قبل مئات السنين عاشت شعوب تنحدر أصولها من قارة آسيا في المناطق الغربية من قارة أمريكا الجنوبية وذلك في أراض متدرجة من قمم سلسلة جبال الأنديز البركانية على طول الساحل الغربي إلى السهول الخصبة في الوسط والشرق والتي تقطع مراعيها الخضراء أنهار عدة وجميلة تنتهي معظمها في المحيط الأطلسي على السواحل الشرقية لأمريكا الجنوبية.

تلك الشعوب بدت كالشعوب البدائية الجاهلة والمتوحشة لكنها استطاعت أن تبني لنفسها امبراطورية عظيمة نافست الامبراطوريات الأوروبية التي كانت في قمة مجدها خلال منتصف القرن السادس عشر حيث ذهل الاسبان مما رأوا بأعينهم حين غزوا امبراطورية الأنكا.

شعب الأنكا قد يبدو للعيان أنه شعب متخلف في شكله وطريقة معيشته إلا أن هذا الشعب حير العلماء بسبب البصمة التي تركها بفضل روعة الإرث الذي تركوه لدرجة أنه قيل في ذلك الزمن شعب الأنكا قادم من عالم آخر ليس عالمنا.

وتشمل أرض الأنكا بوليفيا والبيرو والإكوادور وجزءاً من تشيلي والأرجنتين. وقد بنى شعبها عاصمتها كوثكو وهي مدينة مترفة ومليئة بالقصور والمعابد وتقع على ارتفاع 11 ألف قدم فوق مستوى البحر وأطلق عليها اسم مدينة الشمس المشرقة.

بنى شعب الأنكا دولة عادلة اجتماعياً ووضعت الحكومة يدها على الأرض لضمان القوة للشعب كما وضعت يدها على المعادن الثمينة كالذهب والفضة والحديد وغيرها وقطعان الماشية لا سيما حيوان اللاما الذي يعتبر وسيلة التنقل لشعب الأنكا.

يقوم اقتصاد البلاد كله على الزراعة وكان هذا الأمر يتطلب تخطيطاً دقيقاً كي تسد الموارد الزراعية حاجات سكان جميع الأراضي التي تم ضمها عبر حملات متتالية فكان من الطبيعي أن تحسب هذه المجتمعات الزراعية حساب الشمس وأن تأخذ بعين الاعتبار نزوات هذا النجم العملاق.

وشعب الأنكا مشهور بإنتاج محاصيل ممتازة حيث كانوا يجلبون المياه من المناطق الجبلية كما بنوا جسوراً قوية من أغصان الكرمة والصفصاف المتماسكة بالحبال وقد أبدعوا في صناعتها أيما إبداع، كما أتقن شعب الأنكا النسيج القطني الناعم الذي اندهش منه الإسبان وظنوه حريراً.

طقوس شروق الشمس

تعني كلمة الأنكا الابن أو الملك الأوحد للشمس. وثمة ظاهرة غريبة عند هذا الشعب حيث يجب أن يتزوج الملك شقيقته حتى يتم الحفاظ على الدم الملكي المقدس بالنسبة لهم، وتسمى الملكة كويا. وتقول عقيدتهم إن الملك والملكة الشقيقين والمتزوجين ينحدران من إله شعب الأنكا وهو إله الشمس. ويقال إنه كان في أحد الأزمان 400 طفل نتيجة زواج الملوك من شقيقاتهم الملكات، وكان يحق للملك أن يهدي زوجة إضافية للنبلاء من رؤوس القوم. ولا تزاد هذه العادة موجودة حتى اليوم لدى الأغنياء الذين يقطنون غابات منعزلة عن العالم الخارجي في بيرو والإكوادور وبوليفيا وبعض دول أمركيا اللاتينية.

ويطلق الأنكا على عيد الشمس اسم انتي رايمي ويتم الاحتفال به في 21 يونيو/ حزيران من كل عام وهو التاريخ الذي اختاره حكام امبراطورية الأنكا القديمة للاحتفال بعيد ديني مهم هو عيد إله الشمس. وفي هذا اليوم يجتمع أعضاء مجتمع الأنكا وسط الساحة الكبرى حول مواقد نارية صغيرة لأنه في هذا التاريخ يكون قد حل أول يوم في فصل الشتاء، ويكون هذا الاجتماع قبل طلوع الشمس وفق ترتيب اجتماعي حيث ينتظر هؤلاء طلوع الشمس وهم حفاة جالسين القرفصاء. وعند شروق الشمس يعم الفرح قلوب الحاضرين فيستقبلون الههم بأذرع مفتوحة وأيد ممتدة نحو الشرق. وبعد تحيتهم لإشراق الشمس، يتوجه أفراد تجمع الأنكا إلى معبد الشمس والقمر، وهم يسيرون في موكب رسمي يترأسه الرئيس بالطبع حيث يدخل إلى المعبد ويقدم للإله الهبات العديدة. ويضحي الرئيس بلاما أسود على مذبح المعبد ويتفحص مع المرافقين أحشاءه لقراءة المستقبل. ولو ضعفت أشعة الإله الشمس بسبب غيمة عابرة ولم تكن هذه الأشعة قوية بما فيه الكفاية كي تشعل النار بواسطة انعكاسها، يكون ذلك بالنسبة للأنكا نذير شؤم لأنه يعني أن الإله غير راض عن الأضحية. وأنه يتوجب محاولة كسب رضاه بأضحية جديدة.

