تحقيق: إيمان سرور

تعد الأنشطة اللاصفية من أفضل الأساليب التربوية المتطورة التي تمنح الطالب فائدة وتنمي لديه مهارات ترفع من كفاءته وتحببه بالمادة العلمية التي يتلقاها من معلميه داخل الصفوف، وتبعد الملل عن الدرس الذي يعتمد على التلقين والحفظ، حيث يسهم النشاط اللاصفي في تشجيع الطلاب وتحفيزهم للمشاركة في المسابقات التي تنظم خارج أسوار مدارسهم، كما تساعدهم على تنمية مهارة التعلم الذاتي وتنمي لديهم الاستقلالية وحرية الفكر، فالطالب الذي يتعلم عن طريق الأنشطة يعوّد نفسه على المقارنة والتجريب والتفكير بعمق ما يمكنه من استخدام هذه الطريقة في حياته اليومية .
تلعب الرحلات الميدانية والمشروعات الخاصة التي يقوم بها الطالب مع أقرانه دوراً مهماً في التركيز على توظيف مهارات التفكير العلمي لديه في حل المشكلات وتشجيعه على التعلم الذاتي من خلال الأنشطة المختلفة، ولكن ما نلاحظه اليوم هو أن هناك بعض الإشكاليات والصعوبات التي تحد من فعالية تنفيذ هذا النوع من الأنشطة، كعدم اهتمام المدارس بها من حيث إدراجها في قائمة أهدافها وبرامجها السنوية، وعدم الدقة في اختيار الأصلح والمفيد منها، كما يعتبرها الآباء والأمهات مضيعة لأوقات أبنائهم .
"الخليج" بحثت مع التربويين والآباء أهمية الأنشطة اللاصفية، للطلبة ودور إدارات المدارس في تنويعها لتصبح جاذبة للأبناء، وكذلك الصعوبات والعوائق التي تحد من تنفيذها في مدارسنا، والحلول والمقترحات التي تساعد على نجاحها، لما تلعبه تلك الأنشطة من دور مهم في تجديد حيوية الطالب ونشاطه الذي ينعكس إيجاباً على تحصيله الدراسي وإبعاده عن روتين الدراسة الممل واكتشاف موهبته .
أكد تربويون في وزارة التربية والتعليم ومجلس أبوظبي للتعليم، أن الأنشطة اللاصفية التي يمارسها الطلبة في مدارسهم تظل أحد الركائز المهمة التي تتبناها الوزارة وتستند إليها لكونها تقدم تعليماً نوعياً للأبناء، فضلاً عن كونها إحدى الأساليب المتطورة لإثراء العملية التعليمية للطلاب والطالبات في مدارس التعليم العام والخاص في الدولة، وتبعد عنهم ملل الدروس الجامدة التي يتلقونها في مدارسهم، وتحسن الأجواء النفسية للطالب في ظل وجود الامتحانات التقويمية المستمرة، لافتين إلى أنها تعزز الهوية الوطنية وتؤدي إلى زيادة استيعاب الدروس إذا لم تخرج عن الاهداف التربوية الموضوعية .
وأظهر بعض استطلاعات الرأي التربوية التي قام بها مجلس أبوظبي للتعليم، أراءً للطلبة وأولياء الأمور اشاروا فيها إلى قلة وعدم تنوع وفعالية الأنشطة اللامنهجية المقدمة في مدارس أبنائهم، حيث وجهوا بإيلاء هذا الأمر المتابعة والاهتمام من قبل المختصين في المجلس وأن يعملوا مع المدارس على زيادة هذه الأنشطة بما يتوافق مع احتياجات ومواهب وميول الطلبة، وذلك من أجل إثراء المنهج من جهة وصقل شخصيات ومواهب الأبناء من جهة، ورفد الوطن بالمواهب والخبرات من جهةٍ أخرى .
في البداية يؤكد عبيد عبيد مفتاح المحرزي مدير مدرسة الصقور أن الأنشطة اللاصفية يستمتع بها الطالب ويتعلم ويبتكر، وينبغي أن يكون هناك توزيعاً متوازناً لها، وبرامج مدروسة حتى لا يمل الطالب وينفر منها ، معتبراً أن الأنشطة اللاصفية لها أثر كبير جدا في نفوس الطلبة، حيث تعمل على تجذير وتعميق ورعاية القيم وتنمية المواهب والابتكارات .
ويوضح المحرزي أن هناك أنشطة لاصفية توجه نحو النمو المعرفي العلمي للمتعلمين خارج البناء المدرسي مثل الارتباط بالجمعيات العلمية، والارتباط بمراكز الأبحاث العلمية والمكتبات، والمشاركة في مسابقات الروبوت على مستوى مدارس الدولة وغيرها من الأنشطة التي تسهم في نمو الجانب المعرفي والعلمي، ما يسهم في إبراز أهميتها باعتبارها تسهم في بناء الشخصية المتوازنة للمتعلم بشكل عام خارج حدود المدرسة .

