تعمير الحياة والارتقاء بها مسؤولية مشتركة بين الرجل والمرأة . . ولذا فإن المرأة في نظر الإسلام وفلسفته إنسان كامل الأهلية ولها حقوق وعليها واجبات مثل الرجل تماماً، ومن حقها أن تشارك الرجل في كل مجالات الحياة . واعتراف الإسلام بمكانة المرأة وتقديره لدورها واحترامه لعقلها وإمكاناتها من شأنه أن يدفعها إلى المزيد من العمل والإنتاج، وهذا يصب في النهاية في مصلحة المجتمع الذي يحتاج إلى جهود كل رجاله ونسائه .
د .آمنة نصير الأستاذة بجامعة الأزهر والعميدة السابقة لكلية الدراسات الإسلامية والعربية بالإسكندرية تؤكد بداية أن تقدير الإسلام للمرأة وكفالته لحقوقها وضمانه للحياة الكريمة لها سواء أكانت بنتاً أم زوجة أم أماً من شأنه أن يحولها إلى عنصر بناء وتنمية وارتقاء بالحياة بكل مجالاتها الأسرية والاجتماعية والعلمية والاقتصادية، بل والسياسية أيضاً حيث ضمن الإسلام للمرأة حقوقها السياسية كافة ومنحها حق المشاركة في الحياة العامة وحق تولي كل الوظائف القيادية وفق ضوابط أخلاقية توفر لها أولا الحماية وتوفر للمجتمع حياة مستقرة خالية من التجاوزات السلوكية لكل من الرجل والمرأة .
شقائق الرجال
وتضيف: لقد جاء الإسلام وبعض الناس ينكرون إنسانية المرأة، وآخرون يرتابون فيها وغيرهم يعترف بإنسانيتها، ولكنه يعتبر أنها خلقت لخدمة الرجل . فكان من فضل الإسلام أنه كرم المرأة، وأكد إنسانيتها، وأهليتها للتكليف والمسؤولية والجزاء، واعتبرها إنساناً كريماً، له كل ما للرجل من حقوق إنسانية فهما متساويان في الخصائص الإنسانية العامة، ومتساويان في التكليف والمسؤولية، ومتساويان في الجزاء والمصير .
وفي ذلك يقول القرآن: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً . فالرجل أخو المرأة والمرأة شقيقة الرجل . وفي هذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم إنما النساء شقائق الرجال .
وفي مساواة المرأة للرجل في التكليف والتدين والعبادة يقول القرآن: إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً . وفي التكاليف الدينية والاجتماعية الأساسية يسوي القرآن بين الجنسين بقوله تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله . وفي مساواة المرأة للرجل في الجزاء ودخول الجنة يقول الله تعالى: فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض .
الحقوق المالية
وفي الحقوق المالية للمرأة، أبطل الإسلام ما كان عليه كثير من الأمم من حرمان النساء من التملك والميراث، أو التضييق عليهن في التصرف في ما يملكن، واستبداد الرجال بأموال زوجاتهم، فأثبت للنساء حق الملك بأنواعه وفروعه، وحق التصرف بأنواعه المشروعة، فشرع الوصية والإرث لهن كالرجال، وأعطاهن حق البيع والشراء والإجارة والهبة والإعارة والوقف والصدقة والكفالة والحوالة والرهن . . وغير ذلك من العقود والأعمال . ويتبع ذلك حقوق الدفاع عن مالها بالتقاضي وغيره من الأعمال المشروعة . كما جعل للمرأة حق طلب العلم كالرجل بل الواقع أنه اعتبر طلب العلم فريضة عليها، كما جاء في الحديث الشريف طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة .
وتمضي قائلة: لقد أنصف الإسلام المرأة حتى من والدها وهو أرحم الناس بها، فاعتبرها هبة من الله، ولم يعتبرها شؤماً ولا نكبة كما كان يفعل العرب في الجاهلية: وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم . يتوارى من القوم من سوء ما بشر به . ويكفي أن الإسلام حمى البنت من الوأد الذي حرمه أشد التحريم، واعتبره من كبائر الإثم، كما قال تعالى: وإذا الموؤودة سئلت . بأي ذنب قتلت .
ولم يجعل الإسلام لأبيها الحق في أن يزوجها بغير رضاها، بل لابد من موافقتها الصريحة أو الضمنية على من تتزوجه، ولو بالسكوت، إن منعها الحياء من الكلام .
