ندر أن كانت العلاقة بين أصحاب الحرفة الواحدة، مهنية كانت أم إبداعية، خالية من العيوب والشوائب . ولعل الأمر يعود بشكل أو بآخر إلى الطبيعة الإنسانية ذاتها التي ترغب دائماً بالتفوق والتميز وتجنح إلى التوجس ممن يشاطرها المجال إياه والمهنة ذاتها . فهي ساعتئذ تشعر بالتهديد ومحاولة الإلغاء، عن حق أو غير حق، وتتوسل الدفاع عن هويتها المهددة ما يتعدى المنافسة الطبيعية والمشروعة بين المتبارين لتصل إلى حدود العداء والكراهية المضمرة أو المعلنة . وما الحديث الشعبي الشائع عن عداوة الكار أو المهنة إلا الترجمة الطبيعية والمستندة إلى تاريخ طويل من الأمثلة والمعاينات للعلاقة غير الودية بين المشتغلين في مضمار واحد بدءاً من الزعماء والقادة وأهل الأدب والفن والثقافة، وليس انتهاء بالتكنوقراط والتجار ورجال الأعمال والمال وصغار الكسبة وذوي المهن الدنيا . وإذا كانت العلاقة بين أرباب السياسة والحكم والمال تتجاوز في عدائيتها الحدود المعقولة لتصل إلى حد الاغتيال والإلغاء الجسدي فإن العلاقة بين الأدباء والمبدعين نادراً ما وصلت إلى هذا الحد بل ظلت لحسن الحظ محصورة في التهاجي والتحاسد والتراشق الكلامي .
منذ قابيل وهابيل وما استدرجته الخطيئة الأولى من نتائج وتداعيات بدت الطبيعة الإنسانية لسوء الحظ غير بريئة تماماً من الافتتان بمشهد الدم المراق والجنوح المتكرر إلى الجريمة، لكن الأمر المثير للدهشة هنا هو كون الجريمة التأسيسية قد حدثت بين أخوين شقيقين يفترض أن يقف أحدهما إلى جانب الآخر في مواجهة الطبيعة الشرسة والوحوش الضارية، وإذا صحت الروايات بأن السبب الباعث على القتل هو تنافس الأخوين العدوين على قلب أختهما الفاتنة، فإن الأمر يؤكد ما للغيرة المرضية والأنانية المقرونة بحب الامتلاك من دور أساسي في انحراف البشر عن جادة الصواب وانطلاق الوحش الكامن في دواخلهم من عقاله الأخلاقي، واللافت في هذا السياق أن تكون الجريمة الثانية أيضاً قد وقعت بين أشقاء، وعلى مستوى آخر من مستويات الحسد والغيرة حيث عمد إخوة يوسف الصديق إلى رميه في بئر مهجورة تاركين إياه لموت محقق لم تنجه من وقوعه سوى صدفة تشبه المعجزة .
لم تكن هاتان الحادثتان المتضمن ذكرهما في الكتب المقدسة معزولتين تماماً عن سباق تاريخي طويل ظلت معه المأساة تجدد نفسها في كل عصر . وإذا كان من المفهوم، وغير المبرر بالطبع، أن يعمد طغاة وزعماء كثر في التاريخ إلى التخلص من منافسيهم الحقيقيين والمفترضين عن طريق الإلغاء الجسدي، فإنه لمن غير المفهوم ولا المبرر أن يعمد الأب إلى قتل ابنه أو الابن إلى قتل أبيه أو الأخ إلى قتل أخيه إرضاء لغريزة السيطرة وشهوة الحكم . ولعل ما حدث بين الأمين والمأمون في العصر العباسي الأول هو الوجه الأكثر قتامة وإثارة للأسى للعلاقة الملتبسة بين الإخوة .
لا أذكر في حدود ما أعلم على الأقل، أحداثاً دموية مماثلة وقعت بين الشعراء والفنانين والكتاب، لكن ما أعرفه أيضاً هو أن الرغبة في القتل والإلغاء عند الصفوة الثقافية والإبداعية لا تختلف عما هي عليه عند الزعماء والقادة وأرباب النفوذ والمال، وإذا لم يعمد المثقفون إلى قتل منافسيهم بالسيف أو الرصاص فقد لا يكون تصرف المرء ناجماً عن تعفف وطهارة مجردين بل أغلب الظن عن جبن جسدي وعصبي أو خوف من التبعات والعواقب الوخيمة، على أن سلاح الكلام الذي يلجأ إليه البعض لمحو الآخر وشطبه الرمزي من الوجود ليس أقل ضراوة من السلاح المادي، خاصة أن الكلام مشتق من الكلم أو الجرح، وهو قادر بالتالي على أن يحدث من الإصابات النفسية والمعنوية ما لا قبل لأحد بالشفاء منه .
على أن ما يثير الانتباه هنا هو كون أقسى العداوات التي تقوم بين الشعراء والمبدعين إنما تقوم بين المتقاربين في العمر والموهبة والريادة والموقع لا بين المتباعدين والمتغابرين والمتفاوتين في الأهمية والدور، هكذا شهدنا على امتداد القرنين الفائتين خصومات وعدوات شرسة بين من كان يفترض بهم أن يكونوا في موقع التآزر والتكامل والخندق الواحد في مواجهة التخلف والجهل . فما كان يجمع بين السياب والبياتي، على سبيل المثال لا الحصر، من خروج على السائد وانخراط في معركة الحداثة واعتناق للفكر إياه هو أكثر بكثير مما فرقهما، لولا شعور الأنا الفردية بخطر المنافسة على التفرد والريادة . ثمة ثنائيات كثيرة مماثلة يمكن استحضارها في هذا المجال كما كان حال جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، أو سعيد عقل والأخطل الصغير، أو محمود درويش وسميح القاسم وصولاً إلى العلاقة المعقدة والملتبسة بين درويش وأدونيس . والأرجح أن الإعجاب والحب المضمرين هما الوجه الآخر للمنافسة الشرسة التي تقارب حدود العداء بين الثنائيات الأدبية وغير الأدبية بما يجعل من مقولة الإخوة الأعداء قابلة للتجدد والتكرار في غير زمان ومكان .