كتب: محمدو لحبيب
«نحن نشتغل في هذا العالم لنحصل السعادة حيثما توجهنا، وذلك بجلب المنافع واتقاء المضار، فنحن -إذن- في أشد الاحتياج إلى العلم بوجوه استقامة ذلك الاشتغال، ليكون المتعلم بذلك راضيًا عن نفسه، واثقًا من حصول مبتغاه، ناهيك عما يجده المتعلم إن بلغ حدَّ أن يكون معلمًا من الابتهاج بما يبيِّن للمتعلمين من الحقائق».
طلب العلم والتبحر فيما يصلح أمور الناس من ذلك، وتعليمهم الخير وما يعمر الأرض ويمكث فيها هو من أسس الدين الإسلامي، والفقرة التي قدّمت لهذا المقال هي من كتاب «أليس الصبح بقريب» للعالم التونسي الشيخ محمد الطاهر بن عاشور.
وقد وضع الإسلام العلم والتعلم والعلماء في مكانة كبيرة جدا، فجاءت الآيات كثيرة في القرآن الكريم دالة على ذلك، ومن بينها قول الله عز وجل: «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء»، ولم يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالازدياد من شيء إلا من العلم فقال جل جلاله: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا)، وأشرك الله أهل العلم مع الملائكة في الشهادة على أعظم حقيقة وهي وحدانيته وتفرده بالألوهية فقال: ( شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُو الْعِلْمِ)، وكذلك فإن أول آية نزلت من القرآن الكريم كانت آية «اقرأ» التي تحث النبي صلى الله عليه وسلم وأمته على مفتاح من مفاتيح العلم وهو القراءة، وترشد الناس إلى دلائل الخلق وعظمة الخالق جل جلاله وتعليمه للإنسان ما لم يعلم، وتبين آيات الله المبثوثة في الكون وفي خلق الإنسان نفسه.
أهداف ودوافع
وفي الأحاديث النبوية المطهرة نجد كذلك تبياناً للمكانة السامية التي يحظى بها طالب العلم عند الله، وفضل العالم على العابد وكونه الوارث للأنبياء، وثمة أحاديث كثيرة من بينها: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين»، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع»، وقوله كذلك: «فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورّثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر».
ولكل تلك المكانة العظيمة للعلم، كان لزاماً على العلماء أن يبينوا مهمة العلم الحقيقي، ولذلك حددت الفقرة الآنفة الذكر أنه هو ذلك الذي يسعى لنفع الناس، ودفع الضر عنهم، وأنه بذلك يكون الوسيلة الأساسية لتحقيق السعادة المتعلقة بمهمة عمارة الإنسان المسلم للأرض، وزرع الخير فيها أينما كان.
ويوضح الشيخ محمد الطاهر في فقرة أخرى من كتابه، ضرورة أن يبين المعلم لمتعلميه الغاية التي يمكن أن يحققوها من خلال تعلمهم، حتى يستطيعوا أن يتحمسوا ويَجِدُّوا في طلب العلم، ويفهموا أبعاده السامية التي تتجاوز التحصيل المعرفي نحو منفعة الناس، وتحقيق السعادة لهم، فقال: «من واجب كل داع إلى التعليم أن يوضح لطالبيه الغايات التي يحصلونها من مزاولة ذلك التعليم؛ سواء كانت غاية دنيوية أو أخروية؛ لأن لكلتا الغايتين طُلابًا، فتلك الغاية هي التي يجتني منها المتعلم نفعًا لنفسه دنيويًّا وأخرويًّا، ووراء هاتين غاية هي أسمى وأعظم للتعليم، وهي إنتاج قادةٍ للأمة في دينها ودنياها، وهداةٍ هم مصابيح لها».
وابن عاشور يشير في هذه الفقرة الثانية، إلى مسألة مهمة تتعلق بالهدف الأساسي من التعلم، والدوافع التي تحرك همة المرء لطلب العلم، فهي بالعموم منقسمة إلى دوافع مادية دنيوية، ربما تنحصر في كسب المرء عملاً أو مالاً من خلال علمه فقط، ودوافع أخروية هي الأهم والأشمل وتتعلق بالإخلاص لله تبارك وتعالى في طلب العلم، والنية أن يستخدم المتعلم علمه لخدمة الناس ولتيسير حياتهم، ولنفعهم بشكل عام، ويمكن أن تتفق هذه النية النبيلة مع المكاسب الدنيوية المادية التي يحصل عليها المتعلم أحياناً، لكن الأهم في الإسلام أن يكون العلم موجهاً للخير ولخدمة الناس وما ينفعهم، وبذلك يكون طالب العلم معلماً للناس الخير وقائداً لهم إلى صراط ربهم المستقيم.
