في 31 مايو/أيار من العام 1934 كان انطلاق أول أثير عربي في مصر، بكلمتين بسيطتين أطلقهما الإذاعي أحمد سالم، بقوله: هنا القاهرة، وأعتبر ذلك إيذانا بانطلاق الإذاعة المصرية، التي افتتح برامجها قيثارة السماء الشيخ الراحل محمد رفعت. وعلى الرغم من أن هذا التاريخ، هو المحفوظ في ذاكرة الإذاعيين خصوصا والإعلاميين عموما ببدء أول صوت إذاعي، ليس في مصر وحدها، ولكن في العالم العربي، إلا أنه سبقته إرهاصات وبدايات لإذاعات مصرية خاصة، ترجع إلى العام ،1925 حيث كانت إذاعة مصر الجديدة، هي أول إذاعة أهلية، وبعد عامين افتتحت محطة أهلية أخرى أوروبية هي إذاعة سابو، وفي العام 1932 افتتحت محطة راديو الأمير فاروق وكانت للملك فاروق في ما بعد. والواقع فإن تاريخ المحطات الأهلية في مصر قبل افتتاح الإذاعة الرسمية، له تاريخ طويل ولم يقتصر على القاهرة وحدها. ففي الإسكندرية افتتحت إذاعتان الأولى محطة راديو سكمبري والثانية محطة راديو فيولا.

هذه الإذاعات كان يقوم بتشغيلها هواة، لذلك استخدموها كما يحلو لهم، فبعضهم استخدمها لبث رسائل الغرام، والبعض الآخر في ترويج المخدرات. وفي أوائل الثلاثينات ألقت سلطات الأمن القبض على إحدى عصابات المخدرات التي استخدمت محطة إذاعة أهلية في توجيه أفراد العصابة لتسليم البضاعة في الأوقات المحددة.

لذلك حاولت الحكومة المصرية، آنذاك، تنظيم الإذاعات الأهلية والسيطرة عليها، لكن الأخيرة قاومت بشدة وكانت تهدأ أحيانا وتمتنع عن بث رسائل الغرام، ثم تعود مرة أخرى للعبث، إلى أن صدر قرار وزير المواصلات في 13 يوليو/تموز 1932 بوقف هذه الإذاعات، وتم توقيع عقد احتكار بين وزارته وبين شركة ماركوني البريطانية، مدته عشر سنوات وينفق عليها من حصيلة رخص استقبال الإذاعة، حيث كانت الحكومة تفرض رسوما محددة على كل جهاز راديو، إلى أن جرى تمصير الإذاعة بعد ذلك بعدة سنوات.

وانطلاقا من دور الإذاعة وتاريخها، منذ انطلاقها، وحتى يومنا الحالي، قامت مكتبة الإسكندرية بتوثيق هذا الدور، ضمن مشروعها لتوثيق تاريخ مصر المعاصر جاء التوثيق لإبراز تاريخ الإذاعة في صورة رقمية، لكونها من أكثر المؤسسات الإعلامية شهرة، والذي بمرور الوقت عول عليها أفراد المجتمع للقيام بدور واسع وشامل في كافة المجالات.

وبحسب صفاء خليفة، القائمة على توثيق تاريخ الإذاعة المصرية، فإن مشروع التوثيق يتعرض للمراحل التي مرت بها الإذاعة المصرية وهي: مرحلة الإذاعات الأهلية، ومرحلة الإذاعة في عهد شركة ماركوني البريطانية 1934 ،1947 ومرحلة تمصير الإذاعة 1947 إلى ،1952 وأخيرا مرحلة الإذاعة خلال فترة 23 من يوليو1952 إلى 6 يونيو/حزيران 1980.

وفي كل مرحلة من المراحل التي مر بها الأثير المصري، يقف المشروع عند بداية المرحلة وسماتها ومضمونها ووظائفها ومصادر تمويلها وكيف مهدت للمرحلة اللاحقة لها.

وتذكر صفاء خليفة أن المشروع تضمن توثيقا لمرحلة الإذاعات الأهلية، وأهم ما اتسمت به في الفترة التي أنشئت فيها، والمضمون الإذاعي لها، ووظائفها الاتصالية، إلى انتهاء هذه المرحلة بخضوع المحطات الأهلية لقرار وزارة المواصلات، فتوقفت هذه المحطات عن الإرسال في 29 مايو/أيار 1934.

ومن يومه مرت الإذاعة المصرية بمراحل عديدة قبل أن تحتل المكانة الحالية، وواجهت في الوقت نفسه على امتداد تاريخها صعوبات وعراقيل عديدة، وانتقلت من مرحلة إلى أخرى وفي كل مرحلة كانت تثبت أقدامها وتحاول الحفاظ على شخصيتها كمؤسسة متفردة تبحث عن استقلالها.

وتقول صفاء خليفة: إن الحكومة المصرية احتكرت حق إنشاء محطات الإذاعة اللاسلكية في جميع أنحاء القطر، خلال مرحلة شركة ماركوني البريطانية، على أن يعهد إلى إحدى الشركات الخبيرة بإدارتها لحين تدريب المصريين على القيام بهذا العمل دون منح شركة ماركوني أو غيرها امتياز الإذاعة.

وظلت الأمور على هذه الحالة، حتى بدأت مرحلة تمصير الإذاعة في الفترة من 1947 إلى ،1952 بعد أن فسخت الحكومة المصرية العقد المبرم بينها وبين شركة ماركوني التلغرافية البريطانية في 4 مارس/آذار 1947 لاعتبارات قومية وتم تشكيل لجنة استلام الإذاعة المصرية من الشركة، وتسلمت الحكومة محطة الإذاعة، وأصبحت مصرية شكلا ومضمونا منذ 31 مايو/أيار 1947 وحتى اليوم.

وفي مساء 31 مايو/أيار 1934 افتتحت الحكومة المصرية رسميا محطة الإذاعة اللاسلكية في تمام الساعة السادسة، وبدأ البث أولا بتلاوة الشيخ محمد رفعت الذي حصل على أجر قدره 3 جنيهات مصرية، ثم انطلق أول صوت صافح آذان المستمعين وهو صوت المذيع أحمد سالم.

ووقتها قال سالم: هنا القاهرة، سيداتي وسادتي: أولى سهرات الإذاعة المصرية في أول يوم من عمرها تحييها الآنسة أم كلثوم، وكان أجرها وقتها 25 جنيها نظير إحيائها للافتتاح، وإلى جانب أم كلثوم غنى في يوم الافتتاح المطرب صالح عبد الحي، ثم محمد عبد الوهاب، وتبعه حسين شوقي أفندي الذي ألقى قصيدة لأمير الشعراء أحمد شوقي بك، وأخيرا ألقى الشاعر علي بك الجارم بصوته قصيدة تحية لملك البلاد فؤاد الأول ملك مصر والسودان.

وبمرور الوقت، ظلت الحكومة والقصر الملكي يستخدمان الإذاعة، كل بما يخدم سياسته وأهدافه، حتى أن مصطفى النحاس، زعيم الوفد ورئيس الحكومة الأسبق، استخدمها لإذاعة خطابه حول إلغاء المعاهدة 1936 مع الاحتلال. وقبل أن تنتهي الحرب العالمية الثانية، كانت المعارك تدور بين الحلفاء والمحور في صحراء العلمين على أبواب الإسكندرية، لذلك أصدر مصطفى النحاس قرارا بنقل تبعية الإذاعة إلى وزارة الداخلية لتكون تحت الإشراف المباشر والسيطرة الحكومية.

وبعد هذا التاريخ، حاولت الحكومة المصرية تعزيز سيطرتها على الإذاعة، إلى أن قامت بتمصيرها، ففي العام ،1944 كانت لحظة مهمة في حياة الإذاعة، فبعد انتهاء العقد المبرم بين شركة ماركوني الإنجليزية المكلفة بإدارة المحطة وبين الإذاعة المصرية بدأ عهد جديد، تولى فيه المصريون الإدارة حتى فوجئ المستمعون صباح 23 يوليو 1952 بصوت أنور السادات يعلن قيام حركة الجيش المباركة، وبدأ الضباط يجدون طريقهم نحو مبنى الإذاعة في شارع الشريفين في قلب القاهرة وفي مقدمتهم اللواء محمد نجيب قائد الحركة.

صوت عبد الناصر

أما صوت الزعيم الراحل جمال عبد الناصر فلم يسمعه المصريون إلا بعد ذلك بعامين، وتحديدا في أعقاب توقيع اتفاقية الجلاء بين الاحتلال ومصر، وكان عبد الناصر وقتذاك رئيسا للوزراء وألقى على الأمة بيانا نقلته الإذاعة، جاء فيه: أيها المواطنون، إننا نعيش الآن لحظات مجيدة في تاريخ وطننا، إننا نقف الآن على عتبة مرحلة حاسمة من مراحل كفاح شعبنا، لقد وضع الهدف الأكبر من أهداف الثورة منذ هذه اللحظة موضع التنفيذ الفعلي، فقد وقعنا الآن بالأحرف الأولى اتفاقا ينهي الاحتلال وينظم جلاء القوات البريطانية عن أرض مصر الخالدة.

وتشير صفاء خليفة إلى أنه منذ قيام الثورة بدأت الإذاعة مرحلة جديدة شكلا ومضمونا، وعرفت الثورة منذ اللحظة الأولى أهمية الإذاعة، ما جعلها تسهم في ربط الإذاعة بالجماهير، في كافة القيادة السياسية، وأنها لذلك ساهمت قي تكوين الشخصية المصرية بل والعربية منذ انطلاقها في العام 1934 وأثناء انتقالها إلى مرحلة جديدة في عام 1952 وحتى اليوم.

ونظرا للدور الذي كانت تلعبه الإذاعة في تشكيل الوجدان المصري والعربي، ودعم القضايا والمشاريع القومية الكبرى، تعرضت لضربة عسكرية من قبل العدوان الثلاثي على مصر، وذلك في العام ،1956 في الوقت الذي كانت قد وضعت فيه حكومة الثورة خطة طوارئ لإعادة تشغيلها في ظروف الحرب، وهو ما جرى بالفعل عندما بدأ العدوان وضرب المحطة، إلا أن صوت الإذاعة لم يغب، بعدما أنشأ المهندسون المصريون محطات احتياطية تعمل بصفة مؤقتة.

ومن رحم الثورة، انطلقت محطات إذاعية أخرى، كان أولها صوت العرب، ذلك الصوت الذي كان باعثا للمناضلين في تحرير بلادهم من نير الاحتلال، وكان أول رئيس لها الإذاعي أحمد سعيد، إلى أن توالى بث الإذاعات المتخصصة، كإذاعات القرآن الكريم، التي أمر عبد الناصر، رئيس الوزراء آنذاك، د.عبد القادر حاتم بإنشائها لمحاصرة المد الشيوعي، إلى أن توالى بث الإذاعات المتخصصة، حتى اكتملت الصورة اليوم بشبكات إذاعية هائلة، هناك من يراها تخمة في جسد الإعلام المصري.