تحرص جميع المدن حول العالم على الرقي بالمستوى المعيشي للمقيمين فيها من خلال تأمين الخدمات والمرافق التي تسهل حياتهم، وتضيف إليها المزيد من المتعة والبهجة، لذا تولي للأماكن العامة اهتماماً كبيراً، لما تشكله من قيمة جمالية واجتماعية، فانتشرت الحدائق في جميع البلدان وكذلك الجسور والشوارع المجهزة بأرقى الخدمات . ورغم أهمية هذه المرافق فإن كثيراً ما نجد جدران الجسور تحولت إلى دفاتر لكتابة الذكريات، والشواطئ والحدائق مكبات للنفايات، كما لم تسلم مصابيح الإنارة من الأذى وباتت أهدافاً يتدرب الصبية فيها على الرماية . ولأن الحفاظ على المرافق العامة يعد مقياساً لتطور الدول، رصدنا في هذا التحقيق آراء الناس ومدى معرفتهم بمعنى المكان العام وأهميته:

تعدّ الحدائق من أكثر الأماكن العامة أهمية لما تشكله من قيمة جمالية ولدورها في تخفيف معاناة السكان، إلا أنها وبرغم أهميتها تعاني التخريب المستمر والعبث الناجم عن قلة الوعي بأهميتها وبالمبالغ الطائلة التي اتفقت عليها .

ثائر عبدو أحد رواد الحدائق العامة الدائمين يقول: ليس هناك من لا يحتاج لاستخدام الأماكن العامة سواء كانت حدائق أو محطات نقل، أو جسور وأنفاق، وتشكل الحديقة بالنسبة إليّ متنفساً أنسى من خلالها ضغوط العمل، فبشكل شبه يومي أصحب زوجتي وطفلتيّ إلى الحديقة المجاورة لمنزلي، وأجلس لاحتساء كوب من الشاي مع زوجتي في حين تلهو الطفلتان بالكرة، فتراهما يدهشان لرؤية زهرة صغيرة أو طائر ما، وهو الأمر الذي يشكل خبرة حياتية وعلمية لهما، فالحديقة لا يقتصر دورها على الجانب الترفيهي أو الجمالي بل لها دور تعليمي للأطفال من خلال تأمين احتكاك الطفل مع الطبيعة ورغم هذه الأهمية فإن البعض يعيثون فساداً في الحديقة، سواء بإتلاف الزهور أو بإلقاء القمامة في غير الأماكن المخصصة لها، فنرى الكثير من الناس وبعد قضائهم وقتاً ممتعاً يتركون مخلفاتهم خلفهم دون الشعور بالمسؤولية، ولا تقتصر هذه الأعمال على الحدائق فحسب بل تصل إلى كل ما هو ملكية عامة، ويضيف: عندما تستعمل نفقاً للمشاة أو جسراً، فإنه من الطبيعي أن ترى الجدران تحولت إلى دفاتر للبعض، تاركين عبارات تعبر عن حالتهم النفسية أو العاطفية، ومنهم من يتطور به الأمر ليصبح فناناً ليرسم ما يخطر بباله، الغريب في الأمر أن هذه الظاهرة لم تعد مستهجنة بل أصبحت مألوفة، بل إن البعض يراها طريفة وتدخل السرور إلى القلب .

بهاء ضو يرى أن ما ينال الأماكن العامة من أذى لا ينتج عن عدم وعي، بل هو فعل مقصود يهدف إلى غاية ما ويضيف: عندما يأتي رجل في الأربعين من العمر ويلقي عقب سيجارته على الأرض لا نستطيع القول إن تصرفه ناجم عن عدم وعي بالخطأ الذي ارتكبه، بل ناجم عن عدم الشعور بالمسؤولية أو اللامبالاة، أو حتى التعجرف فهناك من سيأتي لينظف ما تركه، ويصل الأمر عند بعض الشباب المراهقين إلى نوع من التباهي والتسابق، سواء من خلال التسابق في الشوارع العامة بسياراتهم دون أن يلقوا بالاً لمن يستخدم هذا الطريق والأذى الذي قد يلحق بهم نتيجة رعونتهم، أو من خلال التحرش بالمارة .

ويرجع بهاء قيام بعض الأشخاص بمثل هذه التصرفات إلى غياب الوازعين الديني والتربوي ويضيف: كل سلوك يقوم به الفرد انعكاس لأسلوب التربية الذي تلقاه، وهو الأسلوب الذي يعتمده في كل مكان، فكما يتصرف في بيته يتصرف في مدرسته ومكتبه وباقي الأماكن، فإن لم يحسن الوالدان تلقين ابنهما الطرق السليمة في التصرف، ولم تكمل المدرسة عملية التربية السليمة، فستكون النتيجة شاباً لا يملك أي حس بالمسؤولية .

