحلة شباب، والنسبة القليلة جداً تريد الحفاظ على هذا الاسم وتنوي التخلي عنه، إلا أن اسم الدلع ولما يسببه من إحراج لبعضهم حيث العقدة في كيفية التخلص منه يبقى هاجساً يشغلهم بنسب متفاوتة .
أمينة يوسف، تقول إن أفراد الأسرة والأصدقاء كانوا يسمونها منذ الصغر باسم أمونة تصغيراً لاسمها أمينة، وكانت متأقلمة مع اسم الدلع في سن الطفولة، إلا أنها بدت تبدي استياءها من اسم أمونة بعد أن غدت شابة وتغيرت نظرتها إلى محيطها والمجتمع بعامة، إضافة للتغيرات التي طرأت على شخصيتها، وتقول إنها تريد أن تعيش مرحلة الشباب .
حسن محمد موظف في شركة مقاولات، يقول مازال والداي ينادياني باسم حسون وهو اسم الدلع الذي عرفت نفسي من خلاله منذ أن وعيت على الحياة، ألفته إلى حد ما وتكيفت معه، فأنا من جهة مسرور بهذا الاسم حيث الشعور بالمحبة والدلال والاحساس المستمر بأنني عضو في أسرتي الأولى قبل الزواج، إلا أنني اشعر بالإحراج عندما ينادياني باسم الدلع بحضور زوجتي وطفلي لأنني أصبحت رب أسرة وما عاد يليق بي أن يعاملوني كطفل أو مراهق، وأخاف أن اطالبهم بعدم مناداتي بهذا الاسم فيسيئا الظن بي .
سوسن حسين، تقول: لغاية الآن تغمرني البهجة حينما يناديني أخوتي وأبواي باسم الدلع سوسو كذلك بالنسبة للأصدقاء المقربين، ولم أفكر أبداً بأن اعارض أحدهم بهذا الشأن، وهناك من يظن أن العمر سيقف عائقاً أمام ذلك في المستقبل إلا أنني ولهذه اللحظة لم أتلمس أي شيء من ذلك حتى مرحلة الخطبة، خاصة أن خطيبي قلما يناديني باسمي الحقيقي، وهو ما يحفزني أكثر بمحبتي لاسم الدلع، وأتمنى ألا يغير نظرته هذه في المستقبل لأنه لو فعل فإنني سأتألم لذلك .
نادين أشرف، الشارقة، تحدثنا عن اسمها الدلع نونو، حيث كانت على اعتقاد في صغرها أن لها اسماً واحداً فقط وهو نونو، وتتابع عرفت اسمي الحقيقي في ما بعد، ولكني بقيت متعلقة باسم الدلع لفترة ليست ببعيدة، أما الآن فأصبحت لا احبذه والأهل والأصدقاء جميعهم فهموا حقيقة مشاعري تلك، وهم أيضاً يحاولون تدريجياً ألا ينادوني بهذا الاسم، خصوصاً بعد موقف محرج تعرضت له في سهرة عائلية كبيرة، ضحك على أثرها الأغلبية، وغادرت المجلس خجلاً من ذلك الموقف .
زهير فاضل طالب في المرحلة الثانوية بالشارقة، يقول: إن الجميع ينادونه باسم الدلع زيزو، وتجاوز هو هذه المرحلة إلى أن أصبح اسمه الدارج في محيطه مضيفاً أنه متكيف إلى درجة كبيرة مع هذا الاسم لسهولة لفظه، ولم يتبادر إلى ذهنه ولو لمرة أن يتخلى عنه حتى وإن تقدم في العمر، لأنه على قناعة بأن كل من يناديه باسم الدلع إنما يحبه وتعبيراً عن تلك المحبة يصغر اسمه لا يقلل من قيمته كما يدعي بعضهم .
لورين عبدالرحمن من الشارقة، تقول: عندما كنت طفلة كان أهلي يطلقون علي اسم لولو، وعندما كبرت وجدت أنني كبيرة على هذا الاسم، لأنني كنت أجده مرتبطاً بطفولتي، وأشعر بأن من يطلقه علي يستصغرني، إلا أنني كنت اتقبله ممن كنت أتأكد أنهم يرددونه بعفوية، كأن توقظني أمي أو والدي أو أخواني، ولكني في المقابل كنت أحس بأن بعضهم يقوله لتجريحي وهو ما كنت أتألم بسببه، وكثيراً ما طلبت من بعض الذين يريدون به الاساءة أن يكفوا عن إطلاقه علي .
وحول إطلاق الآباء أسماء الدلع على أبنائهم وانعكاسات ذلك على الشخصية يقول د . أحمد صالح رضا اختصاص علم النفس: بالنسبة لاسم الدلع، من المعروف أن اسم الطفل يعبر عن شخصيته بطريقة أو أخرى، وإنه مع نموه تنطبع شخصيته بهذا الاسم على مبدأ لكل اسم من مسماه نصيب وفي هذه المقولة جزء غيبي - الله تعالى أعلم به - وهناك جزء آخر يرتبط بعلاقة الطفل بالاسم، حيث يأخذ الصفات من اسمه تلقائياً ويصبغها في تصرفاته، وشعوره وتعامله مع الآخرين .
