تساؤلات كثيرة عرضناها على اثنين من علماء الإسلام.. وهنا خلاصة ما قالاه:
عن عطاء الإسلام الحضاري في مجال حماية حرية الإنسان في الحفاظ على حياته الخاصة.. يقول د. سعد الدين هلالي أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر: تجرّم الشريعة الإسلامية تتبع عورات الناس وكشف أسرارهم وفضحهم بين الناس، وأول عطاء إسلامي في مجال حماية الحياة الخاصة يتجسد في «حرية الإنسان في بيته»، حيث تبدأ منظومة الإسلام الحضارية لحماية خصوصيات الناس بأدب رفيع هو أدب الاستئذان واحترام حرمات البيوت وخصوصيات من يقيمون فيها، وهي حرمة نبهنا إليها القرآن الكريم من خلال العديد من الآيات المحكمة التي توفر لكل من يلتزم بها حياة طيبة كريمة وعلاقات محترمة مع كل من يتعامل معهم من الناس.. يقول الحق سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون، فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم، ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون».
«كيف أصنع؟»
وذكر المفسرون في سبب نزول الآيات السابقة أن امرأة من الأنصار جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد، لا والد ولا ولد، فيأتي الأب فيدخل عليّ وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال.. فكيف أصنع؟ فنزلت هذه الآيات التي تحمل خلقاً وأدباً إسلامياً رفيعاً وترسي أحد أبرز مظاهر حماية الحريات الشخصية وتقرر حرمة البيوت وتفرض على كل من يدخل غير بيته أن يستأذن.
يروى أن الخليفة الراشد أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن تلا على جمع من أصحابه قول الحق سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم»: أفرأيت الحانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله تعالى: «ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم».. ثم أتبع ذلك بقوله سبحانه: «ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون»، أي أرشدناكم إلى هذا الأدب السامي وبيناه كي تعملوا به، وتكونوا دائماً متذكرين له، وتتركوا اقتحام بيوت غيركم من دون استئذان ساكنيها.
«السلام قبل الكلام»
هذا الأدب الإسلامي «أدب الاستئذان» تحتاج الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين إلى التسلح به بعد أن تلاشت من نفوسهم حرمة البيوت واحترام مشاعر وخصوصيات ساكنيها وصيانة أعراضهم.
وأدب الاستئذان - كما يوضح أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر - يفرض على كل إنسان - سواء أكان رجلاً أم امرأة - أن يستأذن ويسلّم قبل الدخول على غيره في بيته، فالآية الكريمة: «يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً» تحمل نهياً صريحاً عن الدخول من دون استئذان، وقد قال الفقهاء إن الاستئذان واجب والسلام مندوب، وبذلك يكفي الاستئذان فقط عند الدخول.
ويرى بعض العلماء أن القادم يبدأ بالاستئذان قبل السلام وفقاً لترتيب ما ورد في الآيات الكريمة، ويرى كثير منهم تقديم السلام على الاستئذان حيث وردت أحاديث متعددة تفيد بأن السلام مقدم على الاستئذان، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «السلام قبل الكلام»، وبعض العلماء فصل هذه المسألة فقال: إن كان القادم يرى أحداً من أهل البيت سلم أولاً ثم استأذن في الدخول، وإن كان لا يرى أحداً منهم قدم الاستئذان على السلام.
حق الستر
وتنتقل الشريعة الإسلامية إلى كفالة حق آخر يضمن حماية خصوصيات الآخرين وهو «حق الستر»، حيث يقول الداعية الأزهري الشيخ سعد الفقي، وكيل وزارة الأوقاف المصرية: ليس من أخلاق الإسلام فضح الآخرين وكشف أسرارهم حتى لو ارتكبوا مخالفات شرعية وتجاوزات سلوكية، فواجب المسلم عندما يرى مخالفات أو تجاوزات تغضب الله ورسوله تقديم النصيحة المخلصة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي حالة عدم الاستجابة يتحمل رافض النصيحة الذي يصر على المعصية نتيجة تصرفه المخالف للشرع من دون أن يتحمل وزره الناصح له.
ويضيف: إسلامنا لا يقر الفضائح والتشهير بالناس، وتعاليمه وآدابه تفرض على المسلم أن يحافظ على خصوصيات الآخرين، وأن يخلص في نصيحتهم لو ارتكبوا سلوكيات خاطئة، وستر المسلم حق من حقوقه التي كفلتها له الشريعة الإسلامية.. فديننا يحث على ستر المسلم وعدم فضحه بين الناس، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يبشرنا بمكافأة مجزية من الخالق، فيقول في الحديث الصحيح: «لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلاّ ستره الله يوم القيامة».
