تحقيق: فدوى إبراهيم

تعد الأماكن المرتفعة للعامة متعة وراحة حين ننظر للأفق، ونستنشق الهواء من الشرفات المفتوحة، ويعد السكن في شقق الطوابق العليا أعلى سعراً من غيرها، كون أفقها لا تحده حدود، خصوصاً إذا كانت ذات إطلالة مائية، لكن الأمر لا ينطبق على الجميع، فهناك من يتمعن في البحث عن الطوابق الدنيا، ولا يستطيع السكن بغيرها، ويصيبه الاختناق حال ارتفاعه إلى الطوابق العليا.في الوقت الذي نشهد فيه العمران يعلو في الدولة، وتتخذ الأبراج الشاهقة مكانتها العالمية وتدخل إلى موسوعة جينيس للأرقام القياسية، وتستقطب الزوار من جميع أنحاء العالم، نجد أن بعض الأشخاص يعانون «فوبيا» الأماكن المرتفعة لدرجة أنهم يخشون فيها ركوب المصاعد والسلالم المفتوحة.

يقول محمد مهدي: الاستمتاع بالأماكن المرتفعة يتطلب وسائل حماية خاصة؛ ذلك أنه من غيرها لن يكون هناك متعة في فقدان الحياة، فسبل الأمان هي التي تجعل الشخص حقاً يشعر بالمتعة، لكن هذا لا يعني أن يكون الشخص موثقاً بحبل أو غيره.
ويضيف: «أحب الأماكن المرتفعة على أن أكون بمأمن في مكاني، كالأبراج والأماكن المغلقة التي يمكن لإطلالتها أن تشعر الفرد بشيء مختلف، وتقدم منظراً مختلفاً عن الرؤية الأرضية، لكن ليس من العقل أن يصل الحال بشخص أن يتسلق أو يقف في تلك الأماكن بلا وسائل حماية حقيقية».
وتعد صفاء فايز، نفسها مصابة ب«فوبيا» الأماكن المرتفعة، لكنها تقول: «أخاف بشدة الأماكن المرتفعة المفتوحة، فمثلاً أتجنب تماماً استخدام السلالم الكهربائية ذات الجوانب المفتوحة المطلّة على مكان شديد الانخفاض وهو أمر شائع في مراكز التسوق، لكن لا أخشى تلك السلالم التي لا تطل على تلك الأماكن، كما لا يمكنني بتاتاً الإطلالة من مكان مرتفع مفتوح كالشرفات العالية، أما الأماكن المغلقة فلا مشكلة لدي فيها طالما أنها مغلقة كالطائرات وأماكن السكن».
وتشير فايز إلى أن هذه «الفوبيا» بدأت معها منذ طفولتها دون أن تعرف لها سبباً، وتعتقد أنه يرجع إلى سقوط جدها من مكان مرتفع، وتعتبر المغامرين الذين لا يأمنون حياتهم في مغامراتهم أشخاصاً استغنوا عن حياتهم.
ويرى مرتضى الشايع، أن الاستعراض بتسلق أو هبوط الأماكن المرتفعة بلا وسائل حماية هو نوع من عدم اللامبالاة بحياة الفرد، وهو ما يقصده بعضهم للمباهاة وتقليد الغرب. يقول: «من الجميل النظر من الأعلى طالما أن الإطلالة مميزة، فأنا أسكن في الطابق 28 من شقة تطل على الخضرة والمياه، وهو منظر جميل ومحبذ بالنسبة لي، والله تعالى أعطانا السبل لنبني ونعمَر ونحل بعض المشكلات بتلك السبل التي تمكنّا منها، مثل تاكسي دبي الطائر، والطائرات، ومركبات الفضاء، لكن ليس للمغامرة بحياتنا دون سبل أمان».
ويعتبر عبد الله سالم نفسه من أكثر الناس خوفاً من المرتفعات، وعلى الرغم من ذلك فإنه لم يلجأ يوماً لطبيب أو حتى يحاول التخلص منه بحسب قوله، فهو لا يعتبره مرضاً مطلقاً. يقول: «على عكس كثير من الناس الذين يزول لديهم الخوف من الأماكن المرتفعة مع مرور الوقت، أنا تزداد معي؛ إذ كنت لا أخاف ركوب الطائرات، وأنا اليوم أضطر لركوبها لأن سفري لدولتي غير ممكن براً، وحالما تنطلق الطائرة وتبدأ بالتحليق يبدأ جسمي في التعرق بشدة، وانكفئ على نفسي ولا أطيق أن يكلمني أي أحد، وأصبح شديد العصبية، وأبقى على حالتي هذه حتى الوصول للوجهة؛ لذلك صرت أقلل قدر الإمكان من سفري. أما الشرفات فلا يمكنني أن أقف فيها سوى من الطابق الثاني كأقصى حد، وحرمت كذلك من ركوب (التلفريك) في إحدى النزهات العائلية خارج الدولة». ويشير إلى أن خوفه ليس رد فعل أو عقدة طفولة ولا يعرف سبباً له، لكنه حتماً لا يريد التخلص منه.

