فهد حسين 
حاولت الروائية الخليجية التأمل مع البعد الثقافي في مكانها وخارجه، سواء عن طريق التعليم كما كان عند مزون حينما ذهبت من سكنها في عمان إلى الكويت من أجل دراسة الفن المسرحي والإخراج لتتحول من طالبة للمسرح إلى إنسان منتش بالحراك الثقافي والأدبي، إذ "أخذت تتردد على الأمسيات الشعرية التي تقام، والندوات الثقافية، وليالي الموسيقى، والمعارض التشكيلية، والمسرح والسينما والمهرجانات الفنية" . وزاد هذا الانتشاء والانجذاب نحو الثقافة والأدب والفن إلى حالة من الشعور نحو رغبتها في الكتابة أيضاً، وبخاصة أن ميلها نحو الثقافة جعلها تتعاطى مع الثقافة باعتبار الأخيرة عنصراً أساسياً للإنسان الذي يتلقى المعارف وبوظفها في الحياة، وهذا ما جعل مزون تقول: "أشعر بميل خفي يوجهني نحو الكتابة رغم اتجاهي نحو مادة الإخراج المسرحي، وعدم امتلاكي لإحساس عميق بالمادة المكتوبة" .
وفي إطار مكاني آخر وقفت السالم على الأندلس قديماً، وعلى إسبانيا حديثاً، صورت حالة العنف التي وجهها اليهود بعد سيطرة القشتاليين وطرد أو قتل كل من لا يدين بالديانة المسيحية، فصورت رواية "حجر على حجر" راشيل الفتاة اليهودية وهروبها من بطش المسيحيين في الأندلس آنذاك، بل كانت قشتالة آنذاك تحول الأسرى من اليهود والمسلمين إلى أرقاء وعبيد، أو تحولهم إلى أعمال السخرة مثل التجديف في السفن البحرية والتجارية، وسفن القرصنة وغير ذلك من التعسف الاجتماعي والعنف الثقافي، وهنا تقول راشيل: "نحن اليهود الفارين من شبكة الصيد القشتالية، الهاربين من غمة حطوم أنهت أندلسية العرب باستسلام غرناطة العربية ليست الفاجعة فقط في سقوط المدينة، ولكنها كانت فظاظة ومكيدة لانتهاك وتقويض كامل لحياة وحضارة ووجود كانت بالأمس القريب ملء السمع والبصر" .
تتمظهر ممارسة سلوك القشتاليين ضد من يخالفهم في الدين والعقيدة، وهو عنف ثقافي سياسي مغلف بإطار اجتماعي ومرجعية دينية، برز من خلال التشريعات والقوانين السياسية في ذلك الوقت، والسعي إلى تهميش المختلفين عنهم ديناً وعقيدة وثقافة، وهو الشيء نفسه وجد أيضاً عند بثينة العيسى في رواية "سعار" التي ناقشت حالة العنف تجاه الطلبة العرب في أمريكا بعد الهجوم على البرجين في الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول ،2001 الأمر الذي جعل بعض الطالبات يتخلين عن زيهن الديني اتقاء عنف ومطاردة الأمريكيين لهن، فتقول الراوية: "زميلاته المحجبات صرن فجأة يحضرن إلى الجامعة سافرات متذرعات بما صدر من فتاوى جامع الأزهر، بعضهن على مضض . ريم زميلته السعودية ترزح تحت هستيريا بكاء . ولم يقتصر هذا العنف على النساء فقط، بل تعدى ذلك إلى الطلاب، "فأحمد يرقد في العناية المركزة، لأنه تعرض لاعتداء بالضرب عند باب شقته، ضربوه بالعصى حتى أغمى عليه، عثر عليه ملطخاً بالدم والبول والبراز عارياً من الأسفل" . فهؤلاء الذين يمارسون ثقافة العنف الجسدي والقولي يؤكدون أن الثقافة تمكنهم من الترميز الذي أسهم في تغيير السلوك البشري بعد أحداث الحادي عسر من سبتمبر/أيلول ،2001 وانعكس بشكل مباشر على العلاقات الاجتماعية والثقافة تجاه المسلمين عامة والعرب بخاصة .
