وفقاً للجمعية البريطانية لصيانة الحدائق النباتية الدولية، فإن هناك 65065 نوعاً مختلفاً من الأشجار. إلا أنه لا يزال هناك الكثير ليكتشف في عالم النباتات كما تقول كاثرين لين، من وحدة بياف (فيزياء وعلم وظائف الأعضاء التكاملية للشجرة في البيئة المتقلبة).
ومنذ عشر سنوات، تشير الأبحاث إلى عالم يتميز بخصائص رائعة. ولذا ليس من قبيل المصادفة أن يترجم كتاب بيتر ووليبين «الغابات الألمانية» إلى 32 لغة. فقد وصف فيه كيف تتواصل الأشجار عن طريق الشم والبصر والكهرباء.
نظر البعض إلى مؤلف الكتاب على أنه شديد التعاطف مع هذه الكائنات.. ولكن في الحقيقة أثارت الفكرة دهشة العلماء. وتقول كاثرين لين: «غالباً ما ينظر إلى الغابة كعالم يسوده السلام. ولكن في الواقع، نجد أن المنافسة بين النباتات دائمة». فعندما تكون الشجرة ذات جذور عميقة، وتتلقى الضوء ويمكنها الحصول على المياه، وحماية نفسها من الكائنات الضارة فإن الأمر يتطلب تطوير مهارات التأقلم. وحتى لو لم تكن للأشجار لغة فإنها تتبادل المعلومات عبر الهواء من خلال مركبات طيارة، وعن طريق إشارات كيميائية تحت الأرض.
وتشير الدراسات إلى أن 90٪ من النباتات لها جذور متصلة بخيوط فطرية. فعن طريق هذه الشبكة، توفر النبتة للفطر جوهر غذائه على شكل سكريات تنتج عن عملية التمثيل الضوئي. وفي المقابل، يقدم الفطر لها الأملاح والمعادن والمياه. ويقول إيف داسو، مدير الأبحاث في CNRS. إن العلاقة بين خيوط الفطريات وجذور الشجرة تحدث بمساعدة نباتات أخرى وكائنات حية دقيقة. وإذا كان ثمة فطر لم يجلب ما يكفي من المعادن، فإن الشجرة تضع حداً لهذا التعايش لأن هذا النظام لا يعتمد على الغش.
ويشير جاك تاسين، الباحث في علم البيئة النباتية في CIRAD (مركز التعاون الدولي في البحوث الزراعية من أجل التنمية) إلى أنه ليس هناك أي دليل على أن الشجرة تنقل طوعاً المعلومات إلى شجرة أخرى، ولكن هذا لا يمنعها من التقاط أي مركب متطاير ينبعث من جارها مثلاً فالنباتات تستخدم الانتهازية وتستفيد من جميع المعلومات التي تتلقاها.
تمييز الألوان
طبقاً لصيغة مختص الأحياء دانييل تشاموفيتز صاحب كتاب «النباتات وحواسها»، فإن النباتات ترى، إلا أن هذا لا يعني إضفاء صفة التجسيم عليها. فالنباتات أو الأعشاب تمتلك خلايا مستقبلة للضوء موجودة في الغالب على أوراقها وهي كثيرة العدد فهناك على الأقل إحدى عشرة حاسة، في حين أننا لا نملك سوى أربع فقط. وبفضل هذه الحواس يمكن للشجرة أن تلمح شدة الضوء واتجاهها وساعات سطوع أشعة الشمس. ويمكن لبعض الأنواع، مثل الحور أو الدردار، أن يرى حتى مسافة 3 أمتار وبالألوان أيضاً، فأصباغ الأوراق تمتص اللون الأزرق، والأحمر الفاتح وتعكس الأخضر والأحمر الداكن. وهكذا، ومن خلال قياس الضوء الأحمر، يمكن للفيتوكروم (صباغ بروتيني نباتي) تقييم فترة الإضاءة اليومية وهي معلومة أساسية تسمح لشجرة ما بمعرفة هل نحن في فصل الربيع أم في فصل آخر، وهل حان الوقت بالنسبة لها كي تزهر، أو أنه الخريف وينبغي لها التحضر لمرحلة تغيير الورق.
الإحساس بالفضاء
المعروف أن الحاسة السادسة عند الإنسان هي القدرة على الشعور بالوضعية والمكان والوجهة وحركة الجسم وأجزائه (ما يسمى باستقبال الحس العميق). وهذا ما يتيح لنا إدراك وضعية جسمنا في أي لحظة في أبعاد ثلاثية. النباتات أيضاً تمكنت من تطوير هذه القدرة فالشجرة تدرك موقع جذعها وفروعها فضلاً عن أنه يمكنها تصحيح شكلها كي تنمو بشكل مستقيم على الرغم من وجود عناصر كابحة مثل الرياح أو الثلوج. ففي داخل الجذع والفروع توجد خلايا تحتوي على حبيبات نشا تنتقل على أساس الميلان وذلك وفق مبدأ ميزان الاستواء أو التسوية الذي يستخدمه النجار في حين أن ثمة خلايا أخرى تدرك أو ترى الانحناء. وكرد فعل على ذلك تصنع الشجرة الخشب الذي يسمح للألياف بالانكماش أو بالانضغاط كي تستعيد نموها بشكل عمودي. وفي هذا الصدد نجد أن الأشجار الشابة هي أكثر ميلاً نحو إدراك مفهوم (استقبال الحس العميق) من شجرة بلوط قديمة. فالواقع أن اللحاء يثخن مع مرور الوقت ويصبح أقل مرونة.