كما كرم الإسلام المرأة وأنصفها وهي تحت ولاية الزوج، وجعل لها من الحقوق على الزوج مثل ما عليها من الواجبات له، كما قال تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة أي أن الحقوق والواجبات متكافئة بين الطرفين، ولكن عبء الرجال أكبر، لما عليهم من القيام بمسؤولية القوامة على الأسرة، كما قال تعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم .
وهذه القوامة على الأسرة لا تعني استبداد الرجل بالمرأة، واعتبار الزوجة كماً مهملاً لا يشاورها في أمر، ولا يشركها في شيء فهذا ينافي أمر المؤمنين عامة بالتعاون على البر والتقوى، ووصف مجتمعهم بقوله: وأمرهم شورى بينهم وقوله تعالى في حالة فطام الأطفال: فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما .
التوصية بالأم
وتتجلى إنسانية الإسلام وتكريمه للمرأة في الوصية بالأم، حيث أوصى الرسول بها ثلاث مرات، وبالأب مرة واحدة، حيث سئل عليه الصلاة والسلام: من أحق الناس بحسن صاحبتي؟ قال: أمك . قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك .
وإنما جاءت الوصية بالأم على هذا النحو الذي يثير الغيرة في نفوس الرجال لأنها هي التي تعبت أبلغ التعب، وعانت شديد المعاناة في الحمل والولادة والإرضاع والرعاية والتربية، كما قال تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين .
ثم يأتي تكريم الإسلام للمرأة باعتبارها عضواً في المجتمع، فهي مكلفة بالوظائف الاجتماعية والسياسية التي كلف بها الرجل قال تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله .
وهكذا يتضح لنا كما تقول د .آمنة نصير إن الإسلام بهذه الأحكام والتعاليم قد أنصف المرأة ووثق علاقتها بالرجل وجندهما معا ليعملا في طاعة الله تعالى، وفي خدمة المجتمع الصالح، وتكوين الأسر الصالحة القادرة على إعداد أجيال مؤهلة للعمل والإنتاج .
والإسلام يحرص كل الحرص على استقرار الحياة الزوجية وكل توجيهاته وتشريعاته تستهدف توفير حياة زوجية مثالية ينعم كل من الزوجين فيها بالهدوء والسكينة والسعادة، لكن إذا حدث غير ذلك ودب الخلاف والنفور بين الزوجين وهذا وارد، فقد شرع الإسلام علاج الخلاف بوسائل شتى، وإذا لم تجد هذه الوسائل كان العلاج الحاسم بالفراق بين الزوجين، فالإسلام لا يجبر المرأة على أن تعيش مع رجل لا تريده ولا تستريح له، وإذا لم يفارقها الزوج بإحسان كان الفراق من جانبها بالخلع حتى تعيش حياة جديدة بعيدا عن النكد والقهر والمعاناة .
المرأة والعمل العام
وتقديراً من الإسلام للمرأة واعترافاً بقدراتها ورسالتها في الحياة وترسيخاً لمبادئ المساواة بينها وبين الرجل في معظم مجالات العمل والتكاليف الدينية والاجتماعية، أعطت شريعة الإسلام للمرأة كما يقول د .نصر فريد واصل أستاذ الشريعة الإسلامية ومفتي مصر الأسبق حق المشاركة في العمل العام في ظل ضوابط وشروط وقواعد توفر لها الحماية وتضمن لمشاركتها تحقيق النتائج المرجوة .
يقول الدكتور واصل: الشريعة الإسلامية التي جاءت لإقرار الحق والعدل وتحقيق المساواة بين الناس جميعا أعطت المرأة حق المشاركة في كل مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فمن حق المرأة أن تمارس كل الأعمال المؤهلة لها والمناسبة لقدراتها ومواهبها ومن حقها تقلد كل المناصب القيادية في الدولة ما عدا منصب قيادة الجيش، ومن حقها المشاركة في النشاط السياسي الذي هو في حقيقته أمر بالمعروف ونهي عن المنكر . فالإسلام لم يحرم المرأة من هذه الحقوق، ولم يحرم المجتمع من جهود المرأة في أي مجال تستطيع أن تخدم فيه وطنها وتؤدي رسالتها . لكن الدكتور واصل يرفض إقحام النساء في مجالات عمل لم يؤهلن لها ويرفض الإلقاء بالمرأة في مكان لا تجيد العطاء فيه، فالمجتمعات الإسلامية ليست في حاجة إلى شعارات فارغة تنتهي بالمرأة إلى مظاهر شكلية من دون تحقيق نهضة نسائية على أرض الواقع .