هناك شخصيات جريئة تقابلنا في الحياة، وتميل دائماً إلى طرح الأسئلة في اللقاءات والتجمعات، ولا تقبل آراء الآخرين بسهولة . في مقابل ذلك، هناك أشخاص يصدقون كل شيء، ما يوقعهم في مشكلات كثيرة، ورغم ذلك يستمرون في تصديقهم، ولا يتعلمون ولا يقدمون على تغيير شخصيتهم، وهؤلاء يطلق عليهم في حياتنا الناس الخام التي تعيش على البراءة الأولى .

كثيرون من الذين التقيناهم يرفضون الارتباط بتلك الفئة الخام وقلة تعاطفت معهم، ويؤكد أصحاب الشخصية أنهم حاولوا التغيير وفشلوا . ويراهم علم النفس والاجتماع ضحية ديكتاتورية الأسرة .

يرفض محمد زياد أن يكون من الشباب الخام الذي يعيش على الطفرة، بسبب المشكلات التي تحدث لهم، وتدفع الناس إلى ابتزازهم، والضحك عليهم، مشيراً إلى أن بعض معارفه يتصفون بتلك الصفة، لكنهم يشعرون بتعاسة لأنهم يصدقون أي شيء يسمعونه، وسرعان ما يكتشفون أنه كذب .

ويقول أحمد العلي، طالب في كلية القانون في جامعة الشارقة، إنه مازال يصدق أي شيء يسمعه، لكنه يحاول دائماً أن يغير من نفسه، لكنه يكتشف دائماً أنه كما هو، خصوصاً أنه مازال يتعرض للعديد من المقالب من قبل الناس، لذلك أصبح عاجزاً عن معرفة طبيعة التغيير التي ينشدها في نفسه لمواجهة كل تلك الأمور التي يشعر أمامها بالعري الشديد، وبأنه ضعيف، لأنه أحياناً يعجز عن الدفاع عن نفسه حتى بالكلمة التي يبحث عنها ولا يجدها .

ويوضح أن صفة الشاب الخام المسيطرة عليه تحرجه وتسبب له ألماً نفسياً كبيراً، خاصة أن معظم البنات التي ارتبط بهن للوصول إلى الزواج، ابتعدن عنه ورفضن الارتباط به أو بمثله، لأنه سوف يسبب لهن العديد من المشكلات بعد الزواج .

ولفت إلى أن كل زملائه يصفونه بالشاب الطيب والوديع والخجول، الذي يتصرف على فطرته وهو ما يؤلمه نفسياً، ويدفعه إلى التفكير في اتباع طريقة جديدة يواصل بها حياته .

وتشير حصة علي، مدرسة دراسات اجتماعية في منطقة عجمان التعليمية، إلى أنها قابلت العديد من الشباب والفتيات الذين يتصفون بأنهم أبرياء وعفويون في كل تصرفاتهم واكتشفت أنهم عديمو الخبرة في الحياة والتعامل، ويقتربون من التفاهة، ويواجهون العديد من المشكلات في حياتهم وبحاجة مستمرة لمساعدة الآخرين سواء في البيت أو في العمل، ما يجعلهم يقابلون بالسخرية الشديدة حتى من أقرب الناس إليهم . وتوضح أنها تعاني صديقتها التي تمتلك تلك الصفات، وحاولت أن تغيرها لكنها فشلت .

حمدي حسين عبدالوهاب يؤكد أن الشاب الخام لم يعد له وجود الآن، وأنه لم يقابل شاباً بهذه الصفة، لافتاً إلى أن الحياة تغيرت، وأصبحت المادة هي المسيطرة على كل شيء ووقف الجميع أمامها ضعفاء، فاندفعوا إلى ابتزاز بعضهم بعضاً لإيمانهم بأن من يقوم بهذا الأمر شاطر .

ويضيف أنه لو كانت فيه تلك الصفة لذهب إلى الأطباء النفسيين طلباً للعلاج، لإيمانه بأن صفة الشاب الخام أصبحت غير مرغوبة وتدفع الناس وصاحبها إلى الهروب، لأن الجميع يشعر بالحرج، خاصة الخام الذي يجد نفسه دائماً محل سخرية .

نموذج الشاب الخام أعيش معه في البيت، هذا ما يقول رائد حماد، الموظف في المنطقة الحرة بعجمان، موضحاً أن شقيقه الذي يصغره بأربع سنوات ويدرس في الجامعة، دائماً يصدق أي شيء لدرجة أنه عندما رجع إلى الأسرة في إحدى الإجازات السنوية، سأله كيف تسير الطائرة في الجو؟ فأخبره بأن لها طريقاً فوق الصحاب تعمل الدول على رصفه دائماً، فصدقه، ونقل هذا الكلام إلى أحد أصدقائه الذي سخر منه أمامنا .

وأوضح أن شقيقه ورث هذه الطبيعة من والديه، ومن البيئة، وتصديقه الدائم لكل ما يسمع من أفراد الأسرة، وزملائه في الدراسة، ما يوقعه في المشكلات، مشيراً إلى أنه يحاول كثيراً تغيير شقيقه، لكنه يرفض ويريد أن يكون مثله حسن النية، يصدق الآخرين، خاصة أنه لا يصدق أحداً .