تعزيز الهوية

وعن أهمية الأنشطة اللاصفية في تعزيز الانتماء والهوية الوطنية، تقول ابتسام الحواني الاختصاصية الاجتماعية بمدرسة المواهب: إن تعزيز القيم والهوية الوطنية يجب أن يكون مقروناً بأي نشاط لاصفي، إذ إن الهوية الوطنية تعتبر السياج الواقي للطفل أو المتعلم، ولذلك جميع ما يرتبط بتعزيز هوية الدولة، والموروث الشعبي يجب أن يصاغ صياغة علمية منهجية على شكل أنشطة لاصفية تجعل المتعلم يستشعر هوية الدولة، وأحلامه يجب أن تكون مرتبطة بجميع قيم المواطنة التي ينبغي أن يربى عليها، فالهوية الوطنية ليست بتعليم دروس الجغرافيا ولا العلوم ولا التربية الوطنية فقط ، بل هي أكبر من ذلك، حيث إن جميع المسابقات العلمية يجب أن تعنى عناية كاملة بالهوية الوطنية من خلال المحاضرات والمشاركات في الأندية وفي جميع النشاطات، وأن يعمل الجميع على تغذية روح المواطنة وغرس قيمها في الجيل .
ويقول حمد سالم المزروعي مدير مدرسة المستقبل: إن هناك بعض العوائق التي تعترض سير هذا النشاط في المدارس منها أن إدارات بعض المدارس تقوم بعرض أعمال ليست من إنتاج طلابها حيث يتم عرضها على اساس أنها من أعمال الطلبة، والتركيز على اشراك طلبة معينين في اكثر من نشاط ما يحرم بقية الطلبة من فرصة المشاركة ويؤدي إلى احباطهم، إضافة إلى عدم وجود خطة واضحة تسير عليها المدارس أثناء تطبيق الانشطة اللاصفية مقارنة بخطة المقرر المدرسي .
وحول الحلول المقترحة لنجاح النشاط اللاصفي في المدارس، يقول أحمد بن سليم الطنيجي الاختصاصي الاجتماعي بمدرسة الصقور الحلقة الثانية: إن على إدارات المدارس قبول وتشجيع إنتاجات الطلبة التي أنجزوها وفق قدراتهم وإبداعاتهم حتى وإن كانت متواضعة، واحترام كافة جهود الجماعة من دون التقليل من أهميتها مهما قلت، وأن لا يتعدى إشراك الطالب الواحد في أكثر من نشاطين، ووضع خطط تنموية لتمويل الأنشطة، وإقامة معرض سنوي تعرض من خلاله إبداعات الطلبة التي بذلوها طوال العام الدراسي من خلال الانشطة اللاصفية للتعريف بمواهبهم وإبداعاتهم للمجتمع .
ويضيف الطنيجي أن بعضاً من رواد النشاط يركزون على الجانب المعرفي والنشاط الصفي الذي يعطي فيه الكثير، حيث يشعر المعلم أن النشاط اللاصفي عبء آخر عليه فلا يستطيع أن يؤدي عمله باتقان، كما أن التزامه بالروتين لا يمكنه من الإبداع والاتيان بالجديد .

