لم يتوان المسلمون لحظة واحدة عن الوصول إلى أهدافهم واستثمار الفتوحات لرفع راية الإسلام . ولم تخل على مدى سنواتها الطويلة من مواقف تؤكد تمسك المسلمين بدينهم واستعدادهم للتضحية فى سبيله بالغالي والنفيس.

وبعد تزايد خبرة إرسال الحملات البرية، وتعلم المسلمين فن القتال البحري نتيجة لفتح الشام ومصر، قررت الدولة الأموية القيام بحملات عسكرية من أجل فتح القسطنطينية عاصمة دولة الروم. وكان المسلمون قد واجهوا في طريقهم لبناء الدولة الإسلامية الجديدة قوتين كبيرتين هما: دولة الفرس، ودولة الروم وعلى حين نجح المسلمون مبكراً في حسم صراعهم مع القوة الأولى في معركة القادسية ودخولهم للعاصمة المدائن فقد اكتفوا بانتزاع ممتلكات دولة الروم في الشام بعد عدة معارك، أهمها اليرموك وأجنادين ثم فتح كل من فلسطين ومصر.

الحملة الأولى

بدأ التفكير في فتح القسطنطينية يراود خيال خلفاء المسلمين منذ بداية العصر الأموي؛ فعندما ولي معاوية بن أبي سفيان خلافة المسلمين كان في مقدمة الأهداف التي وضعها نصب عينيه فتح القسطنطينية، تلك المدينة الجميلة الساحرة، أشهر مدن الدولة البيزنطية وعاصمتها المتألقة. وكان لموقع القسطنطينية المتميز أكبر الأثر في اتجاه أنظار المسلمين إلى فتحها، وانتزاعها من الإمبراطورية البيزنطية التي كانت مصدر قلق دائم للدولة الإسلامية، وضم تلك اللؤلؤة العزيزة إلى عقد الإمبراطورية الإسلامية الواعدة. ويقول الباحث سمير حلمي في دراسته فتح القسطنطينية بين الحلم والحقيقة: كانت هذه المدينة محط أنظار المسلمين بجمالها وبهائها، كأنها درة قد احتضنها خليج البسفور من الشرق والشمال، وامتدت من جهة الغرب لتتصل بالبر، وتطل أبراجها وحصونها في شموخ وكأنها تتحدى الطامعين فيها، وقد برزت أسوارها العالية من حولها في كل اتجاه فتتحطم عندها أحلام الغزاة وتنهار آمال الفاتحين.

برغم تلك الأسوار المنيعة والأبراج الحصينة التي شيدها أباطرة البيزنطيين حول المدينة، فإن ذلك لم يفت في عضد معاوية، ولم يثنه عن السعي إلى فتح القسطنطينية.. وبدأ معاوية يستعد لتحقيق حلمه الكبير واستطاع في مدة وجيزة أن يجهز لأول حملة بحرية إلى القسطنطينية وقد حشد لها جيشا ضخما، وشارك فيها عدد كبير من الصحابة منهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأبو أيوب الأنصاري وجعل عليها سفيان بن عوف، وأخرج معه ابنه يزيد بن معاوية. لكن تلك الحملة لم يكتب لها النجاح، فقد حال سوء الأحوال الجوية وبرودة الجو الذي لم يعتده العرب دون استمرار المسلمين في الحصار الذي فرضوه على المدينة، بالإضافة إلى قوة تحصين المدينة التي حالت دون فتحها. وعادت الحملة بعد أن استشهد عدد من المسلمين. لكن معاوية لم ييأس ولم تفتر حماسته وإصراره على مواجهة هذا التحدي الجديد، فراح يعد لحملة جديدة، ومهد لذلك بالاستيلاء على عدد من الجزر البيزنطية في البحر المتوسط. بهدف أن تكون هذه الجزر محطات للأسطول الإسلامي عند خروجه لغزو القسطنطينية.

حرب السنوات السبع

ظل حلم القضاء على دولة الروم يراود الخلفاء الراشدين، دون محاولة جدية لتحقيقه، غير أن الأمر انتقل من مساحة الحلم إلى حيز الواقع الميداني على عهد الخلافة الأموية، بعد أن اشتد عود الدولة الإسلامية الفتية. واستطاع معاوية أن يضيق الخناق على الدولة البيزنطية بالحملات المستمرة والاستيلاء على جزيرتي رودس وأرواد، وكان لجزيرة أرواد أهمية خاصة لقربها من القسطنطينية، حيث اتخذ منها الأسطول الإسلامي في حصاره الثاني للمدينة أو حرب السنين السبع قاعدة لعملياته الحربية، وذلك أن معاوية أعد أسطولا ضخما وأرسله ثانية لحصار القسطنطينية، وظل مرابطا أمام أسوارها من سنة 54 إلى سنة 60 هجرية، وكانت هذه الأساطيل تنقل الجنود من هذه الجزيرة إلى البر لمحاصرة أسوار القسطنطينية. وأرهق هذا الحصار البري والبحري البيزنطيين وأنزل المسلمون بهم خسائر فادحة. وتجدد الأمل في فتح القسطنطينية في مطلع عهود العثمانيين، وملك على سلاطينهم حلم الفتح، وكانوا من أشد الناس حماسة للإسلام وأطبعهم على حياة الجندية؛ فحاصر المدينة العتيدة كل من السلطان بايزيد الأول ومراد الثاني، ولكن لم تكلل جهودهما بالنجاح والظفر وشاء الله أن يكون محمد الثاني بن مراد الثاني هو صاحب الفتح العظيم. وعندما دخل محمد الفاتح المدينة ظافرا ترجل عن فرسه، وسجد لله شكرا على هذا الظفر والنجاح، ثم توجه إلى كنيسة أيا صوفيا حيث احتشد فيها الشعب البيزنطي ورهبانه، فمنحهم الأمان، وأمر بتحويل الكنيسة إلى مسجد، وأمر بإقامة مسجد في موضع قبر الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري.

لقد عاش أبو أيوب حياته غازيا حتى قيل إنه لم يتخلف عن غزوة غزاها المسلمون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته ظل جنديا في ساحات الجهاد وكانت آخر غزواته حين جهز معاوية جيشا بقيادة ابنه يزيد لفتح القسطنطينية وكان أبو أيوب وقتها بلغ الثمانين من عمره ولم يمنعه كبر سنه من أن يقاتل في سبيل الله ولكن في الطريق مرض مرضا أقعده عن مواصلة القتال وكان آخر وصاياه أن أمر الجنود أن يقاتلوا وأن يحملوه معهم ويدفنوه عند أسوار القسطنطينية ولفظ أنفاسه. وبالفعل استجاب جند المسلمين لرغبة صاحب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وكروا على جند العدو الكرة بعد الكرة حتى بلغوا أسوار القسطنطينية وهم يحملون أبا أيوب معهم. وهناك حفروا له قبرا وواروه فيه.