ولا يستطيع بهاء أن تتمالك نفسه عندما يرى من لا يحترم حقوق الآخرين ويقوم بتخريب ما هو ملك للجميع ويقول: كثيراً ما أتوقف لدى رؤية أحدهم يشوه مرفقاً عاماً، وأشعر وكأنه يعتدي على أملاكي الشخصية، والمرفق العام ملكي وملك كل من يعيش على أرض الدولة، لكني لا أمتلك الصلاحيات لمنعه، إلا أني أحاول نصحه، هناك من يشعر بخطئه وهناك من لا يلقي لما قلت بالاً .

أما ماجد عيسى فيشعر بالحزن عندما يرى قوارير الماء الفارغة تطوف على وجه الماء عند ارتياده للكورنيش، ويضيف: من المؤذي رمي النفايات خارج الأماكن المخصصة لها، إلا أن أشدها إيذاء هو رمي المخلفات في مياه البحر، فالشوارع بالإمكان تنظيفها أما ما يلقى في البحر فهو بحاجة إلى معدات خاصة، وآثاره السلبية أكبر نتيجة تهديده للحياة البحرية، وهنا يجب الإشارة إلى الجهود التي تبذلها جمعيات حماية البيئة والجهات المعنية في الدولة، إلا أن هذه الجهود لن تكون كافية، ويجب أن ينتشر الوعي بين الناس لخطورة ما يفعلونه . إلا أنه يشيد بالمستوى الجيد الذي تتمتع به الخدمات العامة في الدولة والمستوى الراقي للمواطنين والمقيمين نتيجة حملات التوعية التي تقوم بها الجهات المعينة وعدم التساهل في فرض العقوبات على المسيئين .

أحمد سالم يعتقد أن بعض الشبان يعانون حرماناً في مسألة ممارسة هواياتهم في المنازل أو المدارس فيقومون بممارستها على جدران المباني أو على بعض حافلات النقل العام، إلا أنه لا يرى فيها الأذى الكبير إذا ما قورنت بغيرها من الأعمال العبثية ويضيف: تعدّ هذه التصرفات نوعاً من أنواع الإساءة للمظهر الجمالي للمدينة، إلا أنها لا تؤدي لحوادث مؤسفة كغيرها من الأعمال كإلقاء الزجاجات الفارغة من زجاج السيارة أو تحطيم مصابيح الإنارة، أو القيادة بتهور على الطرقات، ويرى أن الحل لا يكمن بالتهديد والعقوبة بل في إيجاد البديل .

ويضيف: بالرغم من الجهود المبذولة، إلا أن المخالفات مازالت ترتكب، ولهذا فالحل الناجع يكون بحسن التربية والتعليم في البيوت والمدارس وأماكن العمل .

سعيد حمزة يجد أن الإساءة إلى الأماكن العامة لا تكون بالضرر المادي فحسب، بل هناك ضرر أكبر وهو الضرر الأخلاقي ويضيف: هناك ظواهر لا ينتبه إليها البعض إلا أن أثرها أخطر من أثر علبة فارغة أو كيس نايلون، ومنها عدم مراعاة الآداب العامة، وكثيراً ما نجد بعض الفتيات يخرجن إلى الحدائق والأسواق بثياب غير محتشمة، أو نرى شاباً وفتاة يتصرفان تصرفات خادشة للحياء تحت شعار الرومانسية، وهذه التصرفات لا تتلاءم وعادات مجتمعنا المحافظ، فنجد عدداً من العائلات تتجنب الذهاب إلى الأماكن العامة كي لا تقع أنظار أفرادها على هذه الظواهر ليبقوا أطفالهم بعيدين عن هذه المظاهر .

ويؤكد توفيق زينو ما قاله سعيد، إذ يرى أن التحلي بأخلاقيات المكان العام هو الأهم، ويقول: أنا من عشاق السباحة إلا أني أتجنب الذهاب إلى الشواطئ لما فيها من تجاوزات مسيئة، ويذكر توفيق بما تعانيه بعض الأماكن من تجمع بعض الشباب الذين يطاردون بعيونهم كل فتاة تمر أمامهم وقد يتعدى الموضوع البصر ليصل حد الكلام .

الاختصاصي الاجتماعي نصر الدين فرج تحدث عن أسباب الظاهرة والحلول الناجعة لها: المكان العام هو كل بناء أو مرفق بنته جهة حكومية أو إنسانية ليخدم المجتمع إما مجاناً وإما بأجور رمزية، وبتقدم الأيام وتطور البشرية تطورت هذه الأماكن وزادت كلفتها والحاجة إليها، وأصبحت ضرورة لا يستغنى عنها وفقدان أحدها أو تعطله يتسبب في مشكلات كبيرة .

