الإسفنج كائن حي على الرغم من أنه لا يمتلك قلوباً ولا أدمغة ولا أطرافاً ولا معدة ولا جهازاً عصبياً ولذا يصفه العلماء بأنه الحيوان الذي حاولت الطبيعة أن تشكله بعد أن خلقه الله على هذه الصورة لحكمة لا يعلمها إلا هو، إلا أنها لم تستطع أن تضيف عليه شيئاً أكثر مما قدره الخالق .
يعيش هذا الحيوان البدائي منذ 600 مليون سنة ويشارك في تحريك قيعان البحار بألوانه البديعة البراقة . ويتوزع الاسفنج على نحو 8400 نوع، وهو يستوطن الشعاب المرجانية وقيعان البحار والمحيطات والبعض منه يعيش في المياه العذبة . والسمة الرئيسة المشتركة بين أنواع الاسفنج هي المسامية، بمعنى أن هذا الكائن مجهز لفلترة المياه المحيطة واستخراج الجزيئات الميكروسكوبية المفيدة له كغذاء، يذكر أن العلماء استطاعوا عزل الأنسولين من أحد أنواع الاسفنج واتضح لهم أن بنيته تطابق بنسبة 80% بنية الأنسولين عند الإنسان رغم أن الفاصل الزمني بينهما يصل إلى أكثر من مليار سنة .
يشار إلى أن الاسفنج الذي نشتريه من المحال ونستعمله للتنظيف في المطابخ ليس هو الاسفنج الحقيقي، فهو مصنوع من مواد كيماوية تجعله شبيهاً بالاسفنج الحقيقي ويعمل مثله، أما الاسفنج الحقيقي فيأتي من البحار . ومر زمن طويل قبل أن يحدد العلماء أنه حيوان وليس نباتاً . ويعود الفضل في ذلك إلى العالم روبرت غرانت الذي أثبت في عام 1825 أن الاسفنج هو حيوان، حيث راقب هذا العالم اسفنجاً في الماء بواسطة المجهر وشاهد تيارات من المياه تدخل في فتحات معينة وتخرج من فتحات أخرى غيرها، لكن الآن نعرف أن الاسفنج عبارة عن هياكل جفت لحيوانات بحرية تنتمي إلى فصيلة تسمى الثقبيات (الاسفنجيات) وهي فصيلة كبيرة في مملكة الحيوان . وعلى الرغم من أن الاسفنج يعتبر شكلاً من أدنى أشكال الحياة الحيوانية إلا أن بناءه معقد تماماً، فالطبقة الخارجية من النسيج الحي الذي يحيط به تتكون من خلايا مسطحة تشبه الحراشف أما الخلايا التي تكسو قنواته فلا تشبه تلك الموجودة عند أي حيوان آخر فهي على شكل صف وينتهي طرف كل منها بسوط طويل يضرب الماء فيدخل إلى الاسفنج ويخرج منه وبهذه الطريقة يحصل الاسفنج على الأكسجين وعلى ملايين الكائنات الدقيقة التي يتغذى عليها بينما يتخلص من فضلاته مع الماء الخارج منه . ولهذا تكون للاسفنج الطازج رائحة كريهة تحميه لأنها تنفر الحيوانات الأخرى من التهامه .
ألوان زاهية
وتوجد في وسط الاسفنج كتلة هلامية تتجول داخلها خلايا ربما تقوم بهضم الطعام وتساعد الاسفنج على التنفس والتخلص من الفضلات أيضاً .
وللاسفنج ألوان زاهية جداً ويستخرج الغواصون الاسفنج من البحر وأغلى أنواعه هو المستخرج من المياه العميقة التي تبعد عن الشاطئ مسافة تبلغ ما بين 50 و80 ميلاً .
وكان صيد الاسفنج البحري في العصور القديمة يتم بوساطة آلات خاصة مصنوعة من الخشب والمعادن المتوفرة كالحديد والبرونز، وتميزت هذه الآلات بنهايات غريبة تشبه المجرفة ولها رؤوس حادة، لتساعد الصيادين على استخراج الاسفنج من أعاق تتراوح بين 12 و45 متراً تحت سطح البحر . وكان الصيادون يقومون بصيد الاسفنج مرة واحدة كل سنتين أو ثلاث سنوات للمحافظة على هذا الحيوان شديد الحساسية، مراعين في ذلك عملية تكاثره وصعوبة صيده التي كانت تكلف الكثيرين حياتهم جراء تعرضهم لضغط كبير تحت الماء أثناء صيد الاسفنج .
