جاءت الشريعة الإسلامية لرعاية وتحقيق مصالح الناس، ولحاجة الناس إلى مبادلة الأعيان شرعت البيع، ولحاجتهم إلى الحصول على المنافع شرعت الإجارة، فالإجارة عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم، وهي بهذا المعنى نوعان: نوع يرد على منافع الأشياء، كاستئجار الأراضي والدور، والنوع الثاني يرد على منفعة العمل، كاستئجار شخص ليقوم بعمل ما .

ومن المقرر أن كل ما ينتفع به مع بقاء عينه تجوز إجارته، ومتى صح عقد الإجارة ثبت للمستأجر ملك المنفعة، وثبت للمؤجر ملك الأجرة، لأنها عقد معاوضة .

الإجارة جائزة عند عامة العلماء، واستدلوا على جوازها بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول، فمن الكتاب قوله تعالى: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِن خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِي الْأَمِينُ) وقوله تعالى: (لَوْ شِئْتَ لَاتخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً .

ومن السنة: ما رواه البخاري أن عائشة رضي الله عنها قالت: استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من بني الديل هادياً خريتاً، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث .

فقيام النبي صلى الله عليه وسلم باستئجار الدليل، دليل على جواز الإجارة، كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: من استأجر أجيراً فليسم له أجره، وقوله عليه الصلاة والسلام: أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، وكل ذلك يدل دلالة قاطعة على جواز الإجارة . وقد انعقد الإجماع على ذلك .

ومن المعقول: أن حاجة الناس إلى المنافع كحاجتهم إلى الأعيان، فلما جاز العقد على الأعيان، وجب أن يجوز العقد على المنافع، ذلك أن الشخص قد يحتاج إلى منافع أعيان لا قدرة له على ابتياعها، وإن كان يسهل عليه استئجارها وتحصيل منفعتها، فجازت الإجارة لتحقيق ذلك .

أركان وشروط

تتمثل أركان الإجارة في:

1 العاقدين وهما المؤجر والمستأجر .

2 المعقود عليه، وهو الأجرة والمنفعة .

3 الصيغة وهي عبارة عن الإيجاب والقبول .

ويشترط في العاقدين أهلية التصرف، كما يشترط في الصيغة أن تكون بلفظ دال على مقصود المتعاقدين . أما المعقود عليه، وهو الأجرة والمنفعة فيشترط فيه ما يلي:

1 أن تكون المنفعة معلومة، إذ لو كانت مجهولة لوقع النزاع ولما أمكن التسليم والتسلم، فلا يحصل المقصود من العقد .

2 أن يكون المعقود عليه مقدوراً على تسليمه، فلا تجوز إجارة متعذر التسليم .

3 أن تكون المنفعة المعقود عليها مباحة شرعاً، فلا يجوز استئجار المنافع المحرمة .

وقد استطاعت البنوك الإسلامية أن تستخدم عقد الإجارة بما يحقق مصالح عملائها وتشغيل رؤوس أموالها، وبالتالي تحقيق مصالح المجتمع، وقد تم ذلك بالأسلوب الذي عرف باسم الإجارة المنتهية بالتمليك، وهو أسلوب من أساليب عمليات التمويل المهمة التي تقدمها البنوك الإسلامية لعملائها، فهي تقتني الأصول من أجل وضعها تحت تصرف عملائها لاستيفاء منافعها بمقابل، ويحصل تمليك الأصل في نهاية عقد الإجارة بوثيقة مستقلة، بعد أن يكون هناك وعد بذلك منذ البداية .

ويختلف ما تقوم به البنوك الإسلامية عما تقوم به البنوك التقليدية بأن المخاطر والأعباء والنفقات هنا على البنك الإسلامي، بعكس ما يقوم به البنك التقليدي من إلقاء المخاطر كلها على المستأجر، إذ يظل البنك الإسلامي مسؤولاً عن الأصل الذي يملكه، ويتحمل مخاطر ذلك . والإجارة المنتهية بالتمليك تفضل كثيراً أسلوب المرابحة من حيث المرونة في جدولة الأقساط، وطول فترة تحمل المخاطر فيها، بعكس المرابحة التي تكون فيها فترة تحمل المخاطر من قبل البنك قصيرة .

أنواع مستحدثة

ولم تقتصر تطبيقات الإجارة على صيغ الإجارة لمنفعة كامل الأصل سواء كان معيناً أو موصوفاً في الذمة، وإنما ظهرت أنواع مستحدثة يتم فيها استئجار حصة مشاعة في منفعة أصل، وليس مَنْفعة كامل الأصل، وهذا ما يسمى بعقود التملك الزمني التايم شير، وتعني هذه العقود أن يتملك الشخص مثلاً، حق الانتفاع بوحدة إقامة فندقية خلال وحدات زمنية معينة (عدد من الأسابيع أو بالأيام) من كل عام لعدد من السنوات يتفق عليه، وذلك مقابل عوض نقدي معلوم، إذ يقسم العقار إلى وحدات مكانية، تقسم إلى وحدات زمنية، تملك للمنتفعين ضمن شروط محددة، ويقسم المنتفع حصته من الوحدة السكنية مع باقي المنتفعين، بحيث يحصل كل منهم على فترة زمنية محددة للانتفاع بالوحدة، ويسلمها لمنتفع آخر عند انتهاء مدته، من خلال الإدارة الخاصة بالمشروع، ويلتزم المشترك بدفع الاشتراك السنوي المتفق عليه مقدماً، لإدارة المشروع، وذلك لتغطية المصاريف السنوية اللازمة للصيانة والكهرباء والمياه والحراسة . . إلخ .

ولقد انتشرت تطبيقات عقد التملك الزمني في كثير من البلدان الإسلامية، وامتدت هذه الصيغة لتشمل مجموعة مشروعات سكنية مجاورة للحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، حيث اعتمدت السلطات السعودية قرار تطبيق نظام المشاركة في المنفعة، بعد التوصية بذلك من لجنة تطوير مكة المكرمة والمدينة المنورة، كما وافقت على السماح لكل المسلمين بالاستفادة من هذا النظام، وتم لغير السعوديين تملك عقارات لأول مرة بجوار الحرمين الشريفين .

* مدير مركز الاقتصاد الإسلامي في جامعة الأزهر