هناك فرق بالطبع بين الإسراف والتبذير، إذ إن الإسراف يكون في المباحات، والتبذير هو صرف المال في المحرمات.
والمفهوم السائد بين الناس أن الإنسان إذا كان ينفق ماله في أشياء مباحة، فإنه لا لوم عليه مهما تبلغ درجة صرفه وإنفاقه.
وهذا المفهوم خطأ طبعاً، لأن الاقتصاد في الأشياء مطلوب، والله تعالى عندما قال: «وكلوا واشربو ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين»، (الآية 31 من سورة الأعراف)، أراد من هذا أن نستخدم العقل والمنطق حتى في المباحات، لأن الهدر في المال أو الكلام أو الوقت أو الصحة غير مقبول.
وفي الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل واشرب، والبس وتصدق، من غير سرف ولا مخيلة»، (رواه أحمد وأبو داوود).
ويقول الشاعر:
لقد جمع الله في آية
من الذكر في طبنا ما يجب
فقال تعالى كلوا واشربوا
ولا تسرفوا إنه لا يحب
انظر إلى الطعام والشراب اللذين تقوم عليهما حياة الإنسان، ومع ذلك فإن الإسراف فيهما محرم لأنه يتحول من النافع إلى الضار، وكذلك إنفاق المال في الخير، فإن المطلوب أن تنفق في الوقت المناسب وفي المكان المناسب وعلى الشيء المناسب، وتقدم الأهم على المهم.
وربما يقول أحدهم: إن أموالي كلها أنفقها في سبيل الله تعالى وعيالي لهم الله، ومثل هذا الإنسان نقول له: جزاك الله تعالى على ما تعمل من خير، لكن الرسول قال لمن أراد أن يتصدق بكل ماله أو أراد أن يوصي: «تصدق بالثلث والثلث كثير، وإنك لو تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يسألون الناس» أو كما قال.
وقال أيضاً في مجال البر والإحسان: «الأقربون أولى بالمعروف»، ويعني هذا أنك لو أنفقت أموالك كلها في البر ونسيت أرحامك، فإنك ترتكب إثماً، أي أن المباح تحول إلى محرم.
وكذلك الحال إذا جلست على الأكل وحدك أو مع مجموعة، فإن المطلوب أن تطلب بقدر الحاجة، لا أن تطلب من كل لون وطعم وشكل، ثم تأكل أنت ومن معك عُشر ما طلبت، وتتركون الباقي ليرمى في القمامة، بحجة «أننا لم نطلب طعاماً محرماً».
نعم.. لم تطلب محرماً، لكن عملك أدى إلى محرم، والقاعدة الفقهية تقول: «ما أدى إلى الحرام فهو حرام» ولقد أعجبت برجل بسيط في أحد المطاعم جلس بجانب رجل آخر كان قد طلب له أصنافاً من الطعام، لكن قام عنها بعد أن تناول جزءاً يسيراً منها.
والذي حدث أن الرجل قال في نفسه: هذا الإنسان أسرف عندما طلب فوق حاجته، فهو لم يأكل الطعام كله، ودفع مبلغاً مقابل ما لم يأكل، وأكل الرجل من الباقي ولن يطلب له شيئاً، وعندما أراد أن يخرج ذهب ليحاسب، فتناول محفظته وأخرج ثمن الوجبة، لكن بدلاً من أن يعطيه لصاحب المطعم، وضعه في صندوق التبرعات الموجود على مكتب المحاسب، فأعجب الحاضرون بهذا التصرف الجميل، حيث إنه استفاد من المال المهدر، ووضع ثمن الوجبة في صندوق التبرعات ليذهب إلى المحتاج.
ولمن قال إن الإسراف في المباحات جائز أقول: ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: «بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان ولابد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس»، (رواه أحمد).