وهنا يبرز دورنا كآباء في أن ننتبه إلى أي كلمة أو صفة أو اسم نطلقه على أبنائنا، تتعلق بأشكالهم أو صفاتهم أو خصائصهم، وكذلك حينما يتحدثون عن الابن في غيابه أو حضوره، لأن لمثل هذه الكلمات التي يسمعها الطفل عن نفسه لها تأثير كبير فيه لاشعورياً، كما أن الأبوين أيضاً يتأثران بأي صفة يطلقانها على ابنهما، فتترسخ في نفسيهما عنه لاشعورياً وهذه نقطة مهمة لا ينتبه إليها كثيرون، سواء أكانت هذه الصفات سلبية أم ايجابية، فإنها تؤثر في سلوكهما وتعاملهما مع الآخرين .
وإذا كانت الفائدة المطلوبة من الدلع الاستمتاع باطلاق الاسم على الابن، وإدخال السرور إلى قلبه، فإنه يمكن الاستعاضة عن ذلك بالألقاب الايجابية، فبدلاً من أن تقول سامر سمور وعن صالح صلوح وعن عادل عدول، نقول عنه شجاع، باسل، بطل، شهم، وكذلك بالنسبة للابنة نقول عنها: عاقلة، مهذبة جميلة، الخ . وبذلك نحقق ما نريده من اسم الدلع، ينعكس إيجابياً على سلوك الطفل .
د . ريما الصبان اختصاصية اجتماعية: مثل هذه الاسماء محببة لدى الآباء والأبناء أيضاً في مرحلة الطفولة بما يتناسب وعمر الطفل، كذلك الطفل يجد صدى اسمه على مسمعه متناغماً ولطيفاً، إلا أن الطفل عندما يكبر ويرافقه اسمه هذا، قد يسبب له ذلك مشكلة لعدم تقبله، ومن هنا فإن التعامل مع اسم الدلع مشكلة تأخذ طابعاً مختلفاً لقصد التسمية، وأتذكر صديقة لي سماها والدها باسم عطر مفضل لديه، فاضطرت لتخفيف الاسم لصعوبته بعد أن عانت منه كثيراً، من هنا أن الأسماء تتعرض لتغريرات الظروف العامة، فما هو محرج في بيئة معينة، أو فترة زمنية محددة، غير محرج في فترة أخرى .
وبخلاف أسماء الدلع يجد البعض أنفسهم أسرى الألقاب وإضافة لاسمه الحقيقي، هناك من يسمى باسم آخر وهو اسم اللقب، وغالباً ما يكن بأبي فلان، وهناك شبه قاعدة أساسية في من يسمى باسم اللقب، كالذي يسمى بمحمد يلقب بأبي جاسم، وحسن وحسين بأبي علي، وكذلك العكس، بالإضافة إلى اسماء أخرى يختارها الأهل لطفلهم في مرحلة الطفولة حسب الذوق، والنسبة الغالبة لهذا اللقب يقوم الشخص بتلقين نفسه، وهذه التسمية دارجة بنسبة وغالباً ما يسمى الشخص اسم ابنه البكر بالاسم الذي اختير له مسبقاً .
يحدثنا حسن رمزي عن تجربته التي عاشها منذ الطفولة مع لقب أبو علي، فيقول إنه كان لايدري في البداية سر هذا اللقب الذي يردده الأهل والجيران عليه إلا في مرحلة الشباب حيث لم يكن يجد فارقاً بين اسمه الحقيقي واللقب الذي يلازمه للحظة وذلك بعد أن أطلق على اسم ابنه الأكبر علي، وبنظره أن مثل المعتقدات تحافظ على علاقة الأبناء بالآباء واكتساب الصفات منهم ومن شأنها أيضاً أن تدفع الأبناء أيضاً في الحفاظ على الأعراف السائدة في المجتمع وعدم التخلي عنها كما يفعل من يدعون التمدن، إضافة للطابع الإسلامي للتسمية والذي يشكل النواة الأولى لذلك .
عمار يوسف الملقب ب أبو أحلام يقول: إنه اختار لقبه منذ فترة المراهقة، بعد أن تزوجت فتاة أحلامه بشخص آخر وكذكرى لها احتفظ باسمها لابنته أحلام، وقد واجه بعض المعارضة من قبل زوجته إلا أنها رضخت لرغبته في النهاية . كما يؤكد أدهم سيف الدين أبو عبدو، الذي اختار هذا اللقب في سن مبكرة جداً من دون مؤثرات خارجية، قائلاً إنه يفاجئ الأهل في البداية بسر لقبه وتعلقه به، إلا أنهم اعتادوا على مناداته به، وهو عن نفسه ميال إلى التعريف باسمه اللقب أكثر من اسمه الحقيقي . من جانب آخر يقول مصطفى محسن إنه أطلق على ابنه الأكبر لقب أبو محمد كناية عن لقب أبيه الراحل ويقول: أجد فيه طيبة تذكرني بوالدي خصوصاً أنه يحمل اسمه ولقبه .