الإسلام دعوة إلى إعمال العقل

. . لكل زمان ومكان
03:53 صباحا
قراءة 6 دقائق
يؤمن الإسلام إيماناً راسخاً بأن المجتمع القوي المتماسك هو الذي تسود فيه الحرية المسؤولة، ويحصل كل فرد فيه على حقوقه كاملة، ويمارس حرياته بمسؤولية وكفاءة، ويعمل فيه الإنسان عقله وجهده لكي يسهم في تطوير وتنمية ورقي مجتمعه . ولذلك جاء الإسلام كما وصفه العديد من المفكرين ثورة حقيقية ضد كل صور الجمود الفكري كما جاء ثورة ضد كل صور الديكتاتورية، وضد سلوك هؤلاء الذين توهموا أن الله خلقهم ليتسلطوا على رقاب العباد، ويصادروا حرياتهم ويفرضوا الوصاية عليهم .
الإسلام في تعامله مع الحريات الأساسية للإنسان له فلسفته ومنهجه المتميز، فهذه الحريات ليست شعارات يتغنى بها الإنسان ويتفاخر بها، من دون أن تكون لها انعكاسات على حياته وعلاقاته بالآخرين، كما أن استمتاع الإنسان بالحريات ليس هدفا في حد ذاته، بل هذه الحريات وسائل وأدوات لكي يحقق الإنسان رسالته في الحياة من خلالها، ويؤدي واجباته على الوجه الأكمل وهو يمارسها، فقد أكدت تجارب الأمم والشعوب أن المجتمع الذي تسود فيه الحريات المنضبطة هو أكثر المجتمعات إنتاجا وانضباطا وبالتالي استقرارا، بينما تعاني المجتمعات التي تصادر فيها حريات الإنسان قلاقل ومشكلات تعصف باستقرارها .
فما مظاهر ومجالات الحريات التي كفلها الإسلام للإنسان؟ وكيف تسهم هذه الحريات في استقرار حياته وتدفع به إلى المساهمة في بناء ورقي مجتمعه وتحمي مصالحه وتدفع به إلى الأمام؟ وما فعل الإسلام لدفع كل الناس إلى التفكير السليم وإجهاد عقله بحثاً عن حلول واقعية لمشكلات مجتمعه؟

رسالة حضارية

البداية مع أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية بجامعة الأزهر، د . طه حبيشي، حيث يعرفنا أولاً بجوهر الحرية التي يرحب بها الإسلام ويضبطها بقيمه وأخلاقياته، فيقول: الإسلام لم ينظر إلى "الحرية" على أنها مجرد حق من حقوق الإنسان لا يجوز المساس بها أو مصادرتها دون وجه حق، بل هو ينظر إلى هذه الحرية على أنها رسالة حضارية يجب أن يقوم بها الإنسان ليؤدي واجبه تجاه مجتمعه، ذلك أن العائد الأكبر لممارسة الحرية المنضبطة يعود على المجتمع أكثر مما يعود على الإنسان نفسه .
ويوضح د . حبيشي أن العطاء الحضاري في مجال الحريات يبدأ بحرية العقيدة حيث يبرز موقف الإسلام من حرية الاعتقاد واضحا، ويمثل قمة الاحترام والتقدير لعقل الإنسان وضميره، فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ومنحه عقلا يميز به بين الحق والباطل، وأعطاه حرية الاختيار حتى بين قبول طاعة الله أو عصيانه، وبين الإيمان والكفر، فالإنسان دائما في موقف الاختيار، ولذلك فهو مسؤول عما يفعل، ويتحمل نتيجة اختياره، يقول الحق سبحانه: "من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد" .
والإسلام الذي هو رسالة تخاطب العقل والوجدان لا يقبل إكراه أحد على عقيدته، ويرفض ويدين كل قول أو فعل أو اعتقاد يأتي عن طريق الإجبار أو القسر، وشعار الإسلام هنا قول الحق سبحانه: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل من الرجل الذي دخل في الإسلام أن يجبر ولديه على ترك دينهما وعلى اعتناق الإسلام .

حرية الفكر والتعبير

ومن حرية الاعتقاد إلى حرية التفكير، حيث تتجلى عظمة الإسلام وتقديره للحريات، فقد اعتبر الإسلام "التفكير" فريضة دينية لا يجوز للإنسان أن يتخلى عنها بأي حال من الأحوال، فالعقل الإنساني من أجل نعم الله على الإنسان، والوظيفة المنوطة بهذا العقل هي التفكير، وقد اهتم القرآن دستور المسلمين الخالد كثيراً بالتفكير الذي من خلاله يستطيع الإنسان أن يميز بين الأمور تمييزا صحيحا، ويحكم على الأشياء والأشخاص حكماً عادلاً، ويبتكر ويبدع في جميع المجالات، وقد ورد الحث على التفكير في نصوص قرآنية كثيرة ومن ذلك قوله تعالى: "لعلكم تتفكرون"، وقوله: "أفلا تتفكرون"، وأكثر التعبيرات التي وردت في هذا الصدد قوله تعالى: "إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" .
يقول أستاذ التفسير، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، د . القصبي زلط: ما حمله لنا القرآن من نصوص تحثنا على التفكير ما يؤكد أن حرية الفكر حظيت باهتمام بالغ في شريعة الإسلام التي احترمت عقل الإنسان وإرادته، وفرضت على كل من له عقل قادر على التمييز ويستطيع به تحقيق نفع للآخرين ولو كان يسيراً أن يعمل عقله ويفكر ويعبّر عن رأيه من دون مصادرة لحقوق الآخرين خاصة الذين يختلفون معه في الرأي .

