انشغل العالم شرقه وغربه في السنوات الأخيرة بحقوق الطفل، وتبارت الدول في وضع مواثيق واتخاذ إجراءات وسن تشريعات تضمن حياة آمنة مستقرة لفلذات أكبادنا.
ووسط زحمة الأفكار والاقتراحات والمطالبات نسي البعض أو تناسى أن ديننا الإسلامي العظيم جاء بمنظومة كاملة من الحقوق توفر لأطفالنا كل وسائل الرعاية والحماية، وتضمن لهم حياة مستقرة آمنة، وتعدهم إعدادا عقليا ونفسيا وجسمانيا لكي يكونوا أعضاء صالحين في مجتمعاتهم.
وحتى لا يتوقف دورنا على الانبهار بمواثيق حماية الطفل الغربية، ويكون كل همنا تسول الأفكار والاقتراحات والضمانات من هنا أو هناك. نقدم من خلال هذا الباب ما قررته شريعة الإسلام من حقوق للطفل، تفوقت بها على كل النظم والتشريعات والقوانين ولم يعد مطلوباً منا إلا الالتزام بهذه الحقوق والحرص عليها لرعاية أطفالنا وتوفير كل مقومات الحياة الكريمة لهم.
تفردت الشريعة الإسلامية برعاية الأبناء في حياة آبائهم، وبعد مماتهم وذلك بإيجابها لهم الحضانة والرضاعة والنفقة، كما أوجبت لهم رزقا مباركا حلالا في تركة أبويهم وذلك ضمانا للحفاظ عليهم، فالوالد راض بالكدح من أجل ولده مدرك أن رحلته قاربت على الانتهاء، وأوشكت شمس حياته على المغيب، ورغم يقينه بهذه النهاية المحتومة، وبخاصة لو صاحبته مقدمات الموت من مرض ومشيب إلا أنه يأبى إلا أن يذوب ويتلاشى في خدمة أبنائه ليترك لهم ما يعينهم على الحياة من بعده.
تقول الفقيهة الدكتورة عبلة الكحلاوي: حق الابن في الإرث من والديه يؤكد مدى رعاية الإسلام للأبناء وكفالته للصغار وحرصه على توفير الحياة الكريمة الآمنة لهم، ولو نظرنا في تشريع الميراث في الإسلام لوجدناه مسايرا للفطرة، فالبنوة أمل الأبوة، وغريزة التملك تفرض على الإنسان أن يسعى ويعمل ويكسب ويتفوق، ويحرم أحيانا كثيرة من الاستمتاع بما شقي وعمل ليترك ذلك لأبنائه يستمتعون هم بثمرة جهده وكفاحه وعرقه وشقائه، وكل ذلك يفعله الأب وهو سعيد راض، لأن تعاليم دينه قد ألزمته بأن يوفر لأبنائه ما يحقق لهم الأمن ويجعلهم يعيشون بين الناس أعزاء كرماء.
فشريعة الإسلام التي تحرص كل الحرص على توفير الأمن للصغار تجعل علاقة البنوة موجبة لتوريث القدر الأكبر من التركة لهم، ولم تفرق بين الذكر والأنثى في الميراث فلم تخص الذكر بالتركة وتحرم الأنثى كما فعلت كثير من التشريعات التي عرفها العالم قديما وحديثا، بل جاءت عادلة وقضت على كل ظلم وجور عرفته البشرية.
حق الجنين
وحق الصغير في مال أبيه لا يقف عند الإنسان الذي خرج إلى الحياة، بل كفل الإسلام حق الجنين وهو في بطن أمه حيث أجمع الفقهاء على أن الأجنة في الأرحام من أصحاب الحقوق وجملة المستحقين للتركة شريطة توافر شرطين أساسيين:
الأول: وجوده حقيقة في بطن أمه حال وفاة المورث بمعنى أن تكون أمه حاملا فيه حين وفاة المورث، وتمكن معرفة ذلك بسهولة إذا قدرنا زمن الولادة من حين وفاة المورث، فإن ولدته بعد الوفاة بشهر إلى ستة أشهر على أقل مدة للحمل اعتبرها الفقهاء فهو مستحق للميراث.
