لا يوجد استقرار داخل بيت زوجي تهدر فيه الحقوق المادية، ويتصارع كل من الزوجين للاستحواذ كل على ما يستطيع من المال من الطرف الآخر . هذه الحقيقة تؤكدها الدراسات ووقائع الحياة، حيث تشكل الخلافات المادية بين الزوجين جوهر معظم الصراعات التي تعكر صفو العلاقة بين الطرفين وتحول حياتهما إلى جحيم، وقد تُنهى هذه الخلافات بأبغض الحلال عند الله عز وجل وهو الطلاق .
داخل كثير من البيوت لا يؤمن الزوج بأن لزوجته ذمة مالية مستقلة، وبأن من حقها الاحتفاظ بمالها الذي آل إليها عن طريق الميراث أو التجارة والاستثمار أو الادخار من الراتب الشهري لو كانت عاملة، ويحدث النزاع بين الطرفين ويتطور إلى صراع عنيف، فالزوجة تريد الاحتفاظ بمالها ليكون سنداً لها لو غدر بها الزوج، والزوج يعتقد أن له حقاً في هذا المال، فالحياة الزوجية في نظره شراكة بين طرفين ولا بد أن يتحمل كل منهما جزءاً من نصيبه من الأعباء والمسؤوليات، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف حسمت الشريعة الإسلامية هذه الخلافات والصراعات المادية بين الزوجين لتحمي العلاقة بينهما، وتظل في دائرة المودة والرحمة التي أرادها الخالق لينعم البيت الزوجي بالاستقرار والسكينة والرحمة؟
أستاذة الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر فرع البنات الدكتورة إلهام شاهين، تؤكد أن للمرأة المتزوجة في الإسلام أهليتها المالية الكاملة وثروتها الخاصة المستقلة عن ثروة زوجها، إذ جعلت الشريعة الإسلامية لكل منهما ذمته المالية المستقلة، فلا شأن للزوج بثروة زوجته أو بدخلها أو راتبها، فهما في شؤون الملكية والثروة والدخل منفصلان تماماً وعقد الزواج لا يرتب أي حق لأي منهما تجاه الآخر في الملكية أو الدخل .
وتضيف أستاذة الشريعة الإسلامية في الأزهر: إن الأزواج الذين يصادرون أموال زوجاتهم ويحرمونهن منها بدعوى المشاركة في نفقات البيت وتلبية احتياجات الأسرة، مخطئون ويخالفون تعاليم الإسلام إذا ما فعلوا ذلك بالإكراه، لكن لو قدمت الزوجة شيئاً من مالها برضاها لمساعدة زوجها وتخفيف الأعباء المادية عنه فهو حلال طيب، بل إن بعض الفقهاء اعتبره من وسائل تحقيق المودة والرحمة بين الزوجين اللذين أمر بهما الخالق في قوله تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة .
من هنا تنصح الدكتورة إلهام شاهين برفع شعار تعاونوا على البر والتقوى بين الزوجين في كل أمور الحياة الزوجية التي هي بالفعل شراكة بينهما يجب أن يتعاونا ويجنيا حلوها كما تحملا معاً مرها، حيث يجب أن يعاون الزوج زوجته، خاصة أن أعباء الأسرة ومطالبها الآن كثيرة ويجب على الزوجة أن تتفاهم مع زوجها في الأمور المادية وأن تبادر إلى تقديم جزء من دخلها للمساهمة في نفقات الأسرة، خاصة إذا كان دخل الزوج لا يفي بكل المتطلبات، وعلى الزوجة أن تدرك أن خروجها للعمل وانصرافها عن بعض واجباتها الأسرية يضاعف نفقات الأسرة وعليها أن تعوض الزوج ببعض من دخلها حتى تقوي مشاعر الحب والألفة بينهما .
سلوك مهين
في المقابل تحذر أستاذة الشريعة الإسلامية كل الأزواج الطامعين في أموال زوجاتهم من غضب الله وعقابه، فسطو الزوج على مال زوجته من دون رضاها أكل لأموال الناس بالباطل، وهو ما حرمه الإسلام وجرمه، وتقول: لا ينبغي أن يطمع زوج في مال زوجته، فهذا سلوك مهين لا يليق بمقام الرجولة والقوامة التي جعلها الإسلام للزوج، والأزواج الذين يرغبون في أن تظل المرأة خاوية الوفاض لاقتناعهم بأن بعض النساء يغريهن كثرة المال ويصبحن أكثر نفوذا وسطوة داخل الأسرة مخطئون ولا يعرفون حقوق زوجاتهم الشرعية ذلك أن الزوج مكلف شرعاً بالإنفاق على منزل الزوجية والمرأة معفاة من هذا الإنفاق، فإذا أنفقت شيئا فهذا تطوع منها وليس إجباراً .