وعن أسباب التصرفات غير المسؤولة التي يقوم بها البعض في هذه الأماكن يقول نصر الدين فرج: الإنسان بطبيعته مجبول على حب التملك وحريص على الاهتمام بما يملكه، فتراه يهتم ببيته وسيارته وثيابه، إلا أنه لا يبدي ذات الاهتمام بممتلكات غيره لكنه لا يؤذيها لأنها محمية من قبل صاحبها الذي هو بدوره يمنع أن تمس ممتلكاته، فتبقى الأماكن العامة هي الأماكن التي يمكن له فيها التصرف من دون رقيب، وذلك للظن بأنها لا تعود لأحد، أو لأنها للدولة والدولة كفيلة بإصلاحها، هذا من جهة ومن جهة أخرى تعود هذه التصرفات إلى غياب الوازع التربوي، فالأهل في البيت يعكفون على تلقين أبنائهم جميع الأخلاق والسلوكيات التي تلزمهم للتعامل مع الآخرين، كطريقة الكلام والسلام واحترام الآخرين، إلا أنهم لا يهتمون بتعليم أبنائهم أهمية الحفاظ على الأماكن العامة، فالطفل تراه يتصرف بخلق دمث لدى ذهابه في زيارة عائلية لبيت أحدهم، أو لدى زيارته لصديق له، بينما ينقلب الوضع عندما يكون في الحديقة أو في الشارع، ويجب أن تلعب المدرسة دوراً مكملاً لدور الأهل من خلال توعية الأبناء بأهمية الأماكن العامة وضرورة الحفاظ عليها، وهنا تجدر الإشارة إلى نقطة مهمة، وهي أن الإساءة للمكان العام لا تتعلق بجنسية الشخص كما يقول البعض، فذات مرة كنت أسير في الشارع مرت بقربي سيارة فارهة يقودها رجل أعرفه من جنسية غربية، فتح النافذة وألقى منها علبة المشروب الغازي الذي كان بحوزته .

أما بخصوص إساءة الآداب العامة فيقول: تكمن المشكلة في هذه النقطة بعدم وجود تعريف محدد للحرية الشخصية، واختلاف الناس على تحديد سقف لهذه الحرية، فوجود فتاة ترتدي الزي غير المحتشم أصبح مألوفاً، وذلك بحجة أنها تمارس حريتها الشخصية، وهو أمر غير مرغوب فيه في مجتمعاتنا، إلا أن التنوع السكاني يفرض علينا مثل هذه الظواهر، وبخصوص المعاكسات وغيرها من الأعمال المخلة للآداب فمفادها غياب الوازع الديني .

ماجد المنصوري: نأمل التزام الجميع

ماجد المنصوري رئيس دائرة الشؤون البلدية أكد أهمية الحفاظ على الأماكن العامة والاهتمام بنظافتها وقال: نظافة أية مدينة تعبر عن حضارتها، وعن مدى التزام أهلها بالحفاظ عليها والافتخار بها، لذا نأمل من الجميع الالتزام التام في الحفاظ على نظافة مدننا وعدم إلقاء المخلفات بصورة عشوائية أو بغير الأماكن المخصصة له، ما يشوه المنظر العام للمدينة، مع ضرورة تأكيد السلوك البيئي والحضاري الذي نتطلع أن يغدو سلوكاً اجتماعياً وتربوياً يورثه الآباء إلى الأبناء .

وأشار المنصوري إلى أن الحفاظ على البيئة ليس بوليد اللحظة، بل هو قضية أساسية يتم التعامل معها في جميع أنحاء العالم، ومع النمو السكاني السريع لإمارة أبوظبي لا سيما في السنوات الأخيرة، كان لا بد من إيجاد نظمٍ فعالة لمعالجة هذه القضية المهمة بأسلوب حضاري وحديث فالمخلفات تشكل جزءاً كبيراً من النفايات التي تنتج عن الإمارات سنوياً والتي تقدر ب 9 .5 مليون طن، وهذا ما يهدد البيئة الفريدة التي تتمتع بها الدولة، والتي تجعلها مقصداً لملايين السائحين من جميع أنحاء العالم .

يوسف صلاح الدين: الدين أوصى بالمحافظة عليها

الداعية يوسف صلاح الدين قال: كل الشرائع السماوية ورد الأمر بإعمار الكون وتنظيم الحياة، ولابد لذلك من الحفاظ على مقوماتها، فمثلاً جاء التشريع الإسلامي يأمر بذلك ويحذر من إهدار الطاقة أو المساس بما يشترك الناس بالانتفاع به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الناس شركاء في ثلاث، الماء والكلأ والنار، وهذه الرموز لا تقتضي حصر المنفعة فيها، بل تعني تحريم الاعتداء على كل الممتلكات التي يشترك بها الناس وما يسمى اليوم بالممتلكات العامة، وجاء في حديث آخر عن الرسول صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار، كما قال عليه الصلاة والسلام إماطة الأذى عن الطريق صدقة، ولم يكتف الشرع بالنهي عن الأذى بل أمر بإزالته إن أمكن، ووعد من يقوم بذلك بالثواب وحياً من الله .