وبعد تكريم الإله الشمس الذي يشعل المواقد بأشعته تقوم راهبات الشمس الشابات بشوي لحوم الأضاحي وتوزيعها على الجمع مع كعك الذرة. وفي نهاية هذه المأدبة الاحتفالية الكبيرة، يقوم الرئيس بتقديم المشروب للكهنة ولكبار المسؤولين في الامبراطورية، ويقوم هؤلاء بدورهم بتقديم مشروب مقدس له يسمى التشيتشا. واليوم يشرب الجميع هذا الشراب بعد أن زالت امتيازات الطبقات عند الأنكا والتي تبدأ بالملك والنبلاء (الأوريجونز) ثم عامة الناس (الرونا) ثم خدم المنازل (اليانكوناز) وأخيراً العبيد (الميتيمايز).

مقابلة الملك

وثمة ضوابط وشروط لمن يريد الدخول إلى الملك، فمن يريد مقابلته عليه أن يحمل على ظهره حملاً ثقيلاً وأن يدخل زحفاً وأن لا يرفع رأسه ولا ينظر إلى الملك أبداً. وفي هذه الأثناء يكون الملك محاطاً بزوجاته اللائي يكن على استعداد تام للقيام ببعض الطقوس لمنع السحر الذي ربما قد يجلبه عامة الناس معهم من أجل الايقاع بالملك وتسهيل قضاء حوائجهم.

ويرتدي الملك قناعاً ذهبياً على شكل شمس اسمه (ماسكيباثا) ويمسك بيده صولجاناً يحتوي على ثلاثة رؤوس لصقور ثم يحمل الملك على هودج ولا يطأ الأرض بقدميه أبداً ويرتدي ثياباً فاخرة من الصوف مرصعة بالأحجار الكريمة وعلى رأسه قبعة بها ريش نعام وحلقتان ذهبيتان.

ولا يبدأ العيد الشعبي فعلياً إلا بعد انتهاء الطقس الديني وعندها فقط يعبر الهنود عن فرحتهم ويحاولون تجاوز مخاوفهم في الرقص والغناء.

وحتى وقت متأخر من الليل يرقص عباد الإله الشمس بأزيائهم الوهاجة على مصطبة المعبد إلى أن تصعد أغنياتهم حسب اعتقادهم نحو السماء السوداء المزينة بالنجوم.

وهنا يمكن القول إن الأمل عاد إلى قلوب الأنكا لأنهم حسبما يعتقدون أتموا واجباتهم وفعلوا ما هو ضروري لكسب رضا الإله، وغداً صباحاً سوف يشرق عليهم من جديد ويرسل بأشعته البراقة إلى الأرض لإخصابها.

ومن الملاحظ أن تركيز شعب الأنكا في عبادته كان على الشمس (الإله الأكبر) بالنسبة لهم ولذا فقد بنوا للشمس أهرامات ضخمة مدرجة اعتقاداً منهم أن أشعة الشمس حين تصل إلى قمم تلك الأهرامات يجعل الإله الأكبر راضياً عن شعب الأنكا.

عادات وتقاليد

للرجل السيادة المطلقة عند الأنكا لكن للمرأة أيضاً دور مهم في الحياة بجانب الرجل حيث يقسم العمل بينهما معاً كما تقسم الحصص والمحاصيل. والمرأة هي المسؤولة عن التربية والبيت. والزواج لدى الأنكا يكون في سن مبكرة وعادة ما يكون ما بين 15-20 سنة. وليس للزوج أن يحب أية فتاة بل الأسرة أو الزعماء هم من يحددون ذلك وهم من يختارون الزوجة للشاب. وأساس الزواج لديهم مبني على التوالد وكثرة الإنجاب لحاجتهم الشديدة للأيدي العاملة. وربما يمكننا أن نستنتج من ذلك أن شعب الأنكا لا يعشق ولا يحب فالزوج ليس له يد في اختيار الزوجة والزواج هو من أجل زيادة العدد فقط وليس للاستقرار والراحة.

ولقرون عدة احتار العلماء بطريقة شعب الأنكا في الكتابة حيث كانوا يستخدمون طريقة مغايرة لما تعارفت عليه كل الحضارات فقد كانوا يكتبون بالحبال. وقال علماء أمريكيون إنهم تمكنوا في الآونة الأخيرة من معرفة كلمة واحدة بعد دراسات عدة وهي اسم للمدينة التاريخية (بوروتشوكو)، وهم بهذا اقتربوا من حل هذا اللغز الكبير الذي حير أجيال العلماء لسنوات طويلة. وهذه الكلمة هي أول كلمة تم التعرف إليها من هذه الحضارة البائدة. ويطلق على هذه الحبال اسم كيبو وقد تم اكتشاف 700 حبل منها حتى الآن. ويرى العلماء أن حلهم لهذه الكلمة سيساعدهم على معرفة المزيد من الكلمات التي كتبت بهذه الطريقة المعقدة.