كان جمال الدين الأفغاني داعية للعدالة الاجتماعية مع وعي كامل بضرورة النظر في دعوات مزجت بين العدالة الاجتماعية والإلحاد والتحذير منها، وقد ذكرنا في شهادة أبي الحسن الندوي رحمه الله كيف نظر الأفغاني في الجانب الأخلاقي لكل من الرأسمالية والاشتراكية وعلاقة ذلك بالسعادة الحقيقية للأفراد والانجاز الفاعل للمجتمعات. يقول في (رسالة الرد على الدهريين): إن الاجتماعيين والعدميين والاشتراكيين يتفقون في سلوك الطريقة الدهرية (الإلحادية) ويزينون ظواهرهم بدعوى أنهم يدافعون عن الضعفاء ويطالبون بحقوق المساكين والفقراء.... وكم سفكوا من دماء وكم هدموا من بناء وكم أثاروا من فتن وكم أظهروا من فساد (الأعمال الكاملة 163).
وهو يحلل الأساس النظري للاشتراكية الغربية مؤكداً أن محور حدود الامتياز ودرس رسوم الاختصاص (الغاء الحوافز الفردية وإلغاء الملكية الخاصة) يؤدي إلى ميل النفوس إلى الأسهل والأفضل فلا نجد من يتجشم مشاق الأعمال الصعبة، ثم تمحي جميع المحاسن وضروب الزينة وفنون الجمال العملي ويفقد الانسان كل جمال ظاهر أو باطن، فإن المبدأ الحقيقي لمزايا الانسان هو حب الاختصاص والرغبة في الامتياز، فهما الحاملان على المنافسة، السائقان إلى المباراة والمسابقة، فلو سلبتهما أفراد الانسان وقفت النفوس عن الحركة إلى معالي الأمور... وكان الانسان في معيشته على مثال البهائم البرية إن أمكن له ذلك وهيهات هيهات.
ثم أنه يضيف إلى التحذير من الإلحاد المبطن لكثير من الدعوات الاشتراكية الغربية ونقض الأساس النظري للايديولوجية الاشتراكية انحيازاً إلى الأكثرية العاملة فهو يقول: لولا الزرع ولولا الضرع لما كان سرف الأغنياء ولا ترف الأمراء، موقف الزراع والصناع من الحضارة أنفع من موقف الإمارة، رأينا شعباً يعيش بدون ملك ولكن ما رأينا ملكاً يعيش بدون شعب (الخاطرات ص434).
وها هو يخاطب الشاه الايراني ناصر الدين: الفلاح والعامل والصانع في المملكة يا حضرة الشاه أنفع من عظمتك وأمرائك (الأعمال الكاملة 475).
ثم ها هو يأمل بغد يتحقق فيه العدل المطلق فيقول: وهكذا الدعوة إلى الاشتراكية وإن قل نصراؤها اليوم فلا بد أن تسود في العالم يوم يعم فيه العلم الصحيح ويعرف الانسان أنه وأخوه من طين واحد أو نسمة واحدة وأن التفاضل إنما يكون بالأنفع من المسعى للمجموع (الأعمال الكاملة 426).
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الاشتراكية أيام جمال الدين الأفغاني لم تكن قد شحنت بالأمثلة السلبية والشرور التي تلوثت بها فيما بعد خلال القرن العشرين حيث ذبح على انصابها الملايين، ومع ذلك فقد كانت له نظرات ناقدة في التجربة الغربية للاشتراكية مما يؤكد أنه كان مناصراً للعدالة الاجتماعية والعدل المطلق بين الناس أكثر من مناصرته لنظرية اشتراكية معينة وإن كان استعمل لفظ الاشتراكية في أكثر من موقع، فالغربيون أمرهم في الاشتراكية فوضى ولسوف ينعكس أمرها (الأعمال الكاملة 414) وأن ما تراه من الاشتراكية في الغرب وما تتوخاه من المنافع بذلك المذهب في شكله الحاضر وأسسه وتخبط واضعي مبادئه كل ذلك يعكس نتائج الاشتراكية ويجعلها محض ضرر بعد أن كان المنتظر منها كل نفع (الأعمال الكاملة 414).
وفي ملاحظة بديعة يرى الأفغاني أن الاشتراكية الغربية إن رافقتها مشاعر الانتقام والحسد فإن الذنب إنما يقع على الأغنى والأقوى، فكل عمل يكون مرتكزاً على الإفراط لا بد أن تكون نتيجته التفريط (الأعمال الكاملة 414).
من هنا كان البديل هو الاشتراكية الاسلامية التي لم تأت كرد فعل على الظلم والقسوة وإنما هي مقصود إليها في كتاب الله ذلك لأن الكتاب الديني وهو القرآن أشار إليها بأدلة كثيرة (الأعمال الكاملة 416) بل ان كل اشتراكية تخالف في روحها وأساساتها اشتراكية الاسلام فلا تكون نتيجتها إلا ملحمة كبرى وسيل الدماء من الأبرياء وتخريب لبناء لا يُشاد عليه شيء ينتفع به أحد من الخلق (الأعمال الكاملة 423).
هذه هي الاشتراكية التي دعا إليها الأفغاني وهي بريئة من الإلحاد ومن التنظير الضيق المغلوط ومن تجارب اشتراكية الغرب بما فيها من طوباوية حالمة، أو حقد وانتقام بشعين، أو استبداد وظلم وتجبر، أو سرقة لأموال الناس باسم العدل..... وغيره مما لطخ سمعة الاشتراكية أو العدالة الاجتماعية في حياة الافغاني وبعدها، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن سلوك الرجل وزهده يشهدان على صدقه في دعوته وعدم المتاجرة بآلام المستضعفين.