انطلاقاً منها للحفاظ على الهوية الوطنية والأماكن الأثرية داخل دبي، تسعى بلدية دبي دائماً في البحث عن الأماكن التراثية والتي يعود تاريخها لما قبل 1960 حتى يقوموا بعمل اللازم من ترميمات وتجهيزات تمكنها من الصمود في ظل التغيرات الجوية اليومية وعوامل التعرية، لتكون فيما بعد تراثاً للأجيال تحكيه الأجيال المتعاقبة، وتحتذي به دول العالم .
أردنا معرفة تلك الأماكن التي بدأت البلدية بالفعل من خلال إدارة التراث العمراني في ترميمها وإعادتها مجدداً للواجهة حتى تكون مزاراً سياحياً، والتي تشكل في مجموعها نحو 500 مكان ما بين مساجد، أسواق، منازل سكنية، أبنية إدارية، وغيرها من الأماكن التي تقع في النطاق العمراني .
في هذا الموضوع نلقي الضوء على أسواق دبي التقليدية المختلفة التي تقوم البلدية بترميمها وإعادة تأسيسها من جديد بمظهرها القديم، حيث تنتشر تلك الأسواق في أكثر من منطقة أهمها السوق الكبير ببر دبي، والسوق الكبير بديرة والذي تتواجد به العديد من الأنشطة المختلفة، ويتميزان بنقوشهما البديعة وروعة المناظر التي تفوح منها ذاكرة تاريخ دبي، ويذكرانا بالأجداد وتراثهم .
قديماً كانت الأسواق تعتبر مركزاً مهماً للنشاط الاقتصادي وساحة لعرض حاجات الناس، ومقصداً للقادمين إلى دبي من التجار للبيع والشراء، ويعتبر هذان السوقان من أكبر أسواق دبي ومعلمين بارزين من معالمها التي تفخر بهما تاريخا ونمطاً وبناءً، الأول يعرف باسم (السوق الكبير ببر دبي) حيث يقع بالمنطقة التي تحمل الاسم ذاته وشيد عام 1830 وبه ما يقارب 50 محلاً تقع على جانبي ممراته، وينتهي كلا جانبيه الشرقي والغربي ببوابة كبيرة .
أما السوق الكبير الآخر ويسمى (سوق ديرة الكبير) يقع بمنطقة ديرة وشيد عام 1850 وكان يختلف عن سوق بر دبي بأن محلاته صغيرة إلى حد ما ولا تتجاوز مساحة المحل منها الثلاثين متراً مربعاً وبه العديد من الأسواق الأخرى بداخله الذي تحمل أكثر من مسمى مثل السوق الكبير ببر دبي .
تجولنا بين تلك الأسواق ورأينا عظمة البناء والأشكال التراثية التي حاولت بلدية دبي متمثلة في إدارة التراث العمراني الحفاظ عليها من الطمس، ومراقبتها، ومعاينتها، وعمل الترميم وأعمال الصيانة لها بشكل دوري، يقول المهندس أحمد محمود أحمد رئيس قسم تنفيذ مشاريع التراث العمراني بإدارة التراث العمراني ببلدية دبي: "نحافظ على تلك الأماكن والأسواق التي تتمثل في عناصر العمارة التقليدية القديمة والتي بنيت أيضاً بالطرق التقليدية من أخشاب، تراب، حجارة، عريش، جص، وغيرها من المواد التقليدية المعروفة عندنا" .
ويضيف: "أحصيت تلك المباني والتي اقترب عددها من ال500 مبنى تتنوع من حيث الوظائف بل ومنتشرة في أكثر من مكان وتعود جميعها لما قبل ،1960 وقٌسمت تلك المناطق إلى (حي الشندغة التاريخي، السوق الكبير ببر دبي، السوق الكبير بديرة، حي الفهيدي، ومنطقة الراس -الأحمدية) .
ويضيف أن البلدية تهتم بالأسواق التقليدية بشكل أكبر خصوصاً أنها تعود لمئات السنوات، وتقوم بمشروع جديد لإحياء السوق التقليدي وإرجاع كافة المهن والأنشطة التقليدية التي كانت تٌستخدم في الماضي بتلك الأسواق، ومنها سوق البهارات، والأعشاب، الدويات و(المواعين)، القطانين، والملابس .