ويتكاثر جنسياً ولا جنسياً، ففي حالة التكاثر الجنسي ينشأ اسفنج جديد جراء اندماج خليتين جنسيتين، أما في حالة التكاثر اللا جنسي فينشأ اسفنج جديد بطرائق أخرى لا تتضمن خلايا جنسية . ولمعظم الاسفنج القدرة على استبدال أجزاء جديدة وتسمى هذه العملية بعملية التجدد .
وتتيح إمكانات التشكل التي تمتاز بها الخلايا البدائية للاسفنج قدرات بالغة من التجدد، ومن السهولة بمكان استبدال أو تعديل حتى الأجزاء الكبيرة من جسم الاسفنج التي تصاب أو تفقد . ولقد قام الباحثون في هذا الصدد بتجارب مخبرية تم فيها ضغط الاسفنج بوساطة قطعة قماش ناعمة جداً بحيث انشطرت أجزاء جسم الاسفنج إلى خلايا منفصلة أو عناقيد من الخلايا . وعندما أعيد وضع هذه الخلايا في الماء بدأ بعضها يتحرك نحو بعض لتشكل عناقيد خلايا دائرية، ثم أعادت الخلايا تنظيمها لتصبح اسفنجيات متكاملة مرة أخرى .
والاسفنج المكتمل النمو يلتصق بالصخور والنباتات وغيرها من الأشياء الموجودة تحت سطح الماء ولا يتحرك من مكان لآخر ولهذا فهو يشبه النباتات، وهو الأمر الذي جعل الناس في السابق يعتقدون أن الاسفنج نبات .
أشكال مختلفة
يعيش الاسفنج في المياه العميقة والضحلة على السواء وتعيش معظم أنواع الاسفنج في البحار الدافئة أو المدارية . ويتباين الاسفنج في الشكل واللون والحجم حيث يكون بعضه مستديراً في حين يشبه البعض الآخر المزهريات وربما الجدران . ويتخذ كثير من الاسفنج شكل الجسم الذي ينمو عليه مكوناً قشرة حية على ذلك الجسم . ويتفاوت لون الاسفنج البحري من الأصفر الفاقع أو البرتقالي أو الأرجواني إلى الرمادي أو البني . وقد يأخذ الاسفنج الذي ينتمي إلى نوع واحد ألواناً متعددة مختلفة، وأغلب اسفنج المياه العذبة إما أخضر اللون وإما أرجواني أو رمادي، ويبلغ طول قطر أصغر نوع من الاسفنج ما يقرب من 2،5 سم، بينما ينمو أكبرها ليصل طول قطره إلى أكثر من المتر الواحد .
هناك أنواع عديدة من هياكل الاسفنج، ولمعظمها هياكل معدنية تتكون من شويكات دقيقة شبيهة بالإبر وهي مكونة من كربونات الكالسيوم أو الحجر الجيري أو من السيليكا وهي مادة معدنية شبيهة بالزجاج . ويحتوي هيكل الاسفنج الذي يستعمل للاستحمام على ألياف بروتينية بنية اللون تسمى الاسفنجين وهذا الهيكل هو الذي يبقى في اسفنج الحمام بعد موته وإزالة خلاياه . وللعديد من الاسفنج هيكل مكون من وحدات شوكية معدنية وألياف الاسفنجين، أما في الأنواع الأخرى، فيحتوي الهيكل على مادة شوكية مكونة من السيليكا وألياف اسفنجية وقاعدة ضخمة من بلورات الحجر الجيري .
وينتمي الاسفنج ذو الهيكل المكون من الحجر الجيري إلى طائفة الكلسيات . ويعيش معظم أنواع هذه الطائفة في الأجزاء الضحلة من المحيطات إلا أنه قد أمكن العثور على بعضها في أعماق تصل إلى 4000 متر . وينتمي الاسفنج البحري ذو الهيكل المكون من السيليكا إلى طائفة تسمى سداسية الفروع وتسمى عادة بالاسفنج الزجاجي وتشكل أشواكها أنماطاً هندسية جميلة . وقد عثر عليها في أعماق تصل إلى 7000 متر تحت سطح البحر .
وأخيراً تنتمي كل أنواع اسفنج المياه العذبة ومعظم أنواع الاسفنج البحري إلى طائفة الاسفنجيات النصفية . ولمعظم أعضاء هذه الطائفة هيكل عظمي مكون من السيليكا أو الاسفنجين أو كليهما، ولعل من بين الأنواع البحرية الشائعة الاسفنج ذو الذقن الأحمر، والاسفنج شبيه كتلة صوف الأغنام، والاسفنج الكبريتي، واسفنج الحمام .
