من جسور انتقال الحضارة العربية الإسلامية إلى أوروبا الأندلس وهي الجزء الذي فتحه المسلمون وحكموه من شبه الجزيرة الايبيرية، واستمر وجودهم فيها فيما بين 92 - 897هـ - 717 - 1492م وامتلأت الأندلس خلال حكم المسلمين لها بمراكز التعليم والجامعات، وازدهرت فيها الحياة العلمية، وأنشئت المدن، وكثرت حواضر العلم والأدب كقرطبة واشبيلية وطليطلة وغرناطة وبلنسية والمرية وبرع في هذه المدن عدد من العلماء والأدباء منهم الطبيب أبو القاسم الزهراوي، والفلاسفة أمثال ابن طفيل وابن رشد وابن باجه وغيرهم . . وأقبل علماء أوروبا وطلاب العلم على الاغتراف من التطور العلمي والأدبي الذي وصلت إليه الأندلس وظهرت حركة ثورية ضد تعاليم الكنيسة التي كانت تحد من القيام بالتجارة العلمية التي يمكن أن تغير كثيراً من النظريات والمفاهيم السائدة في أوروبا .

ويعتبر الحكم الثاني (ت 350هـ - 961م) رائد الحركة العلمية في الأندلس إذ بلغ التطور العلمي في عهده ذروته حيث عمل على نشر العلم من خلال افتتاح المدارس وأنفق الأموال الطائلة على طلابها واشتهر بحبه للعلم فاحتوت مكتبة قصره على مئات الآلاف من الكتب والمخطوطات كما انتشرت في عهده المكتبات العامة . واهتم الإسبان بالعلوم العربية فعملوا على ترجمتها إلى اللاتينية حباً في العلم ورغبة منهم في معرفة آراء خصومهم المسلمين ليتمكنوا من الدفاع عن ديانتهم المسيحية والوقوف في وجه المسلمين ودينهم وكان أشهر المترجمين جيرارد الكريموني الإيطالي (583هـ - 1181م) الذي حضر إلى إسبانيا لتعلم العربية وترجمة بعض الكتب، وأقام فيها عشرين سنة ترجم خلالها ما يزيد على سبعين مؤلفاً من العربية إلى اللاتينية منها كتاب القانون في الطب لابن سينا، وكتاب المنصوري للرازي وكتاب المناظر للحسن بن الهيثم والجزء الجراحي من كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف للزهراوي وكتاب المجسطي لبطليموس الذي ترجمه عن الترجمة العربية التي عملها الفرغاني . واشتهر من المترجمين الإسبان يوحنا الإشبيلي الذي ترجم بعض أعمال المسلمين كابن سينا والغزالي والخوارزمي والفارابي، وأديلارد أوف بلث الذي ترجم الجداول الفلكية للمجريطي (1126م) وكانت هذه الجداول تعتمد على زيج الخوارزمي ومنهم روبرت الشستري الذي ترجم كتاب الجبر والمقابلة للخوارزمي (1145م) وغيرهم، ولما أصبحت قرطبة عاصمة الحضارة العربية في إسبانيا أنشأ حكامها المدارس للطب والفلسفة والعلوم والفنون، وأنفقوا عليها بسخاء كبير إذ كانت دولتهم قد بلغت درجة عظيمة من الثراء والتقدم، واهتم عبدالرحمن الثالث الناصر (330 - 350هـ - 912 - 961م) بجمع الكتب واجتذاب العلماء للبحث والدرس والتأليف، فأصبحت حاضرته موطناً للعلوم ومركزاً طبياً اشتمل على عدد من المستشفيات والأطباء والصيادلة وعلماء الكيمياء والنبات والرياضيات والفلك والفلسفة وكانت جامعة قرطبة ومكتبتها مركزاً فريداً للعلوم والترجمة من اللغات المختلفة إلى العربية . وشابه عصر الحكم الثالث وهو ابن عم عبدالرحمن الثالث عصر أبيه في الاهتمام بالعلم والعلماء فقد كان شغوفاً بنشر العلم واهتم بمكتبة قرطبة حتى وصلت موجوداتها إلى نصف مليون كتاب، واحتوت على فهرسة مميزة مكونة من أربعة وأربعين كتاباً في كل منها خمسون صفحة، كما أرسل في طلب العلماء والكتب وكان يدفع بسخاء على شراء الكتب، ثم قلده بعض أمراء البلاد الأندلسية مثل أمراء سرقوسة واشبيلية وطليطلة وغرناطة، قلدوا قرطبة بجامعتها ومكتبتها، وكانت الجامعة تدرس علوم الطب والصيدلة والكيمياء، واشتهرت مدريد بجامعتها ومدينتها الجامعية التي كانت تحتوي على أجنحة يعيش فيها الطلبة .

[email protected]