الأغنية الشعبية تجنح إلى الابتذال

ارتبطت بالأفلام الهابطة في السنوات الأخيرة
01:43 صباحا
قراءة 6 دقائق
القاهرة - المعتصم بالله حمدي:

تعيش الأغنية الشعبية المصرية في حالة من التدهور، فهي متهمة من قبل الجمهور والنقاد بدعم الإسفاف والابتذال، ووجودها في الأفلام السينمائية الهابطة يعد أمراً طبيعياً، لأن حالة التدني في الفن فرضت نفسها على الساحة مؤخراً، وهناك من يطلق على نفسه "فنان"، وهو لا يمتلك أدنى موهبة . من خلال التحقيق التالي نستعرض آراء بعض المتخصصين حول الأغنية الشعبية حالياً، وكيفية مواجهة هبوط مستوى كلماتها وألحانها بشكل ملحوظ، ما أدى إلى إفسادها للذوق العام .
الملحن "حسن أش أش" يرى أن معظم الأغاني الشعبية الموجودة على الساحة الآن دخيلة على الغناء الشعبي، وأن مواصفات الأغنية الشعبية تحمل كلمات جيدة، ولحناً مناسباً لها من دون إسفاف .
ويضيف: "نحن كجمعية مؤلفين وملحنين، طلبنا من الرقابة على المصنفات الفنية ضرورة استشارة لجنة من كبار المؤلفين والملحنين في الأغنيات التي تطلب تصاريح لنتخلص من الهابط منها، ولا بد من عمل قانون يحاسب كل من يفسد الذوق العام بمثل هذه الأغاني" .
ويطالب "أش أش" نقابة المهن الموسيقية بضرورة التأني في ضم أعضاء جدد لها، مؤكداً أن هناك العديد من الأصوات التي لا تصلح للغناء ونجدها مقيدة بالنقابة، ولا نعلم كيف نال أصحاب العضوية، ولا بد من الانتقاء الجيد للأصوات ومراقبتها، للتخلص من الغناء المبتذل، ولا بد من قيود تضعها الرقابة على المصنفات الفنية لطرد السيئ والحفاظ على الجيد من الفن .
وأشار "أش أش" إلى ضرورة الارتقاء بالأغنية الشعبية، وعدم الجري خلف التجارة، مؤكداً أن سبب هبوط الأغنية الشعبية هو الفضائيات الخاصة التجارية التي لا يهمها غير المكسب السريع، غير مهتمة بتدني الذوق العام للأغنية وأصحابها الذين لا يعرفون ما هي الأغنية الشعبية وعليهم سماع أغنيات محمد رشدي، ومحمد العزبي، وشفيق جلال، وغيرهم ممن تربعوا على عرش هذه الأغنية الجميلة .
الملحن محمد عبد المنعم، الذي قدم العديد من الأغاني الشعبية، كما قدم عدداً من أغاني المهرجانات في الأفلام السينمائية الأخيرة، أكد أن هذه الأغاني حالة فنية منفردة لا تندرج تحت مسمى الطرب، لكنها سيطرت على الشارع المصري بشكل واضح، خصوصاً بين جيل الشباب والأطفال، ولم تقتصر فقط على الفئة الشعبية التي خرجت منها، ولن يستمر هذا اللون إلا إذا تم تطوير شكله الغنائي، حتى لا يشعر الناس بالملل من أغنيات على إيقاع واحد، وستنتهي .
ويرى الموسيقار محمد ضياء أن هذه الأغاني ستؤثر بشكل سلبي في الذوق العام، لما فيها من معان غريبة، فهي مجرد لحن واحد ويقدمها أشخاص لا يمتلكون موهبة غنائية، فأي فرد عادي يمكن أن يقدم هذا الشكل الغنائي الهابط، وهم يحاولون تقديم نوعية الأغاني القديمة، والحديثة، والكلاسيكية، بأسلوبهم في الحفلات والأفراح الشعبية، وذلك لإرضاء الجمهور بجميع انتماءاته واختلافاته في سماع الأغاني، وهذا الأمر مرفوض، ويمثل حالة من الفوضى الغنائية .