عناق الريح
الأشجار لا تمتلك نهايات عصبية ومع ذلك فهي تشعر بلمسة الحشرة، وبقطرة ماء، وحتى بالرياح. ويشير الباحث إيف داسو إلى أن النباتات لا تمتلك حاسة لمس ولكنها تدرك الشعور الحقيقي «للضغوطات الميكانيكية». هذه القدرة لديها تسمى Thigmomorphogenesis وهي تتضمن جميع ردود فعل النبات للنمو نتيجة التحفيز الميكانيكي عابر (رياح، تيار نهر، سحق، اقتلاع...). العديد من الدراسات التي أجريت على النباتات الصغيرة أثبتت هذا الأمر، والنتائج المتعلقة بالأعشاب لم تكن مختلفة جداً عن الخشب، على حد وصف كاثرين لين. «فعلى سبيل المثال، يثير أقل ضغط 2٪ من جينات نبات الأرابيدوبسيس، أما بالنسبة للحساسية، فإنها تطوي وريقاتها واحدة تلو الأخرى عند أول اتصال لها، قبل أن تتبنى النبتة كلها هذا الموقف كانسحاب دفاعي. وتعرف بعض النباتات تعديل هذا الفرط للحساسية مع الوقت، بتوفير الاستجابة المناسبة لبقائها على قيد الحياة. ففي المناطق العاصفة بشكل خاص، تتكيف الأشجار مع نموها، فتنتج المزيد من الخشب ويصبح لها جذور أكثر مقدرة على المقاومة. ولذلك فإن تدعيم شجرة بأوتاد لا يخدمها لأنه لا يمكنها قياس مقدرتها على مواجهة الرياح، وعند إزالة الدعامة تنمو بسرعة كبيرة جداً نحو الأعلى.»
شم الروائح
تنبعث من النباتات روائح ليس لمجرد متعتنا، فقد كتب دانييل تشاموفيتز: ليس هناك شك في أنها تشعر بالآخرين. وهذه المركبات العضوية المتطايرة هي إشارات كيميائية أساسية للاتصال. ونحن لا ندركها دائماً، ولكن النباتات المجاورة - وحتى تلك التي تنتمي لنفس النوع - تعرف كيف تستقبلها وتدركها. من هذه المركبات التربين، والليمونين، والاثيلين... بل وهناك الآلاف من المركبات العضوية المتطايرة من الأوراق ولكن من الجذر أيضاً كما تقول كاثرين فرنانديز، الباحثة في CNRS. وتضيف الباحثة أن هذه المركبات العضوية المتطايرة تتنقل لأنه يوجد هواء في التربة، وذلك بفضل ديدان الأرض. وفي العام 1983، أثبت الباحثون أن شجر الحور الذي يتعرض لهجوم من اليرقات ينتج المزيد من التانين، وهي مادة ذات مرارة شديدة تبعد عنها الآفات. وفي الوقت نفسه، فإنها تبعث بمركبات عضوية متطايرة تحملها الرياح، وتدركها الأشجار المثيلة التي تنتج بدورها التانين على سبيل الوقاية. الأدهى من ذلك، أن ثمة نباتات تنتج مواد تبعد الكائنات المفترسة عن ضحاياها، ولذلك، فللتخلص من اليرقات التي تغزوها، تجذب أشجار البطم والصنوبر الدبابير الصغيرة التي تضع بيضها في أجسام اليرقات. وتقول كاثرين فرنانديز إن «بقاء النباتات على قيد الحياة، وأيضاً الحشرات الملقحة، يعتمد على هذا التواصل الشمي الفائق للغاية».
أصوات الضوضاء
على أية حال، تصدر الأشجار ضوضاء، ففي الأعمدة التي تجعل المياه تصعد في الجذوع تسمع أصوات فقاعات الهواء التي يمكن تسجيلها. إلا أن هذه الضوضاء مفهومة ومدركة من الشجرة نفسها ومن جيرانها، ولا شيء يثبت ذلك. ومع ذلك.. فالحساسية التي تبديها النباتات تفتح آفاقاً في مجال الزراعة. ففي حالة الزراعة ذات المحصول الواحد نجد أنه دون مساعدة من فطريات مايكورهيزال لا يمكن للنباتات التواصل بسهولة. وثمة تجارب تجرى بهدف «تعزيز» القدرات الطبيعية، للحد من استخدام المبيدات الحشرية. وهذا هو معنى الحراجة الزراعية، الذي يجمع بين الأشجار والمحاصيل والحيوانات على نفس قطعة الأرض الزراعية. والربحية تتحدث حينها عن نفسها: فعند تلقيح شجر التنوب بالفطريات، أدى ذلك إلى زيادة إنتاج الأخشاب بنسبة 60٪ خلال الاثنتي عشرة سنة الأولى.