ويكمل موضحاً: "كل هذا يتم عن طريق توحيد كافة الأرضيات بهذه الأسواق كما ترى أمامك الآن في السوق الكبير ومن قبل بسوق ديرة الكبير، إلى جانب توحيد واجهات المحال أيضاً ولا نقصد بالتوحيد أي من خلال الأشكال العادية الحديثة بل بالشكل التراثي التقليدي الإماراتي، ونأمل من ذلك تنمية الهوية الوطنية وترسيخها وزيادة الوعي بأهمية الحفاظ على التراث وتنمية الاقتصاد الوطني عن طريق تعزيز السياحة التراثية في البلاد، بجانب إبراز الشخصية المعمارية للتراث المحلي، ومحاولة منا كبلدية دبي متمثلين في إدارة التراث العمراني بوضع المناطق التاريخية بدبي على الخريطة الثقافية العالمية" .
من ناحية أخرى يؤكد رئيس قسم تنفيذ مشاريع التراث العمراني: "نقوم في الإدارة بشكل دوري ومستمر بإصدار كتب ومنتجات عن التراث العمراني التقليدي، وتوضيح كيفية البناء وبعض التصميمات المختلفة للأبنية بمختلف أشكالها (مساجد، منازل، أسواق، وغيرها)، حتى يتسنى لمهندسي الدولة من مواطنين معرفة تراثهم العمراني القديم وكيفية البناء التقليدي في دبي ومن تلك الإصدارات التي تساعد الشباب والمهندسين المهتمين بالبناء التقليدي تجد (العمران في دبي، دليل أعمال الترميم للمباني التاريخية، عناصر العمارة التقليدية في دبي، وبعض المحاضرات التراثية)، وبجانب هذه الإصدارات الورقية والخرائط التي توضح الأماكن التراثية، هناك أقراص مدمجة عن متحف بلدية دبي، وبيت العمارة التقليدية، وأشياء أخرى كثيرة لتعليم أبنائنا والأجيال المقبلة البناء التقليدي في شكله الحديث مع الحفاظ على روح العمارة التراثية الإماراتية .
يقول عمر كوتي مدير أحد المحال بسوق ديرة الكبير: نعمل في سوق ديرة الكبيرة من أكثر من خمسين عاماً، لدينا زبائن بشكل مستمر كما ترون، والمحل مزدحم دائماً وهناك حركة شرائية على مدار ساعات الدوام .
ويقبل على السوق جنسيات عديدة من شتى دول العالم أهمها لدينا الزبائن الإيرانيين، فهم محبون للتراث والأماكن التاريخية الإماراتية ويأتي منهم أفواج كثيرة بشكل مستمر، ويواظبون على شراء أفخم الماركات العالمية والأشياء التقليدية الأخرى من بقية محال السوق، بجانب أنهم يلتقطون الصور إلى جوار الأسواق والأماكن التراثية التاريخية" .
ويكمل كوتي: "نعتبر من أقدم المحال داخل سوق ديرة الكبير، وفخورون بأننا متواجدون في هذا المكان التاريخي الذي تفوح منه رائحة التراث الإماراتي، وتأكيداً أن دبي منذ سنوات عديدة بلد اقتصادية وتجارية من الدرجة الأولى" .
وعن محافظتهم على هذه المحال من التلف يؤكد: "نعمل دائماً وبشكل مستمر على تنظيف واجهات وأرضيات المحل، بجانب الصيانة الدورية التي تقوم بها البلدية كل فترة، ومحلنا وتم منذ 9 سنوات ومازال كما ترى في حالة جيدة، خصوصاً أننا نحافظ عليه بشكل كبير محاولة منا للحفاظ على الشكل الجمالي التاريخي للسوق بأكمله والذي نعتبره سبباً في جذب الزبائن" .
أنس عبدالرحمن يقول: "نبيع في محلنا بعض المنتجات التقليدية المحلية، التي تجذب جميع السائحين وزوار السوق الكبير ببر دبي، وحركة البيع هنا وعلى تلك الأشياء تحديداً مرتفعة جداً ويقبل عليها جميع الزوار خصوصاً الروسيين والإيرانيين وبعضاً من الجنسيات الأوروبية" .
ويكمل أنس: "تقف دائماً البلدية إلى جانبنا وتساعدنا في كل شيء يخص المحل داخلياً أو خارجياً، ونحن من جانبنا نعمل جاهدين وبشكل يومي ومستمر على تنظيف الواجهات والعتبات، وكلما رأينا بوادر مشكلة هندسة نبلغ إدارة التراث فيحضرون لمتابعتها وتشخيص المشكلة والعمل على حلها فوراً" .