ويقول شقيقه علي حماد إنه دائماً يرى الناس مثله لا تكذب، ما يدفعه إلى تصديقهم في كل ما يقولونه، ورغم أن ذلك يوقعه في مشكلات كبيرة، لكنه لا يتعلم، موضحاً أن صفة الشاب الخام التي يتصف بها جعلته صادقاً ووفياً، وتدفعه إلى مساعدة الآخرين حتى لو دفع في سبيل ذلك أموالاً، بجانب تأثره بالمواقف الإنسانية التي لا تجعله يبكي ظاهرياً كعامة الناس الذين يجيدون هذا الفن التمثيلي .

وتقول ريم إدريس إن لديها صديقة تتصف بصفة الفتاة الخام، ودائماً تعيش في مشكلات بسببها، وتصدق أي كلام تسمعه، وتحاول أن تغير من نفسها، لكنها تفشل، وتؤكد لهم دائماً أنها لن تتزوج من شاب خام مثلها .

وتؤكد أريج لطيف أنها خجولة، لكنها تمتلك القدرة على التعبير ومواجهة الآخرين مهما كان شأنهم لذلك تتمتع بشخصية قوية، لكنها في نفس الوقت تتعاطف مع عديد الزملاء في الدراسة الذين يوصفون بينهم بأنهم ناس خام لأنهم يصدقون أي شيء يسمعونه . وتوضح أنها رغم احترامها وتقديرها لأصحاب تلك الشخصيات، ترفض الزواج منهم لأنها بطبيعتها خجولة، وتريد أن تكون قوية في حياتها بعد الزواج، لأن مثلها الأعلى في الحياة هو والدها الذي يتمتع بشخصية قوية يحسده الناس عليها .

رويدا علي، معلمة موسيقا، مخطوبة لشاب تقول عنه صديقاتها إنه خام بسبب أنه يتعامل مع الناس بصدق شديد، واحترام يدفعه أحياناً إلى الانحناء قليلاً، موضحة أنها لم تجده طوال فترة معرفتها به يوماً حزيناً أو يحمل هماً، ودائماً تجده متفائلاً مما دفعها إلى أن ترتبط به، خاصة أن شخصيته تختلف عن الآخرين الذين حاولوا الارتباط بها .

ولفتت إلى أنها قابلت شخصيات عديدة في حياتها منهم نساء ورجال معظمهم خام لكن كانت شخصياتهم جميلة ومهذبين في تعاملهم ربما تلك الصفات هي التي دفعتها إلى أن توافق على خطيبها القريب من تلك الشخصية، لكنها سوف تسعى لتغييره .

بداية تقول د . فاطمة سالم، الأستاذة في علم النفس، إن التقنيات الحديثة وما أحدثته من تغيير في البيئة خلقت أبعاداً جديدة وفرصاً كثيرة لنمو شخصية الشباب، وجعلتهم بعيدين عن الشخصية الخام أو التي يعيش صاحبها على الفطرة والبراءة والتي عُرفت قديماً وفي نفس الوقت هذه البيئة خلقت فرصاً لضياع جوانب عديدة من شخصية الشباب وتشتيتهم، ما جعلهم لا يعون الحياة الاجتماعية التي تتميز بقدرتها على تنمية الشخصية اجتماعياً، وإعطاء أبعاد في التعامل مع الآخرين، واحترام رأيهم والتصرف بطريقة تحفظ الحقوق الشخصية في جو اجتماعي عادي، وتحولوا إلى ما يشبه التفاهة .

وأوضحت أن هذه المعطيات مع الحياة الحالية التي تتميز بالانفرادية، أوجدت نوعيات من الشباب لديها طاقات كامنة قابلة للاستثمار والتفعيل في المجتمع، مشيرة إلى أن تنمية شخصية الشباب تتطلب الاعتماد على جهود مركزة لتنميتها والاعتماد على تجارب الآخرين، وعلم النفس والاجتماع والدين في صقل تلك الشخصية، على أن يكون هناك دور للأسرة التي تقوم بوضع الأسس، وتحدد نقطة تعتمد على تحبيب الشباب في العلم والسعي إليه، بهدف دفعهم إلى المشاركة في التطوير المجتمعي .

ويقول إبراهيم عبيد، المتخصص في علم الاجتماع، إن الأسلوب الحديث الذي تتبعه الأسرة في تربية الأبناء، من استخدام التقنية الحديثة، والاطلاع على كل ما هو جديد وما توصل إليه العلم للاستفادة من الحياة العامة والأسرية قضى على ما يعرف بالشاب الخام . ويطالب الأسرة باتباع أسلوب الرقابة والتوجيه مع الأبناء، والسماح لهم بالاطلاع على كل شيء وإعطائهم الحق في الحوار والمناقشة، لأن الأسرة التي تتبع أسلوب المنع والرقابة تدفع الأبناء إلى فعل ما يريدون، وتجعلهم متأخرين في حياتهم .

وخلاف كل ذلك، يؤكد د . حسين العثمان، أستاذ ورئيس قسم علم الاجتماع في جامعة الشارقة، وجود الشخصية الخام في كل زمان ومكان، مهما كانت المتغيرات الحياتية التي نشاهدها يومياً، لأنها شخصية لا تتأثر بهذه المتغيرات ولا بنظرة الآخرين، ولا النظرة النفسية والاجتماعية وتكره الانجذاب وتبقى في قالبها منذ ولادتها حتى الموت . ويوضح أن تلك الشخصية تصاب دائماً بالإحباط والتوتر، لأنها متحفظة جداً وكتومة بطريقة زائدة، ولا تحب طرح الأسئلة في اللقاءات، وتفضل الاختباء في الزوايا وسط المجموعة وتستقل في مشاعرها، وهو ما يؤدي في النهاية إلى انهيار صاحبها .