هذا السلوك العدواني غذته وسائل الإعلام الغربية والأمريكية جاعلة وضع كل مسلم وعربي في خانة الإرهاب والهمجية، وهو الذي كون فكرة العنف لأفراد من المجتمع الأوروبي والأمريكي التي سعت لتغذي نفسها بنفسها حقداً وتطرفاً في سياقاتها الاجتماعية والثقافية ضد الآخر بالنسبة إليها "وبمجرد أن ترسي دعائم هوية ثقافية معينة ينصب الضغط وفقها حتى لو عنى هذا أن يضحي المرء بذاتيته" والذي كرس ثقافة العنف في المجتمع الغربي الذي لم يكن نظرته تجاه المسلمين أو الدول في الشرق الأوسط حديثة العهد، فالاستعمار شاهد على هذه الثقافة . وقيام بعض الأمريكيين تجاه الطلبة العرب في رواية سعاد هو عنف - بحسب تصوري - لم يكن وليد الصدفة واللحظة، بل كان موجوداً منذ اتصال العرب بالحضارات الأجنبية في أثناء انتشار الإسلام جغرافيا . وما حدث في عصرنا تجاه العالم الإسلامي ديناً وأناساً، ومعتقداً وممارسة، يؤكد أن صورة الاختلافات الثقافية بين الثقافة الغربية وثقافات مختلف مستعمرات العالم الثالث هي اختلافات اتخذت شكلاً واضحاً في سياق الاستعمار، ولاتزال مستمرة في علاقات ما بعد الاستعمار، وإن كانت هذه الدول وثقافتها ترى نفسها ملتزمة بقيم الحرية والعدالة، فهو التزام تستخدمه دليلاً على تفوقها، والعنف أياً كان مصدره أو هدفه أو نوعه فهو مرفوض
وبعيداً عن ثقافة العنف، فقد ناقشت رواية "حجر على حجر" نموذجين في إسبانيا القديمة المتمثلة في الأندلس، والحديثة، إذ تقول ما يتعلق بالزمن الماضي وما حل بالأندلس: "القرن الخامس عشر مفصل مهم لكل التحولات التي أتت في ما بعد . . بدأ بأهم أحداثه وهو سقوط معاقل دولة الأندلس العربية (غرناطة) واستسلامها في سنة ،1492 إنه قرن العنف والتجاوز، اريقت فيه دماء المسلمين، وسلبت ممتلكاتهم، استعمرت بلادهم تحت مسمى رحلا الكشوفات الجغرافية . ."، أما في العصر الحديث فتنظر عبر سفر العائلة الكويتية وتمتعها فإقامتها وبما شاهدته فتقف على مشارف ثقافة المكان، وتتحدث عن تفاصيله في الأزقة والحوانيت وفي الحدائق وبين الأنهار، والأسواق وما جالت الأعين تجاه المشغولات والصناعات الخفيفة، وعن العادات والأعراف، وأساليب العيش، وحرية الأفراد والمسؤولية الفردية والجماعية، والمفارقة بين ما تركته الحضارة الإسلامية وثقافتها وبين ما هو كائن الآن، "فكل الأندس مازال بكل هالة الحضارة العربية التي تسري حية في شرايين وأوردة الثقافة الإسبانية وتهيمن على جسدها الجديد، ما هو إلا حلول ومثول طاقة في جسد آخر، وهذا لا يلغي الجسد الأول، ولكنه يعني أنه مازال يعيش ولكن في هيئته الأخرى" .
وإذا كانت "حجر على حجر" قد طرحت البعد الثقافي في محيط المكان الحضاري والاجتماعي، فرواية "المرأة التي أحب" ناقشت الثقافة من منطلق العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة، والرجل الشرقي وحالة الاستغراب والدهشة والصدمة فيقول: " . . وجلس باسل بقربي يتغزل بحسن لندن ويصف جمالها، يكرر بين الجمل مقولته الحصرية، لندن جميلة جداً، طاغية الإغواء" . بل تكمن الصدمة أوجها حينما دار الحوار في الشقة بين الأصدقاء الذين يدعون إلى الفصل بين عادات المجتمع وثقافة المجتمع الغربي المهتم بحرية الفرد الشخصية، ويحترم العلاقات بين الرجل والمرأة، وهذا وما وصفه الراوي بقوله: "عدت للسكن وقد أصبحت أضحوكة جنسية بعدما أخبر باسل بقية الأصدقاء بما حصل اليوم، قال لي عبدالرحمن مواسياً: لا تدع عقد موطنك تحرمك لذة العيش هنا، لم لا تدع مارين تتكفل بفك تلك العقد؟ إنها طيبة جداً ولا تبخل بالمساعدة" .
تحاول المرأة الخليجية وهي في تلك البلاد الغربية التأقلم في إطار ثقافة الآخر، فالطالبة التي درست في أمريكا عقدت المقارنة في طبيعة العلاقات بين الجنسين وفي منطقتين مختلفتين قائلة: "في مجتمعنا من النادر جداً أن تثق المرأة بالرجل، هناك دائماً شبح يحاصر كل أنثى يدعى الفضيحة، أمضيت كل سنوات الدراسة في مدارس للطالبات فقط في مجتمع رافض الاختلاط، بعد اختلاطي بالشباب في الولايات المتحدة دخل حياتي مفهوم جديد، وهو صداقة الفتاة والشاب، اكتشفت نوعاً من أجمل الصداقات"، وهنا مقارنة في النمط والحياة اجتماعياً وثقافياً بين الدول العربية وتحديداً الكويت وبين الدول الغربية وتحديداً أمريكا، أي أن المرء حينما ينظر إلى ثقافة الآخر، وأنماطها ومنظومتها، فالمرء لا ينظر إلى هذه الثقافة إلا من خلال مقارنة غير معلنة بثقافته، وبأنماط الحياة في مجتمعه .
وأخيراً علينا ألا نبخس حق الرواية الخليجية وهي تتعاطى في سردياتها الشأن الثقافي والحوار مع الآخر ثقافياً، ولكن علينا أن نسأل أنفسنا نحن القراء والمتابعين لنتاجها، ماذا تريد الروائية الخليجية من كتاباتها السردية؟ هل استطاع نصها استقطاب القارئ الخليجي ثم العربي إذا علمنا بأن هناك أنواعاً من القراء، القارئ الضمني، القارئ النموذجي، القارئ السلبي، القارئ المتفاعل وهكذا دواليك . كما أن كثيراً من الأعمال الروائية النسوية في الخليج تدور حول الجسد بأنواع ومداخل مختلفة، لذلك هل الجسد وحده كاف للكشف عن المسكوت عنه ثقافيا؟ هل التمرد الاجتماعي في الرواية النسوية يسهم في بلورة رؤية ثقافة؟

* كاتب من البحرين
* من بحوث ملتقى الإمارات للإبداع الخليجي