وينهي أنس حديثه بأنه عمل في أكثر من مكان سواء داخل دبي أو خارجها لم تأتيه الراحة والهدوء إلا داخل الأسواق التراثية الذي تأكد من خلالها أن أهل دبي وناسها اقتصاديون منذ ولادتهم .
مسعود السعدي كان منهمكاً في التجارة والحسابات بمحله الخاص داخل السوق والمعروف أنه يبيع بالجملة، فعن سر اختياره التجارة في هذا المكان يقول: "تعلمنا من آبائنا وأجدادنا حب التجارة منذ الصغر، ونحاول جاهدين إحياء حرفهم القديمة من خلال مكان مثل هذا تفوح منه رائحة التراث، وتاريخ دبي القديم، فلمن لا يعرف أن هذا المكان يتعدى مئات السنوات، ولولا وقوف بلدية دبي على ترميمه وصيانته بشكل مستمر لما وصل للشهرة التي عليها الآن، ولم يكن مقصداً مهماً للسائحين وزائري دبي والإمارات بالكامل .
ويضيف: "نبيع من خلال محلنا داخل سوق ديرة الكبير بعض البضائع المختلفة، ولا نقتصر فقط على الأدوات التاريخية، لكننا نقوم ببيع الأدوات الحديثة أيضاً من خلال محالنا، وهذا ما يسعدني لكون السوق يخلط بين الماضي والحاضر ويربط الجيل الجديد لأجيال تفوق مئات السنوات، ومن وجهة نظري أن التجارة هنا تقوم بشكل كبير على الزائرين وغيرهم من السائحين، بجانب نسبة بسيطة من مواطني ومقيمي الدولة .
وينهي السعدي بقوله: "أشعر بسعادة غامرة عند تواجدي داخل المحل خصوصاً أن لدي أعمالاً أخرى، لكنى لا أشعر بالراحة إلا في هذا المكان الذي أعتبره جزءاً من تراثي وتاريخ أجدادي القديم .
حميد خليفة: الترميم باستخدام نفس المواد
يقول المهندس حميد خليفة، رئيس فريق صيانة المباني التاريخية والأسواق التراثية: تستهدف حماية هذه المباني لأهميتها خصوصاً للسائحين الوافدين والذي يكون شاغلهم الشاغل عند وصولهم لأي دولة معرفة تاريخها وتراثها القديم لذا نركز على صيانتها وترميمها بشكل مستمر .
ويضيف خليفة: "تلك الأسواق التراثية التاريخية بها عدد كبير من المحال، يتم الكشف عليها من خلال خطة سنوية، لرصد ومعاينة شتى الجوانب فيها وما إذا كانت بحاجة إلى صيانة، ومدى محافظة البائعين عليها، ومدى التزامهم بما تفرضه الإدارة عليهم، وتتضمن خطة الصيانة الخاصة بالإدارة عدة جوانب، أهمهما الأساسات، الجدران، العتبات، إلى جانب البياض والزخارف الجصية القديمة والتي تحتاج إلى ترميم بشكل مستمر، ويرمم كل جزء على حدة إلى جانب الجذر سواء خصوصاً إذا كان في أساسيات المحل نفسه أو الجدران والتي نقوم على ترميمها بشكل جزئي وعلى مراحل .
يتم ترميم جميع المباني التراثية بنفس مواد البناء الموجودة فجميع المحال الموجودة في تلك الأسواق والتي تعود لما قبل 1960 والمبنية بالأحجار المرجانية أو الصدفية والمونة الجصية والتي يقصد بها (المونة الحديثة -أسمنت- جبس وما شابه ذلك)، وعلى سبيل المثال تجد أن أسقف تلك الأسواق مصنوعة من خشب (الشندل) ونستورده من زينجبار حتى وقتنا هذا لعدم توافره بأي مكان آخر، أما المحال المبنية بعد العام 1960 تكون أسقفها مبنية من المربعات ونستوردها من الهند .
يؤكد خليفة: أنهم في الإدارة وبمساعدة أصحاب المحال يحاولون المحافظة على هذه الأسواق من التلف، بالإضافة إلى حث البائعين على معاملة المباني معاملة خاصة والاهتمام بالشكل الخارجي وعدم التركيز فقط على عملية البيع والشراء ونسيان أهمية تلك الأسواق التاريخية والتراثية والتي تعتبر أحد مزارات السائحين .