أما هناء عصام فتعتبر الخوف من الأماكن المرتفعة معرقلاً لحياتها الشخصية والمهنية؛ إذ يجعلها مقيدة بشكل كبير، وحتى اليوم رغم لجوئها لطبيب نفسي لم تستطع التخلص من تلك «الفوبيا». تقول: «في عملي نضطر في أحيان كثيرة لعقد اجتماعات في غرفة مؤتمرات في أحد الأبراج، وحينها أغيب لعدم قدرتي على استخدام مصعد يرتفع لأكثر من 6 طوابق، وهو ما كان يجعلني في حرج أمام زملائي في العمل، إلا أنهم بدأوا يتفهمون وضعي، ولذلك استخدم بشكل دائم السلالم إلى حد معقول، كما أنني واجهت مشكلة الحصول على شقة حين تزوجت، تكون في الطوابق الأقل من الطابق الخامس».

السلامة أولاً

أثار فيديو نشرته عارضة الأزياء الروسية فيكتوريا أودينتسوفا على وسائل التواصل ، خلال تسللها إلى برج «كيان» في دبي، واستعراضها وهي معلقة في الهواء برفقة مساعديها من أعلى البرج دون وسائل سلامة أو موافقة من إدارة المبنى، استياء وتعجب كثيرين، الأمر الذي فتح الباب لتساؤلات عن الدوافع وراء ذلك الفعل الذي من الممكن بكل سهولة أن يودي بحياتها وحياة أي فرد يقدم على فعل مشابه.
توضح جيزيل ضاهر، رئيسة إدارة التسويق والاتصالات في مجموعة «كيان» العقارية ل «الخليج»، أن برج كيان هو أحد المشاريع الجذابة في معمارها في دبي، ويعرف بكونه البرج الملتوي الأعلى في العالم ودخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية. وتضيف : نشجع دوماً الإبداع والخروج عن المألوف، وكثيراً ما دعمنا المغامرين للقيام برياضاتهم وهواياتهم في البرج، إذ إننا استقبلنا عام 2015 المغامر الفرنسي آلان روبير الملقب ب«الرجل العنكبوت»، الذي دخل موسوعة غينيس لقيامه بتسلق الأبراج الأكثر شهرة في العالم، إذ تسلق البرج بيديه فقط دون استخدام معدات وحازت مهارته هذه على إعجاب كثيرين، إلا أننا وعلى الرغم من دعمنا لهذه الرياضات والمغامرات، نحرص في الوقت نفسه على اتخاذ كل إجراءات السلامة للحفاظ على حياة المغامر، واستخراج جميع التصاريح من الجهات المسؤولة.

تسلق الجبال

الأماكن المرتفعة التي تثير الرهبة والخوف، هي تلك التي لا يتم التعامل معها بوسائل أمن وسلامة أو كونها غير محصنة أو مغلقة، هذا ما يشير إليه عبد الرحمن العامري، أحد مؤسسي فريق «يولو الإمارات»، وهم مجموعة من متسلقي الجبال شاهقة الارتفاع.
يقول: «يختلف التعامل مع الأماكن المرتفعة بين بعضنا البعض، فالصعود بمصعد كهربائي لبرج ما هو ارتفاع ليس مخيفاً، لكن البعض يجده مرعباً، كما أن ركوب الطائرة يعد للبعض عادياً بينما يرهبه آخرون، وغيرهم يرون أن الارتفاع دون وسائل حماية أو لأماكن مفتوحة يثير الخوف في نفوسهم».
وينوه العامري بأن هواة القفز بالمظلات وغيرها بشر مثلنا، كل ما فعلوه هو أنهم أزالوا تدريجياً الخوف من الأماكن المرتفعة، مرة بعد مرة، حتى يصل الفرد فيها إلى فقدان الخوف تماماً، وهي حالة صحية جداً، إلا أن هناك من يصل إلى مرحلة غاية في المغامرة وهي أن يفقد الشعور بالخطورة كالتسلق دون وسائل حماية مثلاً، هنا تتحول إلى حالة غير طبيعية وأحياناً تنقلب إلى مأساة.