عملاق وردي
يوجد في المحيط الهادي وبالتحديد في منطقة البابوازي غينيا الجديدة نوع من الاسفنج يسمى آذان الفيل وهو على شكل أوراق ضخمة وردية اللون يصل طولها إلى عدة أمتار وهذا النوع هو مخلوق نادر في عالم الاسفنجيات خاصة أنه يحتوي على مسامات صغيرة لا يتجاوز قطرها الملم الواحد .
وفي مصر ثمة نوع من الاسفنج يتخفى على هيئة شعاب مرجانية ولهذا الاسفنج أفرع طويلة حمراء . ولكي يشكل هذا النوع من الاسفنج المعروف باسم Latrumculia ذلك المزيج من القنوات تتدخل في هذا الأمر عدة عوامل، بمعنى أن هذه القنوات تولد من قطع الاسفنج الأصلية الأم التي تكون قادرة على إيجاد قطع جديدة تابعة وهو ما يعرف بالتضاعف الانباتي أو اللا جنسي أما إذا تم التكاثر بالطريقة الجنسية فيظهر لدينا يرقات تتطور إلى يافات .
ملجأ سام
وفي جزر الكايمان وهي إقليم ما وراء البحار البريطانية تقع في غرب البحر الكاريبي وعاصمتها جورج تاون، ثمة نوع من الاسفنج البحري على هيئة براميل يسمى اكستوسبونج وهو سام للغاية حيث تتجمع على هيكله الخارجي شويكات من السيليكات تسهم في حماية الاسفنج والمحافظة على شكله الذي يشبه كأس الطاولة أو الفسقية (حوض من رخام في وسطه نافورة ماء) . والهدف من السمية العالية الموجودة في هذه الشويكات حماية الاسفنج بصفته حيواناً من الحيوانات البحرية القانصة وخاصة بزاق البحر .
وفي جزر الأنتيل ثمة نوع آخر من الاسفنج البحري المسمى بالديدجريدو وهو يشبه نوعاً من آلات النفخ الموسيقية المستخدمة من قبل السكان الأصليين في المناطق الشمالية من أستراليا اللهم إلا أنها هنا مائية خالصة بمعنى أنها لا تولد تياراً هوائياً بل مائياً، حيث يدخل الماء عن طريق العديد من المسامات التي تغطي الناحية الخارجية من القنوات . ولا يمكن إلا للعوالق المجهرية وحيدة الخلية التي لا يتجاوز طولها ال 20 ميكرومتر أن تنفذ عبر هذه المسامات كي تعمل على تغذية الاسفنج، في حين أن الماء المفلتر يخرج من الخارج عن طريق خلايا سوطية موجودة في قاع القنوات .
غطاء الحيوانات
وعندما نصل إلى جزر المارتينيك يطالعنا نوع من الاسفنج يسمى بالمزهرية الوردية، ففي قلب هذا الاسفنج تعيش وريقات صفراء على شكل ريشة نجوم يصل ارتفاعها إلى عدة سنتمترات وهي من طائفة نجوم البحر . ويستخدم الاسفنج هذه الوريقات (التي لا تشكل جزءاً من تركيبه بل هي كائنات أخرى تعيش بالتطفل على الاسفنج)، للحصول على ماء غني بالمواد المغذية من ذلك الموجود عند القاعدة أي قريب من الأرض حيث تكثر في هذا المكان كائنات أخرى منافسة للاسفنج تمنعه من الحصول على غذاء جيد . ومن هنا فإن وجود مثل هذه الوريقات المذهبة يساعد الاسفنج في الحصول على غذاء جيد دون عناء . والواقع أن تشارك الكائنات الأخرى مع الاسفنج هو أمر شائع، فعلى سبيل المثال نجد أن الربيان يتقاسم غذاءه مع الاسفنج، في حين أن كائنات أخرى مثل الميدوزا تستفيد من تيارات الماء المتولدة بفعل عملية الفلترة كي تتحرك بحرية في الماء .
تجمع ثلاثي
ونصل أخيراً إلى أستراليا حيث يعيش في بحرها نوع من الاسفنج الأزرق الذي يستفيد من كائنات بحرية أخرى تعيش تحته، فعلى سبيل المثال نجد أن هذا الاسفنج يؤوي تحته سلطعوناً وتحت هذا الكائن يعيش سلطعون آخر يعرف بالناسك ما يعني أن الاسفنج يضرب عصفورين بحجر واحد، فهو يستفيد من ناحية من البكتريا التي تكثر على السلطعون الناسك ومن ناحية ثانية يستخدم السلطعون كوسيلة تحرك، فهو يمكنه من رصد أماكن أخرى جديدة غنية بالبلانكتونات المجهرية المغذية علماً بأن أغلبية أنواع الاسفنج تبقى ثابتة في مكانها لا تحرك ساكناً .