الثاني: أن يولد الجنين حيا، ولو صرخ بعد ولادته صرخة واحدة ثم توفي استحق الميراث، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، أما لو ولد ميتا فلا يرث حتى لو كان سبب الوفاة جناية على أمه.
ومادام الجنين مستترا في غيوب الرحم فلا يمكن تقسيم التركة قسمة نهائية، وذلك لعدم إمكانية التعرف إلى نوع الجنين ذكرا كان أم أنثى، ولا عدده فلربما تغيرت أنصبة بعض الورثة تبعا لنوع الجنين، ولربما حرم من كان سيرث لولا وجود هذا الرضيع، ولهذا أجمع الفقهاء على عدم تقسيم التركة حتى تتم الولادة بشرط موافقة الورثة صراحة أو ضمنا، بمعنى عدم مطالبتهم بها، وكذلك إن لم يكن معه وارث أصلا، وأيضا إن كان معه وارث، ولكن يحجب به، أما نقطة الخلاف بين الفقهاء حول هذا الموضوع فتبدأ من حين مطالبة أحد الورثة بتقسيم التركة فقد أثرت عدة أقوال بين مؤيد للتقسيم، ومعارض، وسامح بتقسيم جزء فقط، وأرجح الآراء هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء الذي يقضي بإعطاء أنصبة من لا يتأثرون من أصحاب الفروض بتغير، لأن في تأخيرهم لحين الوضع إلحاق مضرة بهم من غير ضرورة.
ميراث البنت
بعض خصوم الإسلام والمخدوعين بأفكارهم المسمومة من المسلمين من أدعياء حقوق المرأة في بلادنا العربية والإسلامية يعتقدون أن الإسلام ظلم البنت في الميراث عندما جعل نصيبها النصف من نصيب شقيقها ويعتبرون ذلك مدخلا للطعن في تشريعات الإسلام والحكم بعدم عدالتها، ومغالطات هؤلاء لا تتوقف وينطلقون منها بعد الطعن في الإسلام والزعم بعدم عدالة تشريعاته واتهامها بالعنصرية والتحيز للذكر، إلى المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، وهي مساواة ظالمة كما أجمع علماء الإسلام.
تقول الدكتورة سعاد صالح أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر والعميدة السابقة لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالقاهرة: يزعم أعداء الإسلام أنه لم ينصف المرأة إذ لم يسو بينها وبين الرجل في الميراث وجعل نصيبها نصف نصيب الرجل، مع أن الحكمة في ذلك ظاهرة بليغة وفيها كل الحق والإنصاف بل وربما كان فيها الإحسان الذي فوق العدل ولابد أن يعلم هؤلاء أن التشريع الإسلامي من وضع رب العالمين الذي خلق الرجل والمرأة وهو العليم الخبير بما يصلح من شأنهم من تشريعات وليس لله مصلحة في تمييز الرجل على المرأة: يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد (فاطر: 15).
لقد جعل الإسلام عبء الأسرة كله على الرجل وأعفى منه المرأة، فالأنثى في غالب أحوالها مضمونة النفقة في الشرع الإسلامي سواء كانت أما أم زوجة أم بنتا أم أختا، وذلك بعكس الرجل المكلف دائما بالإنفاق على أسرة كما هو مشاهد وممارس في مختلف الأدوار والبيئات دون استثناء، فالرجل يدفع المهر ولا حد لأكثره، ويتحمل تجهيز المنزل ونفقات الحياة، وفي حالات الطلاق يتحمل نفقة العدة، وغيرها من النفقات وفي هذا المعنى يذكر الشيخ محمد عبده في تفسير المنار: الحكمة في جعل حظ الذكر كحظ الأنثيين هي أن الذكر يحتاج إلى الإنفاق على نفسه وعلى زوجته فكان له سهمان، أما الأنثى فهي تنفق على نفسها فإن تزوجت كانت نفقتها على زوجها.