إصلاح التعليم
كتاب «أليس الصبح بقريب» ألّفه ابن عاشور في بواكير حياته؛ حيث كتبه وهو في الرابعة والعشرين، وقد قصد الشيخ الطاهر من كتابه هذا إصلاح التعليم العربي والإسلامي، وتكلم من خلاله عن أحوال العلوم الإسلامية، وطرائق تعليمها، وأسباب النهوض والانحطاط العارضين لها، وأجْملَ ذلك في عدة أبواب وفصول من بينها: أطوار التعليم في الأمة العربية قبل الإسلام، وفي أشهر الأمم المعاصرة للعرب، وأطوار التعليم العربي عند ظهور الإسلام وبعد ظهوره، ونقل العلوم الفارسية والهندية واليونانية، ووصف التعليم الإسلامي، وأساليبه، ومناهجه، والطريقة في معرفة أهلية المتصدي للعلم، وصفة الدروس، ومواضع التعليم، والكتاتيب وأوليتها في الإسلام، وتعليم المرأة..الخ، ولقد أودع المؤلف هذا الكتاب نظراته الفاحصة، وآراءه السديدة، ومقترحاته الدقيقة، وملاحظاته القيمة التي كانت سببًا للنهوض بالتعليم في بلاده وغيرها، وكان كل ذلك بأسلوب أخَّاذ، ولغة رائعة سلسة. والشيخ محمد الطاهر بن عاشور عالم وفقيه تونسي ولد في تونس سنة 1879 م، وأسرته منحدرة من الأندلس وترجع أصولها إلى أشراف المغرب الأدارسة، تعلّم بجامع الزيتونة ثم أصبح من كبار أساتذته، برز في عدد من العلوم ونبغ فيها، كعلم الشريعة واللغة والأدب، وكان متقناّ للُّغة الفرنسية، وعضواً مراسلاً في مجمع اللغة العربية في دمشق والقاهرة، تولى مناصب علمية وإدارية بارزة كالتدريس، والقضاء، والإفتاء، وتم تعيينه شيخاً لجامع الزيتونة.
ومن أشهر أقرانه الذين رافقهم في جامعة الزيتونة: شيخ الأزهر الأسبق محمد الخضر حسين، وابنه محمد الفاضل بن عاشور الذي كان بدوره من علماء الدين البارزين في تونس. وقد بلغت كتبه ومؤلفاته الأربعين كتاباً، وهي غاية في الدقة العلمية، وتدل على تبحره في شتى العلوم الشرعية والأدب، ومن أهمها كتابه في التفسير «التحرير والتنوير» وهو تفسير قيّم، أمضى في إنجازه قرابة الأربعين عاماً، وقد اشتمل على كثير من الفوائد واللطائف، مع الحرص على تلمس الحِكم من الأحكام والتشريعات، والإكثار من النقول عن الأئمة والعلماء في شتى العلوم سواء كانت شرعية أو لغوية أو بلاغية أو غيرها من فروع العلم، وكتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية»، وكتابه «حاشية التنقيح للقرافي»، وكتاب «أصول العلم الاجتماعي في الإسلام»، و«الوقف وآثاره في الإسلام»، و«نقد علمي لكتاب أصول الحكم»، و«كشف المعطر في أحاديث الموطأ»، و«التوضيح والتصحيح في أصول الفقه»، و«موجز البلاغة»، و«الإنشاء والخطابة»..الخ.
قال عنه الشيخ محمد الخضر: وللأستاذ فصاحةُ منطقٍ، وبراعةُ بيانٍ، ويضيف إلى غزارة العلم وقوّة النظر: صفاءَ الذوق، وسعة الاطلاع في آداب اللغة)، وقد توفي ابن عاشور في تونس سنة 1973 م.