وتشدد الدكتورة إلهام على حق الزوجة في احترام ملكيتها من قبل الزوج بألا يستولي على مالها أو راتبها إلا ما تنازلت عنه عن طيب خاطر وتقول: الزوجة مستقلة في مالها سواء أكان مصدر هذا المال ميراثاً أم تجارة أم عملاً لقول الله تعالى: وآتوا النساء صدقاتهن نحلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً وقوله سبحانه: وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً، وقوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن .
فهذه النصوص القرآنية الكريمة تشير إلى وجوب احترام الرجل لملكية المرأة، فحرام على الزوج أو ولي أمرها أن يأخذ من صداقها شيئاً إلا عن طيب نفس، وذلك إبطال لما كان الناس عليه في الجاهلية .
سرقة تستوجب العقاب
الفقيه الأزهري الدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر وعضو هيئة كبار العلماء يؤكد حرمة مال الزوج، حيث لا يجوز أن تمتد يد الزوجة إلى مال زوجها من دون إذنه، ويقول: الشريعة الإسلامية ألزمت الزوجة بالحفاظ على مال الزوج وجعلته أمانة في عنقها ستحاسب عليها يوم القيامة .
ويضيف: أموال الزوج أمانة في عنق زوجته، لذلك يجب على الزوجة أن تكون على قدر المسؤولية التي حملها لها المولى عز وجل، فمن حقوق الزوج على زوجته ألا تتصرف في ماله إلا بإذنه حتى لو كان هذا التصرف للصدقة، فلا يكون لها ثواب بل يكون عليها الوزر، حيث تصرفت في ماله بغير إذنه، فما بالنا لو كان هذا التصرف في أمور أخرى غير الصدقة التي هي طاعة من الطاعات .
لكن: ما الحكم لو كان الزوج بخيلاً لا ينفق على زوجته وأولاده النفقة الواجبة شرعاً ويحرمهم من طيبات الحياة رغم يساره؟
يقول الدكتور عثمان: بعض الفقهاء أعطوا للزوجة في هذه الحالة أن تأخذ من مال زوجها ما يكفي نفقتها ونفقة أولادها من دون إسرف، والرسول صلى الله عليه وسلم قال للزوجة التي ذهبت إليه تشكو شح زوجها: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، ومن المعروف أن أخذ المرأة من مال زوجها يجب أن يكون بقدر كفايتها من غير إسراف ولا تبذير، وإن كانت لا تعرف كيف تقدر النفقة فعليها أن تسأل من هو في مستواها من العقلاء والعاقلات، لكن أن تأخذ المرأة من مال زوجها تحت دعاوى كثيرة مثل تأمين مستقبلها أو بحجة أنه بخيل فتدخر من ماله كل ما تستطيع أخذه فهذه جريمة نكراء وسرقة تستوجب العقاب، فليس من المعقول أن يعمل الزوج ليل نهار وهناك زوجة لا تتقي الله فيه وفي ماله الذي هو حق لأولادهما من بعدهما .
ويرجع الدكتور رأفت عثمان انتشار ظاهرة سطو الزوجات على أموال أزواجهن إلى غياب التربية الإسلامية، فالأب والأم اللذان يربيان ابنتهما على أن المحافظة على مال زوجها واجب شرعي على الزوجة من الصعب أن تمتد يد هذه الابنة عندما تصبح زوجة إلى مال زوجها ولا يمكن أن تأخذ من مال زوجها من دون إذنه .
أنموذج متكرر
الخبيرة الاجتماعية الدكتورة عزة كريم أستاذة علم الاجتماع في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية تؤكد أن أي زوجة لا تحافظ على مال زوجها بأن تستقطع لنفسها جزءاً من راتبه وهو يعمل لتوفير حياة كريمة لها ولأولادها أو تنفق هذا المال في غير مصلحة الأسرة هي زوجة خائنة للأمانة، لأنها لم تحافظ على مال زوجها وللأسف أصبح هذا الأنموذج متكرراً بشكل مزعج بسبب عدم الرضا عما يحققه الزوج، رغم أن المرأة المسلمة مطالبة بأن ترضى بما قسم الله لها قل أو كثر، فلا تطلب من زوجها ما لا يستطيع أو ما ليس مهماً في الحياة .
وتنبه الدكتورة عزة إلى أن من حسن تدبير شؤون البيت أن تضع المرأة مال زوجها في أحسن موضع فلا تسرف في الزينة والكماليات وتخل بالضروريات، فإذا كان زوجها بخيلاً ولا يوفر لها ما يجعلها تعيش وأولادها حياة كريمة فعليها أن تستعمل الحيل المشروعة كي يبسط يده إليها وأولادها بالنفقة . بأن تذكره بالأحاديث التي تدعو إلى ذلك من غير أن توجه له نصحاً مباشراً حتى لا يتولى كبره وتأخذه العزة بالإثم فلا يسمع لها قولاً ولا يقبل لها نصحاً . فإن لم تستطع أن تفعل ذلك فعليها أن توصي بعض المقربين له بأن يحثوه على التوسعة عليها وعلى أولادها بطريقة غير مباشرة أيضاً .
علاقة حوار
وتتفق الدكتورة نسرين البغدادي، أستاذة علم الاجتماع في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، مع الدكتورة عزة وترى أن هناك الكثير من الزوجات لا يعرفن قدر الأمانة التي يحملنها ويتعاملن مع أموال أزواجهن على أنها أموال بلا أصحاب، بل ترى بعضهن أنهن صاحبات هذا المال في مقابل رعايتهن للزوج والأولاد فينفقن منه ببذخ شديد وكأن الزوج خلق ليكد ويعمل طوال اليوم وهي خلقت لتنفق أمواله .
وتقول: إن ما بين الزوجين من علاقات المودة والرحمة يفرض عليهما أن يتحاورا ويتناقشا ويتفقا في النهاية على ما يحقق المصلحة العامة والطمأنينة للأسرة ويوفر لكل أفرادها السعادة والاستقرار، فالعلاقات بين الأزواج والزوجات إذا ما كانت طبيعية والنفوس راضية لا مجال للسؤال عن راتب الزوجة وأموالها لمن تكون؟ أو عن تصرف الزوجة في مال زوجها دون إذنه والإنفاق منه في ما لا يفيد وعدم الحفاظ عليه، لأن الواقع أن أطراف هذا الكيان الأسري يقومون على رعايته وعلى النهوض به وإنجاحه وتوفير كل ما يحتاجه . فيحكم الزوج شعار التعفف ويحكم الزوجة شعار المسؤولية والمشاركة والتعاون، فهو لا يشعر بأن هناك من يهدر أمواله في ما لا يفيد وهي لن تشعر بأن هناك من يستغلها أو ينظر إلى ما في يدها، لأن ما في يدها وما في يده أصبحا شيئاً واحداً .
وتشير الدكتورة البغدادي إلى أن استيلاء الزوج على أموال زوجته وراتبها دون مبادرة منها بالمشاركة بجزء منه في نفقات الأسرة يهدم جدار الثقة بين الزوجين، فالزوجة لن تأمن أن تعيش مع زوجها الذي يسرق أموالها وربما يؤدي الأمر إلى الانفصال أحياناً والكراهية أحياناً أخرى والانتقام في بعض الأحيان .
قصة حرمان
أستاذ الطب النفسي في جامعة المنصورة الدكتور محمد الحديدي يؤكد أن وراء كل زوجة تسرق مال زوجها أو تأخذ منه من دون إذنه قصة من الحرمان الذي يمارسه الزوج ضدها ويقول: ليس بالضرورة أن يكون هذا الحرمان مادياً أي أن الزوج بخيل ولكنه قد يكون مهملاً لعواطف زوجته أو أنه لا يهتم بها ولا يوليها الاهتمام الذي تنتظره منه فتلجأ إلى الانتقام منه بهذه الطريقة الملتوية .
أما بالنسبة لما تدعيه مثل هذه الزوجة بأنها تفعل ذلك لتأمين مستقبلها فهي مخطئة، لأن السرقة ستخرب البيوت السعيدة وليست حصن أمان ضد غدر الزوج، فليس هناك من الأزواج من يستأمن زوجة سرقته في يوم من الأيام واقتطعت من ماله وأخفته لنفسها أن تعيش معه مرة أخرى . لذلك على كل زوجة ألا تبحث عن المظاهر وأن تتقي الله في زوجها وماله لأنه في النهاية لن يؤول إلا إلى الأسرة والأولاد جميعاً وألا تحرمه حقه في التصرف في ماله كيفما يشاء وإلا حرمها هي الأخرى إياه .
كما ينصح أستاذ الطب النفسي بأن يقوم كل زوجين، ومن الأيام الأولى من الزواج بتحديد هذه الأمور حتى لا يحدث خلاف في ما بعد .