أقل من الأنعام

ويؤكد العالم الأزهري أن الإسلام يعاقب الإنسان على تعطيل عقله، والكف عن التفكير السليم لخدمة دينه ومجتمعه، ويقول: لا يجوز للإنسان أن يعطل العقل عن أداء وظيفته، فالعقل طاقة منحها الله تعالى للإنسان ليؤدي وظيفة من أجل الوظائف وتعطيله عن أداء وظيفته يعد تعطيلا لنعمة من نعم الله تعالى عن أداء وظيفتها .
ومن هنا يصف القرآن الكريم هؤلاء الذين يعطلون عقولهم عن التفكير، ويصمون آذانهم ولا يبصرون أو لا يريدون أن يبصروا ما حولهم بقوله سبحانه: "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام" . ولو كانت الآية قد وقفت عند هذا الحد لكان في ذلك ظلم للأنعام، لأن الأنعام لا تعقل . . ومن هنا كانت تكملة الآية: "كالأنعام بل هم أضل"، فهم أقل مرتبة من الحيوانات، لأن الإنسان الذي يعطل عقله عن التفكير هو إنسان قد تنازل عن إنسانيته، ومن هنا لا يستحق أن يطلق عليه وصف للإنسان، لأنه ارتضى لنفسه أن يكون في مرتبة أقل من مرتبة الحيوان .
وعدم استخدام العقل كما أخبرنا القرآن الكريم يعد ذنباً من الذنوب التي يسأل عنها الإنسان يوم القيامة، حتى إن الكفار سوف يلومون أنفسهم يوم القيامة لأنهم لم يستخدموا عقولهم في الدنيا: "وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير" . ولذلك كانت دعوة القرآن الكريم للإنسان لاستخدام ملكاته الفكرية دعوة صريحة لا تقبل التأويل . وإذا كانت ممارسة الوظائف العقلية تعد واجبا دينيا في الإسلام فإنها من ناحية أخرى تعد مسؤولية حتمية لا يستطيع الإنسان الفكاك منها وسيحاسب على مدى حسن أو إساءة استخدامه لها، مثلما يسأل عن استخدامه باقي وسائل الإدراك الحسية . وفي ذلك يقول القرآن الكريم: "إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً" .
وينتهي عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر إلى تقرير حقيقة مهمة، وهي أن احترام قدرات الإنسان العقلية ومنحه حق التفكير والإبداع في مختلف مجالات الحياة وإزالة كل العوائق التي تعوق العقل عن ممارسة نشاطاته تصب في مصلحة المجتمع وتسهم في رقيه وتحضره، وإعطاء علمائه ومفكريه وأصحاب العقول فيه فرصة القيام بواجباتهم تجاه مجتمعاتهم .

لماذا تخلفنا؟

المفكر الإسلامي، د . محمود حمدي زقزوق عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر يؤكد أن حرية التفكير والإبداع في مختلف مجالات الحياة التي يدفعنا إليها الإسلام مرة عن طريق الحث ومرة عن طريق التحذير من تعطيل عقولنا، من شأنها أن تسهم في بناء مجتمعاتنا بناء صحيحا، ويقول: عندما توقف المسلمون عن التفكير وانتشرت بينهم الأوهام والخرافات وأصبح شعارهم: "ليس في الإمكان أبدع مما كان" توقفت حضارتهم وتوقف إبداعهم واكتفوا بترديد ما قاله السابقون، وقد أدى ذلك بطبيعة الحال إلى توقف عطائهم الحضاري وأصبحوا في مؤخرة الأمم .
ومن هنا يرجع د . زقزوق تقدم الآخرين وتخلف المسلمين الحضاري في القرون الأخيرة إلى أن الآخرين قد مارسوا التفكير واستخدموا عقولهم جيدا بينما توقف المسلمون عن ذلك، مع أن دينهم قد علّمهم أن التفكير في الأمور الدنيوية واجب بهدف البحث عن حلول لمشكلات الحياة المتجددة والارتقاء بالمجتمع المسلم وتوفير الرفاهية لكل من يعيش على أرض الإسلام من مسلمين وغير مسلمين، كما أن الاجتهاد في أمور الدين واجب العلماء المؤهلين لذلك، ولا يجوز التخلي عن هذا الواجب بأي حال من الأحوال .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"