يعلم الناس ما هو كثير من كلمات في المواقيت في الوقت الحاضر، يبدأ بالثانية والدقيقة والساعة وينتهي بالسنة، إلا أن كلمة الزمن والزمان (اسم لقليل الوقت وكثيره وجمعه أزمان وأزمنة وأزمن وعامله مزامنة من الزمن)، كما في معجم «مختار الصحاح».
ومن اللافت للنظر أن كلمة الزمن أو الزمان لم ترد في القرآن الكريم. لكن مفردات الزمن من يوم وشهر وسنة، ذكرها القرآن الكريم، مع شيء من التكرار في بعضها. كما هي الحال بالنسبة لكلمة الكون فهي الأخرى غير واردة في القرآن الكريم، لكن مرادفتها مثل السماء والسماوات مذكورة في أكثر من سورة وأكثر من آية بشكل يفسر الدقة والحساب والمحتوى، فضلاً عن ذكرها بشكل متلازم مثل «السماوات والأرض» و«الشمس والقمر» و«الليل والنهار» و«الشمس والقمر والنجوم» وهكذا نجد الدقة المتناهية المنسقة.
نتحدث هنا عن المواقيت بالعبارات التي أمر بها الله، فرضا ونافلة في كتابه العزيز، وإن اتباع هذه المواقيت، بعد اتساع عالم المسلمين لم يخل من مشاكل في وحدة التطبيق بين بلدان المسلمين على نحو عام. أما الأسباب فموضوعية ولا تدعو إلى القلق في الواقع في كثير من الأحيان، غير أن تعرف المسلمين على أسباب «الاختلاف والتباين» لا يخلو هو الآخر من فائدة أو ليس فيه ضرر على الأقل، ولقد ارتأينا التوارد مع آيات الذكر الحكيم كلما تدعو الحاجة والفائدة معا، من هنا وجب الشروع بقراءة قوله تعالى في سورة التوبة (36):
(1) «إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم».
أما الأشهر الحرم فهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم على التوالي ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. وأما حسم عدد الأشهر وأسمائها فقد بدأ وما زال مع خلق السموات والأرض وتحديداً «يوم خلق السموات والأرض» سواء على المجاز لأهمية العدد والأسماء أم على الحقيقة في اللوح المحفوظ أو بهما معا كما نرى. أما مدلول (يوم) في الجملة فقد يأخذ مفهوما غير مفهوم اليوم في الوقت الحاضر، لأن البدء في خلق السموات يفترض حالة كونية معينة هي موضع نقاش ونظريات كثيرة في الفيزياء الفلكية. ولما كان اليوم هنا يعد أيضا كناية عن الزمن، فإن من المفيد أن نشير إلى ما قاله ستيفن هوكنج في كتابه «موجز في تاريخ الزمن».
أما الأشهر التي وثقتها الآية الكريمة (1) فإنها ترتبط بالقمر، وأشهر القمر عديدة الأنواع وقد قال الله تعالى في سورة البقرة (189):
(2): «يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج» وفي سورة يس (39):
(3): «والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم» ومن مضمون عدد الأشهر في الآية (1) والأهلة في الآية (2) والمنازل في الآية (3) فإن علم الفلك يقدم معطيات لتفسيرها مثل:
1- حركات القمر المدارية والمحورية: يدور القمر حول الأرض على شكل قطع ناقص، ويكون هذا المدار غير منتظم بسبب تأثيرات الجاذبية الواقعة عليه من الشمس والأرض وبعض الكواكب السيارة القريبة، إذ يكون القمر في مداره عند أقرب نقطة من الأرض (الحضيض) على بعد 355200 كم، وبعد أسبوعين تقريباً من حركته على بعد 404800 كم (الأوج)، إن مستوى مدار القمر يميل عن مستوى مدار الأرض بزاوية تتغير من 4.9 درجات إلى 5.3 درجات، بسبب التأثير الجذبي للشمس والأرض في حركة القمر، لذلك يتقاطع المداران في نقطتين تسميان بالعقدتين الصاعدة والنازلة استنادا إلى حركة القمر شمالاً أو جنوباً نسبة إلى مدار الأرض. لذلك يكون القمر مرتفعاً تارة ومنخفضا تارة أخرى في كبد السماء.
* أشهر القمر حسب نوعية دورانه حول الأرض: خمسة، يمكن إجمالها باليوم والساعة والدقيقة والثانية كما يأتي:
الشهر القمري (الاقتراني): يحدد الشهر القمري بالمدة التي يستغرقها القمر في دورته الكاملة حول الأرض نسبة إلى الشمس، وتقاس هذه المدة من محاق إلى آخر، وتكون غير ثابتة بسبب طبيعة مداري القمر والأرض، أي أن المدة بين محاقين متتاليين تختلف من شهر إلى آخر، إذ تتراوح بين 29,2 - 29,8 يوماً تقريباً، وقد تصل الفروق إلى يومين أحياناً إزاء تحديد بداية الشهر القمري من حيث إن معدل مدة الشهر القمري: 29 يوماً و12 ساعة و44 دقيقة و2.9 ثانية، ولتجنب الكسور في الأيام القمرية اصطلح على عد الأشهر القمرية (الهجرية) 29 يوماً أو 30 يوماً.
* الشهر النجمي: يحدد بالمدة التي يستغرقها القمر في دورته الكاملة حول الأرض نسبة إلى نجم ثابت ومدته 27 يوماً و7 ساعات و43 دقيقة و11.5 ثانية، إذ في هذه المدة نفسها يكون القمر قد أكمل دورة كاملة حول محوره ولهذا السبب نلاحظ وجهاً واحداً من القمر أثناء دوراته الشهرية.
* الشهر العقدي (التنيني): يحدد بالمدة التي يستغرقها القمر في دورته حول الأرض بالنسبة إلى العقدتين الصاعدة والنازلة ومدته 27 يوماً و5 ساعات و5 دقائق و34 ثانية.
* الشهر المداري: يحدد بالمدة التي يستغرقها في دورته حول الأرض نسبة إلى الاعتدال الربيعي، ومدته: 27 يوماً و7ساعات و34 دقيقة و4.74 ثانية،أقل من الشهر النجمي للقمر ب 6.86 ثانية.
* الشهر الحضيضي: يحدد بالمدة الزمنية اللازمة ليعمل القمر دورة كاملة حول الأرض ابتداء «من أقرب نقطة للأرض والرجوع إلى النقطة نفسها، ومدته 27 يوماً» و13 ساعة و18 دقيقة و33 ثانية.
أ- تقدم المعطيات الفلكية أرقاماً مفيدة جداً، وهي انعكاس تطبيقي لقوانين اللغة (المفتاحية) في كثير من آيات الله البينات. ففي قوله تعالى في سورة يس (12):
(4): «وكل شيء أحصيناه في إمام مبين» تماماً كما في قوله تعالى في سورة النبأ (29): «وكل شيء أحصيناه كتابا» من حيث المعنى والمدلول معا، وكذلك قوله تعالى في سورة الجن (28): «وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عدداً»، ثم قوله تعالى في سورة الإسراء (12) «وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرةً» وهنا سنبحث تتمتها
(5): «لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب» مع أننا قد نتوسل بقوله تعالى بالتتمة الأخيرة للآية (المعجزة) نفسها.
(6): «وكل شيء فصلناه تفصيلاً»، وفي قوله تعالى: «هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورًا وقدره منازل» وتتمتها الآية الكريمة.
(7): «لتعلموا عدد السنين والحساب»!.. «الشمس والقمر بحسبان» الرحمن (5).
*مدير جامعة الشارقة - رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك