أ.د. حميد مجول النعيمي

«يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج...»، (البقرة: 189) إن حساب ولادة الهلال وحساب موقعه في أي لحظة مطلوبان دائماً في أي مكان من العالم، وهذا النمط من الحسابات الفلكية ممكن ومتاح تماماً بدقة لا يرتقي إليها الشك من الناحية العلمية التطبيقية، وما زال العديد من الأمم في يومنا هذا يتخذ الأشهر القمرية أساساً في تقاويمه والمسلمون منهم على نحو خاص. إذ ترتبط أغلب العبادات والمناسبات الدينية ارتباطا وثيقا بالأشهر القمرية :كالصيام والحج، كما في قوله تعالى: «فمن شهد منكم الشهر فليصمه»، (البقرة: 185)، «الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج»، (البقرة: 197)، لكن معضلة تحديد أول رمضان أو عيد الفطر مثلاً تبقى معلقة فقهياً برؤية الهلال بالعين المجردة، فبعض المسلمين (في بعض الدول) قد يوفق إلى رؤية الهلال وبعضهم يشتبه في رؤيته، ومنهم من لا يتمكن البتة من رؤيته وبذلك يحصل الاختلاف في توقيت بداية رمضان أو عيد الفطر. إذ إن المتتبع لحركة القمر يشاهد وجهه المضيء يتغير بين ليلة وأخرى، فخلال الشهر القمري الواحد نشاهد تقدماً منتظماً لهذا التغير، يبدأ من محاق إلى هلال متزايد ثم تربيع وأحدب متزايد والى بدر ثم إلى أحدب متناقص وتربيع ثم هلال متناقص والرجوع إلى المحاق.

وفي بعض البلاد الإسلامية يتم تعيين أوائل الأشهر القمرية بالحساب، إذ تقيم حساباتها على أساس وقت المحاق (ولادة القمر) وعندها تعلن أول الشهر القمري ليكون اليوم الذي يلي يوم الولادة، وفي بلاد أخرى تعتمد الزمن الذي يمكن أن يرى فيه الهلال، وعندها تعد الأيام التي تلي أيام الرؤية أول الشهور المذكورة، وهناك بلاد إسلامية أخرى تعتمد على شروط خاصة حسب موقع الهلال في الأفق.

إن احتمال أن يكون الفرق بين مدينتين إسلاميتين مدة يومين قمريين من أيام الشهر الاقتراني احتمال ضعيف لكنه ليس مستحيلاً إذا تباعدت المسافة بينهما بين اتجاهين متناقضين. كما أن فرصة توالي عدة أيام (حتى ثلاثة أيام) بمعدل 30 يوماً في الشهر القمري لكل منهما، هو الآخر ليس بعيداً، بل ممكن في مدينة واحدة، وأن محاولة جعل يوم ولادة القمر يوماً واحداً في كل البلاد الإسلامية يعد ضرباً من المستحيل عملياً حسب خطوط الطول، إلا في حالة اتفاق كامل لعلماء المسلمين في تحديد مدينة واحدة كأن تكون مكة المكرمة تحسب فيها ظروف رؤية الهلال فلكياً وشرعياً ومن ثم يتم تحديد بداية الشهر الهجري حسب خطوط طول وعرض تلك المدينة، وتتبعها بقية دول العالم الإسلامي، في هذه الحالة فقط سيصوم جميع المسلمين في يوم واحد ويفطرون في يوم واحد، وغير ذلك سيبقى الاختلاف من يوم إلى يومين وربما إلى ثلاثة.
ما الحكمة من التوسل بالشهر القمري المتغير على حساب الشهر النجمي (الشمسي) المستقر نسبيا؟ ولقد حشرنا كلمة المتغير مقابل صفة المستقر على سبيل التمثيل المجازي بالواقع الحسابي المتعدد في الأشهر القمرية بالطبع. أما الجواب فلن يكون واحدا أو محصورا بمعلومة معينة أو بعينها، مع ذلك فإن الجانب الفيزيائي منه يؤكد قدم الشهر القمري على الحداثة النسبية للشهر الشمسي بسبب سهولة متابعة متغيرات شكل القمر وتحديد التوقيت الملازم لكل منها، وهو في آخر الأمر ذو علاقة بالأرض والشمس معاً، وأن القمر نفسه بازغ في الليل يلفت النظر بنوره المتغير (والقمر إذا اتسق) هو الآخر في الشدة ولكن في الجانب النفسي والفكري فإننا نرى أن التطلع إلى الشمس مباشرة متعذر لسطوعها الباهر، إنما التطلع لضيائها على الأرض وفي الأرض وآثاره الممكنة وهي (آية) كما القمر مما نعلم، إلا أن التطلع إلى القمر يعني التطلع إلى السماء وهذا يعني التفكر بخلق الله العظيم وملاحظة المجرات والنجوم والكواكب بأشكالها الجميلة والهندسية والصورية المتخيلة، فيزداد المؤمن إيماناً ويتعمق العالم علماً، ويفيض المتأمل حكمة، فالنظر إلى فوق لا يوازيه النظر إلى أسفل، وما سوى ذلك فمختلف والله أعلم! ولكن على الرغم من ذلك، فليس من المتعذر المعالجة الحسابية في تحويل التاريخ القمري إلى تاريخ شمسي، في أي مرحلة كانت، وبالعكس على نحو دقيق أيضاً، ولكن كيف نحدد أول يوم في شهر رمضان هذا أو آخره؟ نقرأ ما سبق كله ولا نتردد، ونضيف إلى المعلومات أعلاه ما يأتي من معلومات فلكية في إشكالية الهلال.
إن الحساب الفلكي أصبح أحد العلوم المعاصرة التي وصلت إلى درجة عالية من الدقة بكل ما يتعلق بحركة الأجرام السماوية وخصوصاً حركة القمر والأرض ومعرفة مواضعها في السماء، وحساب بعضها بالنسبة لبعضها الآخر في كل لحظة من لحظات الزمن بصورة قطعية لا تقبل الشك.
إن وقت اجتماع الشمس والأرض والقمر أو ما يعبر عنه بالاقتران المحاق حدث فلكي كوني يحصل في لحظة زمنية واحدة، ويستطيع علم الفلك أن يحسب هذه اللحظة بدقة فائقة بصورة مسبقة قبل وقوعه لعدد من السنين، وفيه إشارة إلى انتهاء الشهر المنصرم وابتداء الشهر الجديد فلكياً. والاقتران يمكن أن يحدث في أي لحظة من لحظات الليل والنهار.
يثبت دخول الشهر الجديد شرعياً إذا توافر ما يأتي: أن يكون الاقتران قد حدث فعلاً قبل غروب الشمس. وأن يغرب الهلال بعد غروب الشمس في موقع إمكانية الرؤية، بمعنى أن يكون للهلال مكث (يبقى في الأفق مدة زمنية مناسبة بعد غروب الشمس)، وأن يكون في موقع مناسب من حيث ارتفاعه عن الأفق وبعده عن الشمس عند غروبها، وأن يكون هناك إمكانية لرؤية الهلال بالعين المجردة أو بالاستعانة بآلات وتقنيات الرصد في أي موقع على سطح الأرض، ولا عبرة باختلاف المطالع لعموم الخطاب بالأمر بالصوم والإفطار.

* مدير جامعة الشارقة - رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك