أخبر الله عز وجل في كتابه الكريم بأنه منح الانسان إرادة بها يختار ما ينفعه، ويعرض عما يضره قال الله تعالى: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب (الشورى: 20)، وقال الله تعالى: من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحورا، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فاولئك كان سعيهم مشكورا، كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (الاسراء: 18-20) وقد أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يخير ازواجه في البقاء معه أو الطلاق فاخترن رضي الله عنهن الله ورسوله قال الله تعالى: يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين امتعكن واسرحكن سراحاً جميلا، وان كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيما (الاحزاب: 28-29)، وقد خير الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم في الزواج من المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وبين الله تعالى ان الزواج هبة من دون مهر، خاص به صلى الله عليه وسلم دون غيره من المسلمين قال الله سبحانه وتعالى: وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين (الاحزاب: 50) فللانسان إرادة يختار من خلالها ما يسعده أو يتعسه، ويقدم بها على ما فيه صلاحه وفلاحه، أو ضلاله وخسارته، لذلك فإن الوعي بما ينبغي ان تكون عليه الارادة يعد من المهمات الأساسية في ضبط السلوك.
مشيئة الله
للعبد مشيئة وإرادة ولكنهما تبعاً لمشيئة الله عز وجل وإرادته قال الله تعالى: لمن شاء منكم ان يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين (التكوير: 28-29) فللعبد مشيئة لمن شاء منكم ولكنها تتبع إرادة الله تعالى الذي شاء واراد كل ما في الكون من مخلوقات وما تشاؤون إلا ان يشاء الله رب العالمين وذلك لأن الله تعالى خلق الخير وضده. ولم يخلقهما الله تبارك في علاه إلا لأنه أرادهما وشاءهما كونا لحكمة بالغة، وتقدير محكم. وإذا كان الله عز وجل خلق الايمان والكفر، الطاعة والمعصية وارادهما كونا، فإنه سبحانه وتعالى أراد من عباده الإيمان والطاعة، ولم يرد منهم الكفر والمعصية شرعاً، ولذلك فطرهم سبحانه وتعالى على توحيده ومحبته، وجبلهم على التمييز بين الخير والشر، النافع والضار، ومنحهم العقل الذي من خلاله يربط العبد بين ما بداخله من معان فطر عليها، وما يعيشه في الخارج من وقائع واحداث يحتاج ان يفرزها ليختار منها ما يوافق فطرته ويعود عليه بالنفع ولا يسبب له ضرراً، واخبر الله عز وجل أنه بين للانسان طريق الخير ليسلكه، وطريق الشر ليجتنبه قال الله تعالى: إنا خلقنا الإنسان من نطفة امشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا (الانسان 2-3)، وللتأكد من سلامة الفطرة، ورجاحة العقل وحسن الاختيار، بعث الله عز وجل الانبياء والرسل لترغيب الناس في طاعة الله تعالى، وارشادهم لما فيه صلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة وتحذيرهم من معصيته، وما ينتظرهم من عقوبة على مخالفتهم لأمره قال الله تعالى: رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيما (النساء: 165).
حرية الاختيار
فما أراده الله عز وجل كونا قد لا يريده من عباده شرعا لذلك منحهم الله عز وجل الإرادة التامة التي تمكنهم من الاختيار وإلا فما الفائدة من الإخبار بأنه دلهم على سبيل الشكر والعرفان، وطريق الكفران والنكران؟ وما فائدة ارسال الرسل تنذر وتبشر؟ ولقد دلل الله عز وجل على ما منحه للناس من قدرة على الاختيار من خلال واقع الناس المعيش فقال الله تعالى معاتباً نبيه صلى الله عليه وسلم وصحابته على قبولهم الفدية في اسارى بدر: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم (الأنفال: 67) فالإرادة التي من خلالها يختار الانسان ما يحبه ويهواه، هي نفسها الإرادة التي يطلب منه الله عز وجل ان يختار بها ما شرعه من أحكام، ومن هنا نستطيع أن نقول: إنه لا خير في هذه الارادة ما لم تكن متوجهة نحو مراد الله ومحبوبه.
العزيمة الصادقة
ومما يجب التنبه له ان فعل العبد لا يظهر الى الوجود إلا من خلال ارادة جازمة، وقدرة كافية. فمتى وجدت العزيمة الصادقة، والقدرة التامة، برز الفعل حتماً، ومن هنا نستطيع القول: إن اموراً كثيرة لا تقع في حياتنا لا لشيء إلا لكونها مجرد أماني وتطلعات لم تجد عزيمة صادقة، أو أنها ارادة لم تتوافر لها القوة اللازمة لفعل ما تريد. وفي الارادة الجازمة يقول الله جل وعلا: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين (التوبة: 46)، ففي الآية يكشف الله عز وجل حال الذين استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم من المنافقين، واعتذروا بأعذار واهية لا تعبر عن حقيقة أمرهم
فبين الله عز وجل ان تخلفهم عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لعذر وإنما كان لعدم ارادتهم الخروج، وقد دلل الله عز وجل على ذلك بسلوكهم فإنهم لم يبدوا أي مظهر من مظاهر الاستعداد للخروج، لذلك كره الله جل وعلا انبعاثهم فثبطهم اعاقهم عقوبة لهم. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في شفاء العليل في تفسير الآية: فلما تركوا الايمان به وبلقائه وارتابوا بما لا ريب فيه ولم يريدوا الخروج في طاعة الله ولم يستعدوا له ولا اخذوا أهبة ذلك كره سبحانه انبعاث من هذا شأنه فإن من لم يرفع به وبرسوله أو كتابه رأسا ولم يقبل هديته التي أهداها اليه على يد احب خلقه اليه واكرمهم عليه ولم يعرف قدر هذه النعمة ولا شكرها بل بدلها كفراً فإن طاعة هذا وخروجه مع رسوله يكرهه الله سبحانه فثبطه لئلا يقع ما يكره من خروجه وأوحى الى قلبه قدراً وكونا ان يقعد مع القاعدين، فالإرادة عزيمة صادقة تصدر عن ايمان قوي لا يزعزعه ريب ولا يفت في عضده خوف وبها يكون العمل الجاد الذي يؤاخذ عليه المرء.
نعمة عظيمة
وقد يكون العجز سبباً في تأخر الفعل مع وجود الارادة قال الله تعالى: ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما احملكم عليه تولوا واعينهم تفيض من الدمع حزنا الا يجدوا ما ينفقون إنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم اغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (التوبة: 91-93) فهؤلاء المرضى، واولئك الذين لم يجدوا ما ينفقونه لم يؤاخذهم الله عز وجل لعدم وجود القدرة الكافية للقيام بالعمل مع توفر الارادة الصادقة للقيام به والتي من دلائلها إذا نصحوا لله ورسوله تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا الا يجدوا ما ينفقون، وتأمل حال هؤلاء الذين لا عذر لهم أين وضعهم ضعف الايمان والارادة رضوا بأن يكونوا مع الخوالف، من النساء والأطفال، ثم تأمل العقوبة وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون لذلك فإن دراسة الارادة وسبل تنميتها من المسائل المهمة لحفز النفس ودفعها الى معالي الأمور.
من نعم الله العظيمة على الإنسان، ومن مظاهر تكريمه له أن منحه الارادة قال الله تعالى: ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين وهديناه النجدين (البلد: 8-10) وهذه النعمة ينبغي على الانسان ان يحسن استخدامها، وألا يفرط فيها بأن يتركها سهلة رخيصة في يد من يعبث بها ويوجهها الى ما فيه تعاسته وخسارته، إنها منحة جليلة على صاحبها ان ينميها، وان يرشدها لما فيه خيره وصلاحه ولا يكون ذلك كذلك الا بتوافق ارادة العبد مع ارادة خالقه عز وجل، لذلك فإن أول رافد من روافد تنمية الارادة، والسبيل الأوحد الذي فيه رشدها هو الايمان بالله سبحانه وتعالى، فمن آمن بالله تعالى عن معرفة احبه ومن احبه عرف الطريق الموصل اليه، وبالتالي يحصل التوافق بين ارادة الانسان وما يريده الله تعالى منه شرعاً فيحظى بالرضا وينال القبول.
تنمية الإرادة
ولما كانت الارادة من الأهمية على هذا النحو، فإننا نجد أن تعاليم الاسلام تعمل على توجيهها وتنميتها بما يعود بالنفع على صاحبها في الدنيا والآخرة، فالعبادات وعلى رأسها الصلاة والزكاة والصوم والحج إذا تأملتها وجدتها رافداً مهماً من روافد تقوية الارادة وتزكية النفس اذا ما أديت بالطريقة المطلوبة، فالصلاة مثلا لقاء بين العبد وربه يخاطبه خطاب المحب لمحبوبه، روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى: حمدني عبدي وإذا قال: الرحمن الرحيم قال الله تعالى: اثنى علي عبدي وإذا قال: مالك يوم الدين قال: مجدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل. ولك ان تتصور انساناً يلتقي بخالقه في اليوم خمس مرات ويدور بينهما هذا الحوار كيف تكن ارادته والى أي شيء تتجه، لذلك قال الله تعالى في كتابه الكريم: واقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله اكبر (العنكبوت: 45). وبتأمل العبادات الأخرى تجد فيها نماذج من تقوية الارادة وتزكية النفس الى ما فيه صلاحهما بوجه عام، أو الى خلق مخصوص، ففي الصيام تربية على التقوى، والصبر، وفي الزكاة تقوية للإيمان، وتطهير للنفس من البخل، وقد بين الله عز وجل أنه ما ارسل الرسل إلا لهداية الناس، وأنه سبحانه لم يأمر بما أمر إلا لصلاح العباد قال الله تعالى: ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وامنتم وكان الله شاكراً عليما (النساء: 147).
ويبقى الحديث عن تقوية الارادة موصولا.