أما الفنان الكوميدي سمير غانم، فيرى أن هذه الموجة تعد انحداراً غنائياً ولن تستمر طويلاً، فهي لا تعد فناً من الأساس، وتعتمد على الأجهزة الصوتية والتكنولوجيا فقط، لأنها عبارة عن إيقاعات تغنى عليها، ولا توجد أي جملة لحنية فيها ولا تعبر عن أي شيء خاص بالموسيقى، فضلا عن أن أجهزة الكمبيوتر والتكنولوجيا يمكن أن تجعل "بائع البطاطا" مطرباً كبيراً .
وأضاف: "السبب الذي ساعد على انتشار هذه النوعية، هو أنها لا تحتاج إلى تكلفة مادية، كما أنها لا تحتاج إلى استوديو خاص لتسجيلها، وهذه الظاهرة بدأت من خلال الأفلام التي يظهر فيها "البلطجي" و"الراقصة" و"تاجر المخدرات" في موضوعات سينمائية لا معنى لها وتفتقد لأبجديات الفيلم السينمائي" .
الشاعر الغنائي ملاك عادل الذي كتب عدداً من الأغاني الشعبية، ومنها أغنية "حط إيده ياه" التي أثارت جدلاً لاحتوائها على إيحاءات، وغنتها بوسي، ومحمود الليثي في فيلم "عبده موتة" قال: "كلمة حط إيده ياه" عبارة قديمة ودارجة في الغناء الشعبي المصري، وليست من اختراعي، فهي "أفيه" مصري قديم، وكتبت عليها الأغنية، ومن وجهة نظري أن بوسي لم تغنها بأسلوب مبتذل أو مستفز بل غنتها بشكل خفيف وبسيط، ثم إن الشاعر غير مسؤول عن طريقة أداء المطرب للأغنية، فهو يكتب الكلام بمفهوم معين، وقد يحول المطرب والملحن هذا المفهوم إلى إيحاءات أخرى" .
وعن انتشار نوعية الأغاني التي تحتوي على ألفاظ خارجة قال: في ظل غياب الرقابة أصبح كل من يريد تحقيق الشهرة يغني كلمات يعدها بعضهم خارجة، ولكنها ليست كذلك، لأننا نسمعها في الشارع بين الشباب الآن، أما بخصوص انتشار أغاني المهرجانات في الأفلام، فأرى أنها موضة ستنتهي قريباً ولن تستمر على الرغم من نجاحها .
منظم الحفلات وليد منصور، أوضح أن هذا الشكل الموسيقي حقق نجاحاً ملحوظاً، لأنه لون غنائي جديد، وهذه الأغاني أصبحت مطلوبة، وفقرة أساسية موجودة، ولا تقل أهمية عن فقرات المطربين الكبار، كما أن هناك عدداً كبيراً من الدول العربية والأوروبية أصبحت تطلب هؤلاء المطربين بالاسم، وهذا دليل على نجاح هذا اللون الغنائي .
الموسيقار حلمي بكر أكد أن الجمهور يتحمل جزءاً كبيراً من مسؤولية انتشار هذه الأغاني، فكيف يسمح أب لنفسه بأن تستمع أسرته لهذه الأغاني التي تحوي ألفاظاً وإيحاءات جنسية تخدش الحياء؟ المشكلة تكمن في اعتماد المنتجين على هؤلاء المؤدين لقلة أجورهم، وارتفاع أسعار المطربين المعروفين، وأن هذه الأغاني الهابطة التي تقدم في الأفلام تهدف للربح المادي فقط، ولا يمكن أن تسمى أغاني شعبية، ويمكن تسميتها "أغاني بيئة" لمجموعة من أشخاص ليس لديهم أي موهبة ومثل هذه الأغاني تمثل خطراً على الإبداع، لأنها تربي أجيالاً على كلام فارغ، والرقابة يقع عليها دور كبير فيما يحدث، فلا بد أن تتابع العمل الفني جيداً، وتستمع إلى الأغاني التي يتضمنها الفيلم من خلال الورق قبل نزولها للجمهور بمشاركة نقابة المهن الموسيقية .