تعاون الأسرة

وتؤكد معلمة التربية الرياضية بمدرسة المواهب رانيا عبدالرحمن أن اشراك الطلبة في الانشطة الرياضية يعزز من نشر ثقافة الصحة البدنية والعقلية للطالب، ولكننا نلمس هناك عدم تجاوب بعض الآباء والأمهات في إشراك بناتهم في هذا النشاط، ونلحظ اليوم نسبة تفشي بعض الأمراض بين صفوف الطلبة كالبدانة والسكر، إضافة إلى الخمول والتذمر من الحصص الدراسية بسبب الملل، مؤكدة على ضرورة تعاون أولياء الأمور في تشجيع البنات على المشاركة في الانشطة اللاصفية، ليزيد من حماستهن في بذل المزيد من الجهد سواء في الدراسة أو الانشطة، مشيرة إلى أن الأسرة يقع عليها دور كبير في تنمية ورعاية الإبداع والمواهب في المنزل .

اعتقاد خاطئ

وتقول عفاف راضي معلمة تقنية المعلومات في مدرسة الظبيانية الخاصة: إن الإدارة المدرسية الواعية تلعب دوراً أساسياً في ترجمة الاهداف التربوية من الرحلات والأنشطة اللاصفية، وتعمل على اقناع بعض المعلمين وأولياء الأمور بأهمية الأنشطة الترفيهية منها أو العلمية أو الرياضية، خاصة أنه يوجد بين اوساط هؤلاء من يعتقد أنها مضيعة لوقت الطالب، ويركزون على الطبشور والسبورة ولا يقبلون أي تغيير في الأساليب التربوية الحديثة، مشيرة إلى ضرورة أن تحرص المدارس على تنفيذ أنشطة لاصفية بشكل مستمر حتى تتجدد حيوية الطلبة .

كسر جمود المناهج

ويقول نصر الدين عبدالرحيم الاختصاصي الاجتماعي بمدرسة الصقور: إن الأنشطة المدرسية تعد وسيلة تعليمية تربوية ناجحة لكسر جمود المناهج إذا أجيد استخدامها وتوجيهها وفق برامج علمية مدروسة، تأخذ بعين الاعتبار ألا تتحول إلى مجرد أنشطة فارغة تهدر وقت الطالب وخالية من الأهداف المعززة لمبدأ التعلم الذاتي والتعلم بالملاحظة والتطبيق المباشر .

حسن اختيار

تشير عواطف أبو الشوارب (ولية أمر) إلى أن الانشطة المدرسية الناجحة يجب أن يحرص منظموها على الاشراف الجيد عليها، وحسن اختيار العناصر الفعالة، إضافة إلى التنظيم والتخطيط الكافي قبل القيام بها حتى لا تفشل في تحقيق هدفها التربوي والتعليمي .
وطالب محمد عمر الكثيري -ولي أمر- بضرورة إدراج النشاط اللاصفي في المنهج الدراسي ووضع خطط واضحة ودقيقة وفق إمكانات المدارس وخصائص الطلبة وطبيعة المجتمع، إضافة إلى توفير الإمكانات المادية (المكان - الادوات - المال) .
وأوضحت أم مهند المنصوري أن الآباء يصل إلى مسامعهم أن أبناءهم يخرجون من صفوفهم للمشاركات في الانشطة اللاصفية وتضيع عليهم بعض الحصص الدراسية، وأن بعض أولياء الأمور يلمس أنه ليس هناك من إضافات جديدة لخبرات أبنائهم أو إثارة أفكارهم وإبداعاتهم، فضلاً عن بعض الممارسات الخاطئة من قبل بعض المعلمين والمشرفين في اختيار برامج الأنشطة التي لا يخططون لها بشكل دقيق وعلى سبيل المثال بعض الرحلات التي تضيع على الطالب يومه الدراسي دونما أية فائدة يكتسبها ولا تحقق الأهداف التربوية والتعليمية التي نظمت الرحلة أو النشاط من أجلها .