تكامل الأسرة
وتضيف الدكتورة سعاد صالح: إذا أضيف إلى ذلك أن القرآن والسنة قد اهتما اهتماما عظيما بتثبيت حق المرأة الذي كان مهضوما وحمياها من الظلم والإجحاف ظهر أن في الغمز واللمز أو النقد قلبا للحقيقة وغضا من مزايا الشريعة الإسلامية على طول الخط، ومهما تطورت البشرية فلن يأتي طور تنعكس فيه الحال ويكون الرجل عالة على المرأة، أو تكون المرأة هي المنفقة على الأسرة دونه، أو تكون مكلفة بذلك في الأغلب الأعم، وكل ما يحتمل أن يكون أن طوائف من النساء يعولن على كسبهن في معيشتهن فتقل رغبتهن في التقيد بقيد الزواج، أو يطرأ على الزوج مانع قاهر من صحة أو ظروف يمنعه من الكسب أو من الكسب الكافي فتبذل الزوجة جهدها في الكسب للإنفاق على الأسرة، أو المشاركة في ذلك، وهذا لن يكون إلا قلة ولن يغير القاعدة الأصلية ويخفف من مسؤولية وأعباء نفقة الأسرة.
أما ما جد من خروج المرأة للعمل والكسب ومساهمتها في نفقات البيت والأولاد مع زوجها مما قد يخدع البعض فيطالب بمساواتها في الميراث، فإن ذلك على خلاف القاعدة القويمة التي رسمها الشارع الحكيم في توزيع دور كل من الرجل والمرأة في الحياة وفق طبيعة كل منهما، وهو يحمل من الضرر أكثر مما يحقق من المصلحة، ويعارض الدور الذي رسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة وهو أنها راعية في بيتها ومسؤولة عن رعيتها، وهذا ما تشعر به المرأة ظاهرا وباطنا وتسلم به وتسعى في سبيله في الحقيقة والواقع، ولو سئلت النساء عما يفضلنه من أساليب الحياة وصورها لكان جواب سوادهن الأعظم: الزواج والأمومة في البيت، ويستوي في ذلك كلهن على اختلاف الظروف والحالات والأدوار والأطوار لأنه الأمر الطبيعي الذي أعدهن الله تعالى له.
ولابد أن نفهم أن الإسلام لا ينظر إلى المرأة كفرد ولكنه ينظر إليها وإلى الرجل كأسرة مكونة من فردين يكونان نواة المجتمع الكبير، فهي تأخذ سهما وزوجها يأخذ سهمين من مورثه فتكون النتيجة ثلاثة أسهم لهذه الأسرة، وأخوها يأخذ سهمين من أبيها وزوجته تأخذ سهما من مورثها فيكون المجموع ثلاثة أسهم في أسرة أخرى، فهنا تعادلية، وهنا نظرة طبيعية، لأن الأسر الجديدة تكون امتداداً للأسر التي انتهت رسالتها في الحياة ولها تشابك مع أسر أخرى تريد أن يكون لها امتداد في الحياة أيضا، فالتكامل موجود بين الرجل والمرأة في كل بيت، ومن تكامل الأسرة يتحقق تكامل المجتمع ولا مكان بالتالي لهذا الانفصال بين الرجل والمرأة بل هما كيان واحد لا تستقيم الحياة إلا به.
ومن هنا يتضح لنا أن الإسلام لم ينظر إلى المرأة في حكم الميراث من حيث جنسها كامرأة، ولكن ينظر إليها من حيث الوضع الاجتماعي، ومن حيث الأعباء الاقتصادية والتبعات الملقاة عليها وعلى الرجل.