أما الدكتور أحمد يسري أستاذ الأدب الشعبي، فأشار إلى أن الأغنية الشعبية لها أصول وقواعد، ومواصفات خاصة، وتؤدى في إطار من العادات الاجتماعية، وهي تظل أداة مقاومة ليس، بالمفهوم المباشر للكلمة، بل تقاوم كل تشقق في واقعنا الحزين، وتحيا طوال قرون، وترددها الأجيال المتتابعة، أما مثل هذه الأغاني العشوائية الحالية فلا يمكن إدراجها تحت وصف الغناء الشعبي مطلقاً، فهي، وإن حققت وجوداً جماهيرياً مؤقتاً، أو تحدثت عن قضايا سياسية واقتصادية، فإنها في النهاية لا تعيش طويلاً، وهي تعكس حالة التردي الثقافي الذي تعيشه قطاعات كبيرة من المجتمع، ولا بد من تدخل المسؤولين عن نقابات الموسيقى، وجميع القائمين على صناعة الأغنية في مصر لحماية الذوق العام من مثل هذه الأغاني الهابطة التي أصبحت تؤثر في سلوكيات الشباب .
الناقد طارق الشناوي أكد أن فكرة الأغاني الهابطة موجودة في كل الأزمنة، وليس معنى ذلك أنها السمة الغالبة في أي فيلم لكي تجلب الإيرادات له، فمن الممكن بالفن الجميل أن تجلب الإيرادات، ولكن فكرة الفن الهابط موجودة طوال التاريخ، وكل المطربين والملحنين الكبار قدموا أغاني يطلق عليها حالياً فناً هابطاً، والمنتجون يقدمون أعمالهم بحسب ما يتطلبه السوق ليحقق العمل أعلى الإيرادات، ولا ينظرون إلى أسباب أخرى، ويسيرون بطريقة المكسب، فهي شريعة في الحياة الفنية، وغير مرتبطة بهذا العصر ولكنها جزء من الطبيعة، فالأغنية الشعبية ممكن أن تنجح في لحظة، ويمكن أن تظل فترة طويلة ثم تحقق النجاح، ورغم ذلك فليس هناك قاعدة معينة للأغاني الشعبية التي تروج في الأفلام والفن، فمثلاً أغنية "السح الدح أمبو" للمطرب أحمد عدوية، كلماتها غير قبيحة، ولكنها وصفت في وقت ما بأنها هابطة، ومنعت من الإذاعة على الرغم من أن كلماتها غير خادشة للحياء .
الموسيقار محمد سلطان أكد أن الأغاني الشعبية الهابطة ليست لها علاقة بمستوى الانحدار الذي وصلت إليه السينما، فكلاهما هابط ولا يحتاج لمساعدة الآخر، ومن أهم الأسباب التي أدت إلى هبوط الأغاني والسينما هو تقليدنا الأعمى للفن الأمريكي والأوروبي، فالأغاني التي تقدم بالأفلام ليست وحدها الهابطة، بل كل الأغنيات، تقريباً أصبحت هابطة، لدرجة أن عشاق الطرب أنفسهم أصبحوا يتلقون الأغنية بأبصارهم وليس بآذانهم، علماً أن الأغنية مخلوقة للسمع وليس للبصر، وعندما وصلت الأغنية لهذا الانحدار رأى المهتمون بالسينما أنها أصبحت مناسبة لأفلامهم، والتقي الاثنان في مستوى الهبوط وكل الأغاني الشعبية الحالية تشبه بعضها بعضاً، فهي من مقام واحد وهو "الكورد" وكأن باقي المقامات قد انتهت صلاحيتها أو اختفت في ظروف غامضة .
المطرب الشعبي حكيم قال إن بعض الأغاني الشعبية انحرفت إلى طريق آخر، ورغم أن كل فنان له الحرية في أسلوب تناوله للفن الذي يقدمه مادام مقتنعاً به، لكن ليس معنى ذلك أن يقدم الفن السيئ الذي يسيء للذوق العام، مؤكداً أن موضة الأغاني الهابطة لن تستمر طويلاً .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y4blmayv