ويوضح الداعية الأزهري أن ستر المسلم المخطئ سلوك نبيل يحثنا عليه الرسول، وليس في ذلك تهاون مع مخالفين أو متجاوزين لحدود الله أو تدليس على مرتكبي منكر، ولا في ذلك تغطية على معصية، وإنما الهدف هنا نبيل وهو ستر عورة المخطئ، والبعد عن فضيحته والاجتهاد في نصحه، والحفاظ على حرمته وكرامته، وفي هذا صيانة لحقوق الأخوة، وإعطاء الفرصة للمخطئ أو المتجاوز لكي يراجع نفسه ويعود إلى عالم الفضيلة، ويتخلى عن الرذائل التي ارتكبها.
آثمون شرعاً
وعن الموقف الشرعي من هؤلاء الذين يفضحون الناس بكشف أسرارهم يقول الشيخ الفقي: هؤلاء آثمون شرعاً ومخالفون لتعاليم وآداب الإسلام، وكل من يؤذي مسلماً بكشف أسراره سوف يعاقبه الله على ذلك، وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صعد المنبر يوماً وقال: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله».
وهنا يحذر الشيخ الفقي من كشف الخصوصيات التي تتعلق بالشرف والأعراض، ويؤكد أن واجب المسلم أن يحمي ما أمر الإسلام بحمايته وألاّ يتورط في أحاديث أو نقل أسرار أو كشف تجاوزات تؤدي إلى الإساءة لأعراض عائلات.. مشدداً على أن الشريعة الإسلامية اتخذت كل الوسائل للمحافظة على عرض الإنسان وسمعته بين الناس، وقررت عقوبات لكل من يتورط في خطيئة بهذا الحجم ومن هنا فإن الإسلام يرفض ويدين كل تصرف يؤدي إلى فضيحة الإنسان وكشف خصوصياته بين الناس.
سوء الظن والتجسس
ويحذر وكيل وزارة الأوقاف المصرية من سلوكيات تمثل هي الأخرى عدواناً صارخاً على خصوصية الإنسان ومنها «سوء الظن والتجسس» ويقول: القرآن الكريم حذر تحذيراً شديداً من سوء الظن والتجسس على الناس بهدف كشف عوراتهم والعدوان على خصوصياتهم حيث يقول الحق سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم».. وإذا كان سوء الظن سلوكاً سيئاً يمثل اتهاماً غير مبرر لأبرياء، فإن التجسس يمثل عدواناً على خصوصيات الآخرين من دون مسوغ لذلك.. والنبي عليه الصلاة والسلام جعل تتبع عورات الناس من خصال المنافقين، وحرم أشد التحريم أن يطلع أحد على قوم في بيتهم بغير إذنهم، وأهدر في ذلك ما يصيبه من أصحاب البيت فقال: «من اطّلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه».. كما حرم أن يسمع حديثهم بغير علم منهم ولا رضا فقال: «من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة».
وحماية حرية الإنسان مع أهل بيته تفرض على طرفي العلاقة الزوجية عدم كشف أسرار علاقتهما الخاصة وما يتعلق بشؤون البيت للآخرين.. ولا يقف الأمر هنا عند ما يخص العلاقات الخاصة بين الزوجين وما يتعلق بأمور المعاشرة الزوجية، بل كل ما يحدث بين الزوجين من مناقشات وخلافات وأمور تتعلق بالأولاد وما يخص الظروف المالية للأسرة، فكل ذلك له حرمته، ولا يجوز لأحد من الزوجين أن يتحدث عنه لأطراف أخرى، فلا يجوز للزوجة مثلا أن تنقل لأسرتها أسرارا بينهما وما يمتلكه الزوج من أموال وما يكتسبه من عمله، وإذا كان الزوج مريضا لا يجوز أن تتحدث عنه زوجته وتكشف مرضه لأي شخص مهما كانت صلة قرابته أو علاقته بالأسرة، فما يدور في بيت الزوجية يجب أن يبقى داخل جدرانه لأن اطّلاع الآخرين على ما يخص الزوجين أمر مخالف للمروءة ومنافٍ للآداب والتعاليم الإسلامية، والأحاديث النبوية الواردة في هذا الشأن كثيرة وكلها تحث على الاحتفاظ بأسرار الزوجية حتى لا تصبح حديث الناس.