وردت في القرآن الكريم أسماء عدد من الأمكنة شهدت أحداثاً عظيمة، بعضها يتعلق بالأنبياء والرسل، وبعضها يتعلق بمواقف تعرض لها المؤمنون الصالحون، وأماكن أخرى شهدت معارك بين الإيمان والكفر غيرت وجه التاريخ . . وما زالت بعض هذه الأمكنة حتى الآن شاخصة شاهدة على ما كان، في هذه الحلقات نستعرض أبرز تلك الأماكن وما شهدته من أحداث ومعجزات .
مكان اليوم لا يتحدد بأرض أو موضع أو تضاريس مما يعرفه الإنسان ولا بجهات وخطوط عرض وطول . . مكان اليوم هو المآل الأخير للبشر بعد عناء طويل في الأرض، هو غيبيات ذكرها القرآن وتحدث عنها الصحابة والتابعون والمفسرون وعلماء الدين، هو الأعراف الذي قيل عنه الكثير لكن يظل سراً من أسرار الغيب، قد يكون جبلاً وقد يكون خطاً أو منطقة فاصلة بين الجنة والنار، وقد يكون مكاناً مرتفعاً يقف عليه ناس بعينهم حددهم المولى عز وجل وخصصهم لهذا المشهد العظيم، لكن كيف سيكون حالهم؟! ومن هم؟ وأين سيكون مكانهم؟ وماذا فعلوا في الدنيا ليخصهم الله بهذا الموقف؟ وهل هم من أصحاب الجنة أم من أصحاب النار؟
جهاد . . وعقوق
"وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون" (سورة الأعراف الآية 46) .
إذا حاولنا تخيل المشهد أو التفكير فيه لشطح بنا الخيال إلى أشياء غريبة قد تكون مفزعة ومحزنة وقد تكون مطمئنة مفرحة، وحتى لا تتملكنا الحيرة نتعرف معاً إلى ما قاله المفسرون، فقد أفاض الطبري في تفسيره لهذه الآية فقال: "سئل ابن عباس رضي الله عنه عن أصحاب الأعراف من هم؟ وما الأعراف؟ فقال: أما الأعراف فهو جبل بين الجنة والنار، وإنما سمي الأعراف لأنه مشرف على الجنة والنار، وعليه أشجار وثمار وأنهار وعيون، وأما الرجال الذين يكونون عليه، فهم رجال خرجوا إلى الجهاد بغير رضا أبائهم، وأمهاتهم فقتلوا في الجهاد فمنعهم القتل في سبيل الله عن دخول النار، ومنعهم عقوق الوالدين عن دخول الجنة، فهم على الأعراف حتى يقضي الله فيهم أمره"، وروى ابن جرير عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال: "هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة وخلفت بهم حسناتهم عن النار قال: فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم"، وذكر الله سبحانه وتعالى أن بين الجنة والنار حجاباً، وهو الحاجز المانع من وصول أهل النار إلى الجنة، قال ابن جرير وهو السور الذي قال الله تعالى: " . . فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب" (سورة الحديد: الآية 13)، وهو الأعراف الذي قال الله تعالى فيه "وعلى الأعراف رجال" .
نهر الحياة
لا خلاف في أقوال المفسرين بأن الأعراف هو مكان بين الجنة والنار، فذكر المفسرون في تفسير هذه الآية مجموعة أقوال وأحاديث نبوية لم تخرج عما نتحدث عنه، نذكر منها قول ابن كثير من أن الأعراف هو حجاب بين الجنة والنار، والأعراف: جمع عرف، وكل مرتفع من الأرض عند العرب يسمى عرفاً، وإنما قيل لعرف الديك عرفاً لارتفاعه، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "الأعراف: تل بين الجنة والنار حبس عليه أهل الذنوب"، وقال السدي: "إنما سمي الأعراف أعرافاً لأن أصحابه يعرفون الناس"، واختلفت عبارات المفسرين في معرفة من هم أصحاب الأعراف؟ وكلها قريبة ومنها أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وروى ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري وابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف قال: "هم ناس قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم فمنعهم من دخول الجنة معصية آبائهم ومنعهم من النار قتلهم في سبيل الله" .
كل ما قيل عن الأعراف لم يذهب كثيراً عما أجمع عليه المفسرون، حيث الكل يتفق على شيء واحد وهو أنهم ناس سيدخلون الجنة برحمة ربهم، فقد ذكر ابن كثير في تفسيره لهذه الآية عن ابن عباس قال: الأعراف هو السور الذي بين الجنة والنار وأصحاب الأعراف بذلك المكان حتى إذا بدأ الله أن يعافيهم انطلق بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة، حافتاه قصب الذهب، مكلل باللؤلؤ وترابه المسك، فألقوا فيه حتى تصلح ألوانهم وتبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، حتى إذا صلحت ألوانهم أتى بهم الرحمن تبارك وتعالى فقال: "تمنوا ما شئتم" فيتمنون حتى إذا انقطعت أمنياتهم قال لهم: "لكم الذي تمنيتم ومثله سبعون ضعفاً"، فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها ويسمون "مساكين أهل الجنة"، وقال الشعبي: أرسل إلي عبد الحميد بن عبد الرحمن، وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذكوان مولى قريش، وإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكراً ليس كما ذكرا، فقلت لهما: إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة، فقالا: هات! فقلت: إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف فقال: هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار، وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا "سلام عليكم"، وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم نظروا أهل النار قالوا: "ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين"، فبينما هم كذلك اطلع إليهم ربك تبارك وتعالى فقال: "اذهبوا وادخلوا الجنة، فإني قد غفرت لكم" .